• ×

10:18 صباحًا , الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018



◄ قصة : عدالة السماء ـ بشر القاتل بالقتل «9».
كان ثلاثة رجال من الفلاحين يسيرون ليلاً من قرية على نهر (الخازر) الذي يقع في منتصف الطريق بين (الموصل) و (عقرة) متجهين نحو قرية في منطقة (عقرة)، وكان معهم بعض الدواب والماشية وبعض المال. كان أهلهم في قريتهم الجبلية ينتظرون وصولهم إلى القرية في منتصف الليل، ولكنهم لم يصلوا إليها في الوقت المعين. وأصبح الصباح ولم يصل الرجال الثلاثة إلى القرية، فأخبر أهلهم مختار تلك القرية، فركب حصانه ويمم شطر (عقرة)، وأخبر الشرطة هناك بالحادث. وامتطى مفوض الشرطة، ومعه بعض رجاله في سيارة مسلحة، وساروا على طريق عقرة نهر الخازن المبلطة، وكانوا يتوقفون في القرى يسألون عن الرجال المفقودين. واستمر تفتيش الشرطة خمس ساعات، ثم عثروا على الجثث الثلاث للرجال الثلاثة، محروقة في جوف واد سحيق، ولم يجدوا أثر لدوابهم وماشيتهم ونقودهم. وابتدأت الشرطة تطارد الجناة، وبعد أيام عثروا على قسم من دواب وماشية الثلاثة المقتولين في حوزة أخوين شقيقين فألقوا القبض عليهما.
وجرى التحقيق مع المتهمين، وكانا معروفين بارتكاب جرائم القتل والسرقة والسلب، وبعد التحقيق الدقيق قدما إلى المحكمة العسكرية العرفية. كانت سوابق (هذين) المتهمين تشير إلى أنهما اللذان ارتكبا تلك الجريمة الشنعاء. وكان عثور الشرطة على قسم من دواب وماشية القتلى عند المتهمين دليلاً مادياً على ارتكابهما جريمة القتل. وعندما وقعا في فخ الشرطة، تكاثر عليهما الشهود، فاعترف أحدهما وهو الصغير بأنه ارتكب جريمة القتل، بينما أصر الثاني على الإنكار. وتداول قضاة المحكمة العسكرية العرفية بأمر المتهمين، فكان من رأي الأكثرية أن الأخ الصغير اعترف بعد أن رأى أن الأدلة على ارتكابه الجريمة متواترة لا سبيل إلى التخلص منها، لذلك أراد أن يتحمل العقاب وحده باعترافه ويخلص شقيقه من العقاب. وأخيراً حكمت المحكمة على الشقيقين بالإعدام علناً شنقاً حتى الموت، ثم أرسلت بالدعوى إلى المراجع العليا للتصديق.
كانت جريمة بشعة حقاً، استفزت الرأي العام، فكانت حديث المجالس، وقد وصلت إلى أسماع الناس في كل مكان، وكانت السلطة العليا تحرص على تطمين الناس وإدخال الأمن إلى نفوسهم وتهدئة روعهم، فصدقت على الحكم بسرعة، وأقرت تنفيذ الحكم على الشقيقين في ميدان عام مزدحم بالسكان. ونشرت الصحف تصديق الحكم على الأخوين، وأذاعت محطة الإذاعة الخبر، وتسامع الناس بموعد تنفيذ الحكم بهما ومكانه، فأقبلوا زرافات ووحدانا ليشهدوا مصرع الجانبين. وفي عصر يوم من أيام أواخر الخريف من عام 1952، كان المسؤولون عن السجن يقيمون مشنقة خشبية في ساحة (باب الطوب) في مدينة الموصل، فانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم، وسمع من لم يسمع بخبر العزم على تنفيذ حكم الإعدام بالمجرمين صباح يوم غد، ويقول اللواء محمود شيث خطاب (اللواء العراقي والكاتب الإسلامي العريق) : سمعت بالخبر كما سمعه الناس. وعزمت على أن أشهد تنفيذ حكم الإعدام بهما، وحرصت ألا تفوتني تلك الفرصة، فقد كان وقع الجريمة في نفسي شديداً. وكنت أسهر في ليلة التنفيذ مع بعض الضباط في النادي العسكري، وإذا بجندي من جنود الانضباط العسكري (الشرطة العسكرية) يسلمني رسالة رسمية من آمر موقع الموصل، فلما قرأت الرسالة علمت منها رغبة آمر الموقع أن أحضر إلى السجن ممثلاً للجهة العسكرية لأبلغ المجرمين موعد تنفيذ حكم الإعدام ومكانه.
وفي السجن حين حضرت لتبليغ المجرمين، وجدت ممثلاً عن المحكمة العسكرية العرفية، ومدير السجن، وطبيبا، وممثلاً عن المحاكم المدنية، وممثلاَ عن الإدارة المحلية، ووجدت ملفاً ضخماً للدعوى فيها أوراق بيضاء وحمراء وصفوان .. الخ. وكانت الأصول المتبعة أن يحضر ممثلون عن الجهات العسكرية والمحاكم المدنية والإدارة المحلية وطبيب عسكري، ليوقع كل واحد منهم على تلك الأوراق بعد تبليغ المزمع تنفيذ حكم الإعدام بهما، والإجراءات الشكلية كانت تجري كالمعتاد. وقد ذهب كل ممثلي تلك الدوائر الرسمية ومعهم ملف الدعوى الضخم إلى زنزانة المجرمين، وهناك وجدوا شيخاً من شيوخ الدين ينتظرهم. وفتح السجان باب الزنزانة، فإذا بالمجرمين شابين قويين مفتولي العضل متمالكين أعصابهما إلى أقصى الحدود. ودخلنا الزنزانة، فاستقبلنا المجرمان بترحاب وأريحية كأنهما أصحاب الدار، وكأننا ضيوف عليهما. كانا هاشين باشين هادئين غير متذمرين، وكانا مؤدبين غاية الأدب، غير مكترثين بالأمر كله، وكانا (طبيعيين) حتى لقد تحرجنا من قراءة الحكم عليهما وبقينا واجمين صامتين مدة من الزمن لا ندري كيف نبدأ الحديث. وأخيراً قرأنا عليهم الحكم، وأخبرناهما بان الإعدام سينفذ بهما صباح غد علناَ في ساحة(باب الطوب) فاستمعا إلى كل ذلك بشجاعة وصبر عجيبين. سألناهما كالمعاد : ماذا تريدان ؟ وهل لديكما ما تقولان ؟
قالا : لا نريد شيئاً غير الشاي وعلبتين من الدخان. وقالا : نريد رحمة الله وغفرانه، ولا نريد من البشر شيئاً. وتَضاحكا، وأخذ كل واحد منهما يشجع أخاه. قال الصغير للكبير : "لقد ارتكبت أنا الجريمة، فشاركتني أنت في العقاب، وما كنت أريد لك هذا المصير ظلما وعدواناَ !" وقال الكبير للصغير : "لا تحزن ! صحيح أنني لم اشترك معك في قتل الرجال الثلاثة، ولكنني قتلت غيرهم كثيراَ، فأنا اليوم أؤدي ما في عنقي من ديون" وسرد الأخ الصغير قصته كاملة على الحاضرين، فكان مجمل ما قاله : أنني اليوم أقرب ما أكون إلى الله، وسأكون غدا ضيفه، إن أخي هذا لم يشارك في قتل الرجال الثلاثة ولم يشهد قتلهم. لقد كنت وحدي ومعي بندقيتي في حفرة بالقرب من قارعة الطريق، فلما مرَّ بي الرجال الثلاثة مع دوابهم ومواشيهم انتهزتها فرصة سانحة وقررت ألا يفلت من يدي هذا الصيد الثمين. كنت أراهم ولا يرونني فصوبت بندقيتي على رأس أحدهم، ثم أطلقت النار فأرديته قتيلا، وارتبك الاثنان الباقيان وامتدا على الأرض بالقرب من مكمني، فأطلقت النار على الثاني، فأرديته قتيلا، ونهض الثالث من مكانه وهرب متعثراَ، فعاجلته برصاصة استقرت في رأسه فمات على الفور. وجمعت الدواب والماشية وفتحت جيوب القتلى، وسلبت ما كان عندهم من نقود، ثم قدتُ الدواب والماشية إلى بطن الوادي القريب من الطريق، ثم ربطتهم بالحبال، وعدت إلى الجثث في محاولة إبعادهم عن الطريق. وسحبت الجثث إلى بطن الوادي، لأنني خفت أن يراهم عابر سبيل فيخبر أهل القرى بالحادث، فيتنادى سكانها فيلقوا القبض على الدواب والماشية قبل أن أستطيع الفرار بها وتدبير أمرها. وحين استقرت الجثث في بطن الوادي، جمعت بعض الأخشاب والأعشاب اليابسة، ووضعتها فوق الجثث، وأوقدت فيها النيران لإخفاء معالم الجريمة إلى الأبد. وكان وادي الموت سحيقاَ، وكانت النيران تلتهم الجثث فلا يراها أحد، وكانت أقرب القرى إلى ذلك الوادي تبعد ثلاثة أميال. وسقت الدواب والمواشي إلى قريتي آمنا مطمئناً، فوصلت إليها في منتصف الليل، فربطتها بالقرب من القرية، وذهبت إلى شقيقي هذا، وأخبرته بالحادث، فأسرع معي إلى مكان الدواب والماشية، فستقناها بعيداً وأخفيناها في شعاب الجبال. ولما علم رجال الشرطة بالحادث، تعقبوا آثار الدماء، فعثروا على بقايا الجثث، ثم استطاعوا بقدرة من السماء أن يعثروا عليها في أعماق الوديان. وحين ألقى رجال الشرطة القبض علينا، كنا نائمين بالقرب من عين من عيون الماء تحت شجرة ضخمة من أشجار البلوط، ولو كنا يقظين لما استطاعت أي قوة في الدنيا إلقاء القبض علينا. وفي المحاكمة، شهد الشهود بسماع طلقات نارية في ليلة الجريمة، كما شهد أهل القرية بأنهم افتقدوني وشقيقي منذ تلك الليلة حتى إلقاء القبض علينا. واقتنع قضاة المحكمة بأنني وشقيقي قتلنا الرجال الثلاثة، ولم يفد معهم اعترافي بالجريمة وإصرار شقيقي على الإنكار. لقد ظنوا أنني أضحي بنفسي من أجل شقيقي، وأنني أريد أن أنقذه من حبل المشنقة، وما علموا أن اعترافي هو الحق، وأن إنكاره هو الحق أيضاَ. وتنهد الأخ الكبير، وقال : إن ما قاله شقيقي حق، ولست في معرض الدفاع عن نفسي، لأنني أعلم أن وقت الدفاع عن النفس قد فات، ولكنني أعترف بأنني قتلت غير هؤلاء الرجال الثلاثة الذين قتلوا في تلك الليلة، وكنت أقتل القتيل وأمشي في جنازته أشد ما أكون تظاهرا بالحزن عليه، وقد ستر الله علي مرات كثيرة، ولكن الله يمهل ولا يهمل. وغدا سأشنق من أجل قتلاي الكثيرين لا من أجل القتلى الثلاثة، وإذا استطعت أن أتهرب من عقاب البشر، فإنني لم أستطع أن أتهرب من عقاب الله.
في صباح اليوم التالي، كان شابان يتسابقان بخطوات ثابتة رصينة لصعود سلم المشنقة، وعلى السطح تحت حبلين يتمرجحان تعانق الأخوان، وقال الصغير للكبير : "أطلب منك العفو"، فأجابه الكبير : "إنك لم تقترف ذنبا بحقي، فأنا المذنب بحق نفسي" وبعد لحظات كانت جثتان هامدتان يتلاعب بهما الريح، وكانت تحتهما امرأة عجوز تنهل الدموع من عينيها غزيرة مدرارة. وكان الذين شهدوا تنفيذ حكم الإعدام يزيدون على عشرة آلاف نسمة : رجالاً ونساءَ، وشيوخاَ وأطفالا. ولم يكن بين الحاضرين من يشاركها أسبابها، ولم يكن بينهم من يشاطرها الحزن، ولا شماتة في الموت، ولكن الجريمة كانت أفظع من مقابلتها بغير الشماتة القاسية. وتحلق بعض الناس حولها يصبون لعناتهم على المصلوبين، ولكن المرأة العجوز وكانت أم المجرمين اللذين لا تزال تتأرجح جثتاهما على حبال المشنقة، ويعبث بهما الريح بعنف وقسوة تسربت من بين الحشود الشامتة الغاضبة، بعد أن ألقت عليهم درساً لا يزالون يذكرونه حتى اليوم ولا أخال أنهم سينسونه في يوم من الأيام.
قالت الأم الثكلى : أنني لا أملك إلا الحزن عليهما، فهما فلذتا كبدي، ولكنني كنت متيقنة منذ زمن بعيد أن مصيرهما سيكون القتل بالرصاص أو الصلب على أعمدة المشانق. وكم كنت أتمنى أن يموتا شهيدين دفاعا عن بلادهما أو في أرض فلسطين، إذاً لرفعت رأسي عالياَ بهما. لقد كنت أقول لهما : أن الموت مصير كل حي، ولكن شتان بين أن يموت المرء شريفا، وبين أن يموت بالخزي والعار ! لقد كنت أقول لهما : بشر القاتل بالقتل واليوم أرى مصرعهما بعيني، فإذا كانت الحدود مطهرات، فليكونا عبرة لغيرهما من الناس. ومضت المرأة العجوز هائمة على وجهها فهل من معتبر ؟ أم على قلوب أقفالها ؟ نعم هي عدالة السماء من رب الأرض والسماء.
image
قصة : عدالة السماء والسائق اليمني «1».
قصة : عدالة السماء وحي المظلوم والأرملة في جدة «2».
قصة : عدالة السماء وأمانة الكيس الأحمر «3».
قصة : عدالة السماء والباذنجانة بدمشق «4».
قصة : عدالة السماء وعامل نظافة يصبح مليونيراً «5».
قصة : عدالة السماء ـ سورة الزلزلة «6».
قصة : عدالة السماء ـ شاب جامعي تزوج عجوز «7».
قصة : عدالة السماء ـ كان رجلاً معدماَ ولكنه كان سعيداً «8».
قصة : عدالة السماء ـ بشر القاتل بالقتل «9».
قصة : عدالة السماء ـ عدالة قاضي مع السلطان محمد الفاتح «10».
 0  0  1025

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:18 صباحًا الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.