• ×

05:17 صباحًا , الجمعة 11 محرم 1440 / 21 سبتمبر 2018



◄ الجمال : سمة من سمات الوجود.
الجمال سمة من سمات هذا الوجود، إن لم تكن أبرز سماته . قال تعالى (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنها تأكلون • ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) (سورة النحل : آية 6) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله جميل يحب الجمال)، وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : (من آتاه الله وجهاَ حسناَ، وخلقاَ حسناَ واسماَ حسناَ، فهو صفوة خلق الله تعالى)، وقال جلال الدين السيوطي : (إن الله جميل يحب الجمال ويحب معالي الأخلاق ويكره سفافها).
لا شك أن هناك حاسة في باطن النفس تفطن للجمال وتحسه وتستجيب له، ولكنها لا تحسب ولا تقدر، وإنما تدركه بالفطرة السليمة، على طريق الروح في إدراك الجمال لا على طريقة الذهن ذي الأبعاد والمقاييس المدية. وقد يتدخل الذهن في تقدير الجمال، واضعاَ شروطه ومقاييسه عليه، ولكنه ليس هو الذي يقدره في الحقيقة، فهو حين يقوم بوضع الشروط والمقاييس يستخدمها في الحقيقة من الفطرة الطليقة التي تدرك الجمال لأول وهلة دون تفكير.
فالفطرة هي الموكلة بالجمال لا الذهن، فمن العسير أن نضع للجمال القواعد الحاسمة ونرسم له الحدود القاطعة، كالقضايا الذهنية الفاصلة أو الفلسفية الخالصة، وحين يتعرض الذهن للجمال، فهو كما قلنا يستمد مقاييسه من الفطرة السليمة، فلا تجئ هذه المقاييس من الذهن خالصة، ولا قاطعة حاسمة كالحقائق الرياضية أو التجارب العلمية، ويمكن مع ذلك أن نصدر أحكاماَ شاملة، ونضع قواعد عامة، تيسر لنا الحكم في قضايا الجمال، وإن كانت لا تكفي وحدها للحكم على كل حالة مفردة، حيث لابد من استخدام الفطرة التي تتذوق الجمال ولا بديل لنا من استخدام ترجمة الذهن وبعض المقاييس لنفهم أوصاف الجمال. ويبقى أن نسأل أنفسنا ما إذا كان الموضوع المباشر والأساسي لعلم الجمال هو جمال الفن أو جمال الطبيعة ؟
إن الالتباس بين هذين النوعين من الجمال وهم من الأوهام الأكثر انتشاراً، والأكثر ضرراَ ، فنحن نقدر لوحة فنية، بثراء ألوانها وتوازن نسبها وتركيبة عناصرها، ونظارة أدائها وجمال موضوعها، فنحن نقدرها بكل هذه الأشياء مجتمعة لا بشيء أو شيئين منها. فأغلبية المتلقين يطلب أن يجد في العمل الفني متنفسا أو نفس الأشياء التي يعجب بها ويحب مشاهدتها في الطبيعة كمثل أعلى يتطلع إليه على الدوام فهي لا ترضى أن يكون لديها نوعين من الإعجاب لنوعين من القيم لا يوجد بينهما قياس مشترك عام، هذه اليقينية العامة يعتمد عليها كثير من أصحاب الرجوع إلى الطبيعة كفيصل لأحكامهم الجمالية، وفي الحقيقة ليس في عناصر الطبيعة قيمة جمالية إلا عندما ينظر إليها من خلال فن من الفنون، يقول ديلاكروا (الطبيعة الفنانة هي أمامنا كأنها عمل فني) فالجبال أصبحت جميلة منذ أن أصبحنا رومانسيين بينما كانت عند الإتباعيين اليونان واللاتنين أو الفرنسيين حيادية عن موضع الجمال أو قبيحة، وعلى العكس من ذلك قد كان منظر الحدائق المزينة على طراز الفرنسيين قبحاَ في نظر الرومانسيين أو الواقعيين آي أن هناك أمور فطرية وقوانين اجتماعية تلعب دوراَ في تقدير الجمال، وفي الحقيقة هناك جمالين في الطبيعة جمال الطبيعة الخام وجمال الطبيعة النموذجي المنمق وكليهما له قيمة متفاوتة نحس بها ونتذوقها.
ونستعجب حينما نعرف أن الجمال ليس ضرورة من ضروريات الحياة كالهواء والماء والطعام وإنما هو عنصر زائد عن الضرورة ياتي بعد إشباع الغرائز الحيوانية في الإنسان، وهو مع ذلك ما يميز الإنسان من الحيوان لأنه يدرك بالحواس ويترجم بالعقل وتميل له الأحاسيس والعواطف فتخرج عن طريق إفرازات فكرية برواة فنية تصوغها يد الفنان المعجب بها يحولها إلى علاقات وعناصر جمالية تطرب المشاعر وتدغدغ الأحاسيس، ومع هذا لابد من توفر عناصر أساسية في الفن حتى يكون فناَ جميلاَ منها :
■ أن يكون الجمال مقصوداَ وليس أمراً عارضاَ.
■ أن يكون الموضوع الذي يتناوله من باب التحسينات والكماليات وليس من باب الضروريات.
■ أن يكون فيه قابلية للإبداع وابتكار الجديد.

وعلى هذا أيضاَ يمكن القول بأن المهن الحرفية كالنجارة والحدادة وغيرها من الحرف اليدوية، صناعة وليست فناَ، فالجمال ليس عنصراَ أساسياَ في بنائها، وإنما المنفعة هي الأساس فيها، وهي من باب تلبية الضروريات وليست الكماليات. وعلى هذا فالحرف والصناعات ليست فنوناَ وإنما هي صناعات وحرف قد توصف بالدقة والمهارة والإتقان، ولكن نسبتها إلى الفن غير صحيحة، وذلك لفقدان العناصر الأساسي في فنيتها وهو قصد الجمال فقط.
أما من وجهة النظرة الإسلامية فلا حاجة إلى التفريق بين فن جميل وفن نافع فهذا التقسيم كله غير صحيح من الأصل فالفن يكون فناَ إذا كان جميلاَ، وإلا فهو حرفة أو صنعة لا يتعدها إلى غير ذلك، فكل فن هو فن جميل وإطلاق هذه الكلمة على غير هذا هو من باب التوسع المجازي. وعلى هذا نقول : فن القول، فن جميل لأن الجمال مقصود فيه، والجمال فيه من باب التحسينات، والرسم والنحت فن لأن الجمال أساسي فيها، وهو من باب الكماليات وليس من الضروريات، وإمكانية إيجاد الإبداع والتجديد من أساسياته، والسماع والموسيقى فن جميل لتوفر العناصر الأساسية لمفهوم الفن من جمال وإبداع وتجديد، وهما من باب الكماليات وليس الضروريات.
والبناء فن جميل، ذلك إن الجمال مقصود فيه عادة والجمال فيه ليس من باب الضروريات بل من باب التحسينات، فيمكن الاستغناء عن التجميل عند الضرورة ويفقد بذلك قابليته للإبداع ويدخل في مفهوم الصنعة والحرفة. أما تصنيف الفنون الجميلة، أمر لا يغير من طبيعتها، ولا يؤثر في عددها لن الجمال يدرك عن طريق الحواس لا عن طريق القواعد والقوانين المادية يقول الأمام الغزالي : (لكل حاسة إدراك لنوع من المدركات، فلذة العين في الإبصار وإدراك المبصرات الجميلة والصور المليحة، ولذة الأذن في النغمات الطبيعية الموزونة)، وقد أكد القران هذا فقوله تعالى : (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاَ ما تشكرون) (المؤمنون : آية 78).
 0  0  2044
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:17 صباحًا الجمعة 11 محرم 1440 / 21 سبتمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.