• ×

07:15 صباحًا , الأحد 13 محرم 1440 / 23 سبتمبر 2018



◄ العنف عند التلاميذ في الوسط المدرسي : (المفهوم ـ الأسباب).
يعتبر العنف في المجال المدرسي من بين الظواهر الملفتة والمقلقة التي تهتم بها سوسيولوجية التربية خصوصاً في السنوات الأخيرة، هذا المجال أي "المدرسة" الذي من المفروض فيه أن يتسم بالانضباط والنظام والامتثال للقوانين التي تعرفها كل المؤسسات التعليمية.
فالمؤسسة التعليمية سابقاً، كانت أشبه بمكان للتعبد لما له من قدسية وإجلال، وإلى حد الآن نجد العديد من الأفراد الذين يشتغلون داخل الوسط التعليمي وخارجه ينظرون بأن العلاقة بين المعلم والمتعلم يجب أن تتأسس على الاحترام المتبادل والتقدير من كل الجانبين، وعلى المتعلم أن يلتزم داخل الفصل، إذا كان يطلب العلم والمعرفة.
لكن يبدوا واقع المدرسة اليوم لا تؤكد على هذا الطرح إن صح التعبير، نظراً لما تعرفه الآن من مظاهر العنف بين "المتعلمين والمعلمين" بين "التلاميذ والأساتذة"، وهو ما يؤكد سقوط طابع القدسية عن المدرسة، بل أصبحنا نشاهد فيلم عن أعمال العنف والعدوانية من طرف المتعلم / التلميذ.

■ فماذا نقصد بمفهوم المدرسة ؟
■ وأين تتجلى وظائف المدرسة ؟
■ ثم ما هي الأسباب المؤدية بالتلميذ لممراسة العنف داخل المدرسة ؟

إن تعريف المدرسة تتباين بتباين الاتجاهات النظرية، وبتنوع مناهج البحث الموظفة في دراستها، ونجد أغلب الباحثين اليوم يعرفون المدرسة على أنها نظاماً اجتماعياً دينامياً معقداً ومكثفاً (1)، وللتعرف أكثر على المدرسة يمكننا استعراض مجموعة من التعاريف لباحثين وهي على النحو التالي :
يعرف فريديناند بويسون Ferdinand Buisson المدرسة بأنها "مؤسسة اجتماعية ضرورية تهدف إلى ضمان عملية التواصل بين العائلة والدولة من أجل إعداد الأجيال الجديدة، ودمجها في إطار الحياة الاجتماعية" (2).
أما فريدريك هاستن "بأنها نظام معقد من السلوك المنظم، الذي يهدف إلى تحقيق جملة من الوظائف في إطار النظام الاجتماعي القائم" (3).
كما يعرفها أرنولد كلوس Amold clausse واصفا بأنها "نسقاً منظماً من العقائد والقيم والتقاليد، وأنماط التفكير والسلوك التي تتجسد في بنيتها وفي إيديولوجيتها الخاصة" (4).
وبالتالي انطلاقاً من هذه التعريفات يكاد يجمع الباحثين على أن المدرسة مؤسسة اجتماعية ونظاماً تربوياً تهدف إلى تطوير قدرات الناس والاستعدادات التي يرغبون بتطويرها حسب الطرح الذي قدمه جون هولت john holt.

أما من حيث وظائف المدرسة فهي كثيرة يمكن إجمالها في الوظيفة السياسية والوظيفة الاقتصادية والوظيفة التربوية بالأساس .. الخ.
ويرى جون ديوي Dewey إلى المدرسة بأنها "مؤسسة اجتماعية تعمل على تبسيط الحياة الاجتماعية واختزالها في صور أولية" (5)، ولا يذهب بعيدا بقوله : "إن المدرسة هي قبل كل شيء مؤسسة أوجدها المجتمع لإنجاز عمل خاص، هو الحفاظ على الحياة الاجتماعية وتحسينها" (6).
وتكمن وظيفة المدرسة، كما يرى كلوس Clousse في تحويل مجموعة من القيم الجاهزة والمثقف عليها اجتماعياً إلى المنتسبين إليها من طلاب وأطفال وتلاميذ، وقد مارست المدرسة هذا الدور في العصور القديمة والوسطى كما هو الحال في القرن التاسع عشر (7).
هذا ويمكن القول بأن المدرسة تحمل معها أهداف تتجلى في تلقين المتعلم / التلميذ مجموعة من المعارف التي لها علاقة بالتحصيل العلمي، ثم نقل مجموعة من القيم الأخلاقية من الملقي إلى المتلقي المتمثلة في حب الوطن، واحترام الآراء الجمعية، والدين، والأخلاق .. وبالتالي فإننا نستنتج أن المدرسة تلعب دور المربي، حيث أن ترسيخ هذه المكونات الثقافية هي الغاية الأساسية للتربية عند دوركهايم.
وللإشارة فقط فإننا نقصد بالتربية كما يعرفها إيميل دوركهايم "الفعل الذي تمارس الأجيال الراشدة على الأجيال الصغيرة التي لم تصبح بعد ناضجة للحياة الاجتماعية، وموضوعها إثارة وتنمية عدد من الاستعدادات الجسدية والفكرية والأخلاقية عند الطفل، والتي يتطلبها المجتمع السياسي في مجمله والوسط الخاص الذي يوجه إليه" (8).
كما يتجه البعض على آن وظيفة المدرسة هي وظيفة سلطوية بالدرجة الأولى، بمعنى سلطة المدير على المعلم وسلطة المعلم على المتعلم، خصوصاً هذا الأخير إذ يتم إرغامه على الامتثال لمجموعة من الضوابط والقوانين المتعارف عليها داخل الوسط التعليمي (المدرسة)، وبالتالي فإن هذه السلطة تنعكس بشكل سلبي على المتعلم، مما يجبره على اتخاذ مجموعة من الأشكال الدفاعية على نفسه، وقد تتمثل في ممارسته للعنف قد يصل إلى مستواه الأقصى، وهذا ناتج عن غياب الحوار بين الطرفين، فهل يمكن القول بأن سلطة المدرسة عامل رئيسي كما يعتقد البعض في ممارسة التلاميذ للعنف أم أن هناك عوامل أخرى ؟

لقد تعددت الدراسات لدى العديد من المفكرين والباحثين المهتمين بالفكر الاجتماعي والنفسي والتربوي بأن الإنسان منذ ولادته كائن سلبي عدواني له دوافع غريزية أصلها الشر، يحاول ما بإمكانه تفريغها على الآخر، يقول : زاهي الرشدان واصفاً نظرة التربية التقليدية إلى الإنسان "الإنسان، وهو ككل إنسان يحمل معه عددا من الغرائز تدفعه إلى الاعتداء والوحشية، وهو يحمل معه عدداً من الميول ليس لها أصل من الخير. إن هذه الغرائز والميول هي التي تمثل الإثم الذي ينزع إليه الإنسان، وهي التي تمثل الهوة التي تردى فيها آدم أبو الإنسانية" (9).
أما القديس أوجستان Saint Augustin فيرى أن "الطفل الصغير هو في الواقع مخطئ كبير" (10) كما يقر في موضع آخر أنه "لا وجود لما يسمى بالبراءة الطفولية" (11).
في الحقيقة إن هذه النظرة حول "الإنسان / التلميذ" منذ ولادته كائن عنيف بطبعه قد نعتبره متجاوز بعض الشيء على الرغم من أن العديد من الباحثين أمثال "سيغموند فرويد" يؤكدون على ذلك، إذ لابد للإشارة هنا، بأن من دوافع ممارسة التلميذ للعنف هو مسألة العقاب الذي يمارس عليه، بنوعيه الجسدي والمعنوي / الرمزي داخل الفصل، فعندما يمارس على المتعلم العقاب البدني فإنه حتماً يؤدي إلى جروح وربما كسر في أعضاء جسم التلميذ، وبالتالي فإن رد التلميذ يكون عنيفاً كالمشادات وتبادل الكلمات وحتى الضرب بين الأستاذ والتلميذ.
أما عندما يتم عقابه معنوياً والذي يتمثل في التوبيخ علانية، فإنه يحس بالكره اتجاه الأستاذ أو المعلم خصوصاً إذا كان في مرأى ومسمع أصدقائه، وقد يرد عليه بالمثل وبكلمات نابية.
ولا ننسى أيضاً أن عامل الأسرة له دور كبير في ارتكاب الأبناء العنف داخل المدرسة، بسبب ضعف العلاقات والروابط التي تجمع بين الأبناء والآباء، وجهل هذا الأخير بفهمهم الصحيح للتربية والإرشاد، مما يجعل الأبناء عرضة للانحراف ومعرضين للفشل في حياتهم الدراسية، وبالتالي اتخاذهم سلوكيات عنيفة قد يجدون فيها المتنفس الوحيد في إثبات نفسه أمام الآخرين.

■ وفي ختام القول :
فإن العنف عند التلاميذ هو عنف من أجل إثبات الهوية ضد الآخر أو ما يسمونه بالعدو أي "الأستاذ" حسب نظرتهم، فالعنف داخل المدرسة يبقى من المشكلات الاجتماعية التي ليس لها حل حتى الآن، فهي مرتبطة بعدة عوامل منها الامتحانات المدرسية التي لا ترقى إلى مستوى التلميذ، ثم طبيعة التقييم السنوي .. إلى جانب المقررات الدراسية وأساليب التدريس، وغياب سيكولوجيين الذين يلازمون المدارس من أجل حل مشكلات التلاميذ، وهكذا يبقى العنف هو الوجه الآخر لفشل المشروع التربوي ولا علاج له إلا بدراسة مختلف الأسباب التي ساهمت في إفشال هذا المشروع، فإلى متى ستضل المدرسة مسرحاً لممارسة العنف ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1. علي أسعد وطفة ـ علي جاسم الشهاب، علم الاجتماع المدرسة، الطبعة الأولى 2004م (ص 16).
2. نفس المرجع، (ص 16).
3. نفس المرجع (ص 17).
4. نفس المرجع (17).
5. تيسير شيخ الأرض ـ فلسفة التربية عند جون ديوي، مجلة المعلم العربي، العدد : 5، تموز، آب، أيلول 1985 (ص 373).
6. نفس المرجع (ص 378).
7. علم الاجتماع المدرسة، (ص 34).
8. محمد فاوبار ـ سوسيولوجيا التعليم القروي، (ص 14).
9. عبدالله زاهي الرشدان ـ التربية التقليدية وموقفها من العملية التربوية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية العدد : 10 المجلد 3، جامعة الكويت 1983، (ص 182).
10. أحمد شيشوب ـ إشكالية مفهوم الطفولة، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوي، العدد 5، السنة 3، أكتوبر 1993، (ص 34).
11. نفس المرجع، (ص 34).
 0  0  2646
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:15 صباحًا الأحد 13 محرم 1440 / 23 سبتمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.