• ×

06:11 صباحًا , الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018

◄ دور الإصغاء في التواصل الأسري.
■ مقدمة :
يتعلم الإنسان فن الإصغاء والتواصل والحوار بالدّرجة الأولى في حياته العائلية، وهذا ما نفتقده حتّى اليوم في مجتمعاتنا العربية. وعلى الرّغم من التطوّر الحاصل في التقنيات التربويّة الحديثة وفي التفتح على العلم الخارجي من خلال وسائل الاتصال الحديثة، فإننا لا زلنا لم نتخلص بعد من بعض السلوكيات السلبية في علاقاتنا مع أبنائنا والتي كثيرا ما تطبع بمعوقات الإصغاء والاتصال الفعال.
ويلعب الوالدين دوراً أساسيا في كيفية تعليم الأبناء فن الإصغاء من خلال الممارسات اليومية والمحاكاة، فإن أصغى الوالدان لأبنائهما، أيا كانت المواضيع التي يطرحونها، ساعدوهم ذلك على التّواصل بشكل صحيح، أمّا إذا أخذت التربية والمعاملة الوالدية شكل الأمر والطاعة بدون أي نقاش فلا بد من أن ينشأ الأبناء إما على فرض آرائهم دون الأخذ بعين الاعتبار رأي الآخر، أو الانسياق والتسليم للآخر حتى ولو كانوا على درجة من الحق أثناء المناقشات والحوارات.
إن الأسرة كوسط اجتماعي يتفاعل فيه ما هو نفسي عاطفي بما هو معرفي تربوي، كانت وما تزال تحتل مكان الصدارة في مجال تلقين أسس الحياة وترسيخ مبادئ التفاعل وتعليم قواعد التواصل والحوار، إلا أن هناك بعض الوالدين من يشكون اليوم من عدم توفر الوقت للإصغاء لأبنائهم بسبب انشغالهم بمتطلبات ومسؤوليات الحياة الصعبة ؛ ولكن الإصغاء والاتصال هو جزء من هذه الحياة، والوقت المطلوب للإصغاء لأبنائنا يفترض أن يكون بالدرجة الأولى نوعيا لا كميا، كما يجب أن نؤمن بأن كيفية الإصغاء لهم والتّفاعل معهم يدرّبهم بشكل تلقائي على الإصغاء للآخر والتفاعل معه.

■ تعريف الإصغاء :
هو : أخذ الوقت المناسب للتركيز والانتباه لما يقوله الآخر، فهو عملية تجمع بين حاستي السمع والبصر بالتوازي، فبيمنا يصغى الفرد لكلام المتحدث، فهو في نفس الوقت يلاحظ الانفعال الذي يصاحب هذا الكلام، وهذا كله من أجل استيعاب وفهم وإدراك ما يدلي به المتحدث.
وفي الأسرة، يعتبر الإصغاء تعبيرا لتقبل وتفهم الوالدين لأبنائهما ودليلا على اهتمامهما بالأبناء، فالإصغاء يولّد شعورا لدى الطفل بقدرته على إثارة انتباه أبويه، وعلى إحساسه بأنه فرد كامل الحقوق وقيمة مضافة، وليس رقما إضافيا – لا غير- كما يسهل على الآباء مساعدتهم وتوجيههم وتعديل سلوكهم؛ ولذا على الآباء تخصيص فترات يومية للاستماع إلى اهتمامات وانشغالات ورغبات أبنائهم، فبهذه الطريقة يستطيع الطفل تعلم العديد من المهارات، وفي نفس الوقت سيتعلم الآباء بدورهم الكثير من أطفالهم.
والإصغاء من أهم وسائل التعبير عن المحبة التي يكنها الآباء لأبنائهم، فالاهتمام بالأطفال منحهم فرصا للتعبير والإفصاح عما بداخلهم يعتبر أهم قناة للتقرب منهم وتفهم احتياجاتهم وانشغالاتهم – ماذا يريدون – في مختلف مراحل عمرهم ؛ فالأبناء هم في الكثير من الأوقات في حاجة إلى أذن تسمعهم أكثر من وعظ ونصح. *

■ أنواع الإصغاء :
أ- الإصغاء الفعال.
ويقصد به التركيز والانتباه إلى كل ما يصدر من الطرف المتحدث بما فيه ما هو لفظي (الكلمات والألفاظ) وما هو غير لفظي (الحركات والإشارات وملامح الوجه ..)، وذلك بالتمركز حول الآخر والخروج من دائرة التمركز حول الذات، ولكن دون الذوبان في الآخر، بمعنى محولة إيجاد توازن بينهما.
الإصغاء الفعال يكون لأمرين أساسيين وهما :
● الإصغاء لمضمون الرسالة.
● الإصغاء إلى ما تخفيه هذه الرسالة من معاني ودلالات، أي إلى ما وراء هذا المضمون، بحيث يحاول المصغي أن يضع نفسه مكان الآخر ويتحسس فعلا ليصغي إليه من الداخل.
ب- الإصغاء غير الفعال.
وهو بدوره عدة أنواع، فهناك :
♦ الإصغاء السلبي.
♦ الإصغاء الجزئي.
♦ الإصغاء السلطوي.
♦ الإصغاء بالتمثيل والتظاهر.

■ الحركات الدالة على الإصغاء للمتحدث :
لكي ينجح الإصغاء ويكون فعالا ومثمرا فإننا نحتاج إلى إشارات تدل على حبنا للإصغاء والتواصل، ومن جملة هذه الحركات :
أ- الاستعانة بهزات الرأس : تدل على أن الشخص يصغي باهتمام لكلام المتحدث.
ب – إسناد الجبين إلى اليد : دليل على تركيز وبأنه في غمرة من التفكير.
ﺠ - اعتماد الرأس بين اليدين : حركة تدل على أن الشخص في حالة تركيز وانتباه.
د – الوقوف بقامة منتصبة والعين مسمّرة في الشخص المتحدث: تدل على الإصغاء والانتباه للآخر.
ﻫ - انحناء الرأس إلى جانب : هذه الوضعية يدل هي الأخرى على الانتباه والإصغاء لحديث الآخر.
و – اقتراب الشخص من مخاطبه : يقوم الشخص بهذه الحركة لإبراز مدى اهتمامه وانتباهه إلى ما يقوله المتحدث.
بالرغم من أن وضعيات الجسم السابقة تدل إلى حد ما على مدى تركيز وانتباه وإصغاء الفرد لما يقوله الطرف المتحدث، إلا أن هذه الدلالة تبقى نسبية لأنه في العديد من الحالات يتظاهر الشخص بأنه يصغي ويهتم للحديث إلا أنه في حقيقة الأمر غير مبال بما يقال له.

■ أسلوب الإصغاء :
حسب الدراسات، ينقسم الإصغاء إلى أسلوبين هما :
1 – أسلوب المرآة :
هذا الأسلوب يعتمد كثيرا على تحاكي الطرف الآخر في كثير من الأمور التي يلاحظها عليه،- دون أن يلاحظ هو بالطبع- كأن تحاكي جلسته، أو طريقة وضع يده، أو تكرر بعض مقاطع من كلماته، لإعطائه الانطباع بأنك توافقه عليها.
2 – أسلوب البالون :
يعتمد هذا الأسلوب كثيرا على أن تعطي فرصة لمحدثك بأن يحدثك بما عنده، وإذا لم تعطه الفرصة سينفجر في وجهك، وبمعنى آخر يجب أن تشتري أولا كل ما عنده، ثم تبدأ في إبراز ما عندك، ويستخدم هذا الأسلوب عندما يكون الطرف الآخر غضبان، فتسمع إليه وتساعده لكي يفرغ ما في جوفه لكي يستريح.

■ أهمية الإصغاء في عملية التواصل الأسري :
إن مهارة الإصغاء داخل الأسرة تتوقف عليها عملية الاتصال الفعال بشكل أساسي، فمن الآداب العامة أن يستمع أو يصغي الوالدين لكلام وحديث الأبناء بشكل صحيح حتى تتطور العلاقات الإيجابية بينهم هذا من جهة، ومن جهة ثانية إن الإصغاء والإنصات وعدم مقاطعة الأبناء أثناء حديثهم حاجة مريحة للنفس لديهم المتكلم بحيث تزيد من تقديرهم لأنفسهم، وكلما تمكنا من الإصغاء إلى أبنائنا وكلما شعروا بأننا متنبهين لهم وكلما أعطيناهم فرصة للكلام وأن يعبروا عن مشاعرهم أو يفصحوا عما ما يدور في أذهانهم كان ذلك في صالحنا وصالحهم، بحيث نتقرب من بعضنا البعض مما يفسح الطريق إلى الاستقرار والتوازن الأسري لأن يسود، وتتقلص بذلك حجم المشاكل الّأسرية.
يعتبر الإصغاء إذن جزء هام من التواصل الأسري الفعال، ولا يقوم هذا التواصل إلا به، وتكمن أهميته في :
● الإصغاء مهارة هامة لاستمرارية العلاقات التبادلية بين أفراد الأسرة :
بالإصغاء يشعر كل فرد في الأسرة بأنه شخصا وليس رقما مُضافا فقط، مما يشعره بقيمة إزاء ذاته وبأنه مرغوب فيه ومحبوب، كما يكون الإصغاء أحد العوامل المعرفية التي تخفف من الضغط الأسري ومن متاعب الحياة اليومية - بين الزوجين وبينهما وبين أبنائهما -.
● التخفيف من غضب المتحدث والرفع من معنوياته :
إصغاء الوالدين إلى إبنيهما وإشعاره بأن ما يقوله ويدلي به هو موضع اهتمام، يجعله مرتاحا نفسيا لأنه دليل على تفهم وضعيته وحالته النفسية، وأن أفكاره ومشاعره لها قيمة في وسطه الأسري.
● التعرف على حقائق ومعلومات هامة :
عندما يصغي الأب إلى ابنه والأم إلى بنتها، سيكتشفان حقائق ومعلومات هامة حول بعض الجوانب التي تمس محاور من شخصيتهم وقضايا تهم مستقبلهم الدراسي والمهني؛ وعلى العكس من ذلك فإن الإصغاء السلبي يؤدي إلى تباعد وتصارع الأجيال وإلى عدم التفاهم بين أفراد الأسرة.
● تعديل السلوك :
إن أحد أهم العناصر التأديبية للأبناء هو إقامة علاقة متينة بين الآباء وأبنائهم مبنية على الثقة والصراحة بين الطرفين، هذه العلاقة يساهم في تكوينها التواصل والتحاور والإصغاء، مما يُفضي إلى تعديل سلوك أفراد العائلة وتوجيهه إلى الصواب.
● إكتساب الخبرة :
حين ينصت الولد – طفلا كان أم مراهقا أو راشدا - إلى والديه، فهو بذلك يتعلم قيم الحياة ويستفيد من خبرات وتجارب الآخرين، وحين ينصت الولدين لأبنائها فسيكتسبون مهارة التكيف مع تغير مواقف الحياة.
● تقويم الذات :
إن الإصغاء والإنصات للآخر يخرج الفرد من تمركزه حول نفسه ومن أنانيته ومن كبريائه، ويقوّم ويصحّح ذاته عن طريق تصحيح نظرته إلى نفسه ونظرته إلى الآخرين، ويعلمه بأنه ليس دائما على حق.
● التمتع بالصحة النفسية :
إن الإصغاء يزيل الكثير من العقبات التي تقرّب أفراد الأسرة بعضهم من بعض وتجعلهم متكيفين أسريا، وهو بذلك معيرا من معايير الصحة النفسية.

■ معوقات الإصغاء :
1 - لا يوجد وقت للإصغاء والإنصات.
2 – الملل.
3 – الانفعالات والغضب.
4 – التعب والإرهاق.
5 – الضوضاء والإزعاج.
6 – الأهواء الشخصية.

■ خاتمة :
إن الإصغاء هو أن نكون جاهزين لسماع الآخر ومهتمّين بما يقول وبما يعبر عنه، مما يسمح لنا أن نفهم فكرة الآخر ومقاصده أكثر، ونقبله ونفهمه كما يريد أن يوصل فكرته وليس كما نريد أن نفهمها نحن.
فالإصغاء للآخرين سلوك حضاري وإنساني يؤكد احترامنا للغير، ويقرب أفراد الأسرة من بعضهم البعض ويساعدنا في إيجاد الحلول للكثير من المشكلات الأسرية وتخطي الكثير من المشكلات*النفسية.
 0  0  4906
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:11 صباحًا الإثنين 13 رمضان 1439 / 28 مايو 2018.