من السنن المهجورة‎ : المشي حافياً أحياناً

د. أحمد محمد أبو عوض.
3148 مشاهدة
من السنن المهجورة‎ : المشي حافياً أحياناً.
حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري عن عبدالله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحَلَ إِلَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ بِمِصْرَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ آتِكَ زَائِرًا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : كَذَا وَكَذَا.
قَالَ : فَمَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ ؟ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ.
قَالَ : فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً ؟ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا.

■ التخريج :
رواه أبو داود [3629] والإمام أحمد في المسند [22844] والبيهقي في الشعب [6196] وصححه الشيخ الألباني في السلسة الصحيحة [502] وفي صحيح أبو داود [4160].

■ الكلام على الحديث.
• غريب مفرداته :
قال الشيخ الألباني بعد أن خرج الحديث في السلسة الصحيحة :
1 - الإرفاه . قال في "النهاية" : هو كثرة التدهن والتنعم وقيل : التوسع في المشرب والمطعم أراد ترك التنعم والدعة ولين العيش لأنه من زي العجم و أرباب الدنيا".
قلت : والحديث يرد ذلك التفسير ولهذا قال أبو الحسن السندي في حاشيته على النسائي : "وتفسير الصحابي يغني عما ذكروا، فهو أعلم بالمراد".
قلت : ومثله تفسير عبدالله بن بريدة في رواية النسائي، والظاهر أنه تلقاه عن الصحابي، والله أعلم.
2 - (الترجل) هو تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.
3 - (غبا) بكسر المعجمة وتشديد الباء : أن يفعل يوما ويترك يوما والمراد كراهة المداومة عليه وخصوصية الفعل يوما والترك يوما غير مراد. قاله السندي.
4 - (شعث الرأس) أي : متفرق الشعر.
5 - (مشعان) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وعين مهملة وآخره نون مشددة هو المنتفش الشعر الثائر الرأس.
6 - (يمد ناقة) أي يسقيها مديدا من الماء .. ا.هـ.

• فوائده :
هذا الحديث يدل على سُنية عدم تسريح الشعر إلا غباً، يعني يوماً بعد يوم ! وليس هنا محل بحث هذه فلها مكان آخر، وإنما هذه للتذكير بسنة غائبة عن أذهان كثير جداً من الناس وهي سُنية المشي بدون نعل – أحياناً – سنة لا يعرفها إلا القليل، وإن قاموا بتطبيقها استغرب الناس منهم، بل ولربما أنكروا عليهم صنيعهم ! والأشنع من ذلك أن يصدر النكير عمن هو محسوب على الدين ! بحجته - الواهية – المعروفة أن زماننا يختلف عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
فاقتد بحبيبك ونبيك – صلى الله عليه وسلم – وامش حافياً أحياناً وحاذياً أخرى. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرة مشى حافياً ! إلا أن أغلب أحيانه كان متنعلاً.
عن عبدالله بن عمر أنه قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فسلم عليه ثم أدبر الأنصاري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة فقال صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعوده منكم، فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشي في تلك السباخ حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه رواه مسلم [1533].
وأيضاً ورد ذلك عن عمر رضي الله عنه قوله : (اخشوشنوا وامشوا حفاة وانتعلوا).
ولا يعني ذلك أبداً إنكار النظافة والطهارة وطلب القذارة قال في عون المعبود : "كره النبي صلى الله عليه وسلم الإفراط في التنعم من التدهين والترجيل على ما هو عادة الأعاجم وأمر بالقصد في جميع ذلك، وليس في معناه الطهارة والنظافة، فإن النظافة من الدين".

وينبغي التذكير بورد النهي عن المشي في خف واحدة فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (لاَ يَمْشِى أَحَدُكُمْ في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا) رواه البخاري [5408]

هذه سنة مهجورة، لو فعلها الإنسان أحياناً لقيل : ما هذا التخلف والرجعية ؟ فكيف لو فعلها مسؤول كبير أو أمير أو وزير كفضالة بن عبيد رضي الله عنه ؟ فافعلوها وذكروا الناس بها ولكم أجرها وأجر من عمل بها إن شاء الله تعالى.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :