• ×

07:14 مساءً , الجمعة 18 ربيع الأول 1441 / 15 نوفمبر 2019



تسويق الفكرة في تجهيز جيش العسرة.
قال تعالى : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) (التوبة : 117).
غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، غزوة استثنائية في وقتها وظروفها فلقد كان الناس في عسرة من أمرهم، والبلاد جدباء، والحر شديد، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم (يورّي) في الغزوات التي قبلها، وهذه الغزوة سماها باسمها وأطلع الجميع عليها، وكان الناس في هذه الأوقات يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، فلقد قرب وقت جني الثمار، ولكن الخطب جلل فهرقل الروم جمع جموعا هائلة من جيوشه ومن متنصرة العرب لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، مما استدعى الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى اتخاذ كافة الإجراءات لكبح جماح هذا العدو المتربص والتوجه إليه تطبيقاً لما يعرف بإدارة الأزمات.
وهنا أتى دور تسويق الفكرة من لدن حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي مفادها : أيها المسلمون انصروا جيش العسرة، فخطب في الصحابة الكرام خطبة بليغة حثهم فيها على الإنفاق والبذل، وبعث إلى أهل مكة وقبائل العرب يستنفرهم، ولكن ماذا بعد هذا الحض والترغيب، كم من الصحابة استجاب وكم من المنافقين نكص على عقبيه.
أبو بكر الصديق كان أول المبادرين بالنفقة وكان من المتبنين الأوائل للفكرة فجاد بجميع ماله، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم : (هل أبقيت لأهلك شيئا) قال : أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر، وعبدالرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله والعباس وسعد بن عبادة وغيرهم رضي الله عنهم تصدقوا بمال كثير، وجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بنفقة عظيمة، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لعثمان قائلاً : (اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه) وقال : (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)، وهذا عُلبة بن زيد رضي الله عنه صلى من الليل وبكى وقال : اللهم أنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، واني أتصدق بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أين المتصدق هذه الليلة ؟)، فلم يقم أحد، ثم قال : (أين المتصدق فليقم !) فقام إليه، فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أبشر فو الذي نفسي بيده، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة).
يا ألله ما أروع هذه الالتفاتة.
فنلحظ هنا : من الصحابة من اجتمعت فيه الرغبة والقدرة والاستعداد فكانوا من المبادرين الأوائل، ومن الصحابة من توافرت لديه الرغبة والاستعداد ونقصته القدرة ليسهم مع إخوانه في مناصرة الفكرة، ولكن لم تمنعه القدرة من أن يبتكر إسهامات أخرى معنوية كعُلبة رضي الله عنه، وآخرين منهم رضي الله عنهم حاولوا جهدهم وتساقط دمعهم صبابة لتلبية تنفيذ الفكرة ووقف ضيق ذات اليد عائقاً ومانعاً من مرافقة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه البررة، ومن الصحابة من توافرت الرغبة والقدرة، وكان الركن الثالث المتمثل في الاستعداد أقل من الركنين الآخرين توافراً، ولكن عندما شعروا أن المنتج سيفوتهم ولن يكون لهم فيه نصيب شمروا عن سواعدهم وتركوا طيب عيشهم ولحقوا بالجيش فالعيش عيش الآخرة، كأبي خيثمة رضي الله عنه.
فهؤلاء الكرام من الصحب ما تركوا طيب عيشهم وما ينتظرونه من جني ثمارهم، وبذلوا أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، إلا وهناك سبب ونتيجة ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب بعد الله تعالى؛ بأن ركز على الرغبات وهي تفضيلات الفرد العليا التي يسعى لنيلها كأساس تسويق المنتجات، ومنتجنا هنا هو (فكرة تجهيز جيش العسرة لغزو عدو الله).
فكانت سلعة الله غالية وهي الجنة، فنظر الصحابة أهل الألباب والنهى والأحلام إلى الفكرة والناتج من تأييدها ودعمها، فوجدوا أن ما سيحصلون عليه يفوق ما دفعوه ثمنا وجهدا ووقتا، (الأرباح > التكلفة)، أي أن ما سيجنيه الكرام هو رضا الله، ومن رضي الله عنه أفلح ونجا وربح بيعه.
يقودنا هذا الحدث إلى النظر إلى حال الناس اليوم في تسويق أفكارهم لينالوا التأييد والدعم والنصرة، فنجدهم ـ إلا من رحم الله ـ لا يجيدون تسويق أفكارهم لجهل أو تجاهل، يحسبون أن متابعة الناس لهم ستدوم مطلقا، ونسوا أو تناسوا أن التسويق يوصي بكسب العملاء على الأمد الطويل، أما الأرباح على الأمد القصير فذاك نهج الباعة الذين يسعون إلى تصريف منتجهم بغض النظر عن رضا العميل أو غضبه، فرسولنا صلى الله عليه وسلم لو كرر العرض ألف مرة (الفكرة) لوجد الطلب من صحابته النبلاء بنفس الهمة الأولى، فعنايته بعثمان رضي الله عنه ودعائه له، رأيناه وبعناية فائقة للصحابي الذي تصدق بعرضه، فدعا لعثمان وبشّر عُلبة، كخير عناية ومكافأة للصحب والداعمين والمناصرين.
فتكلفة الحفاظ على العميل الحالي أقل بكثير من تكلفة جذب وبناء عميل جديد (فليت أصحاب الأعمال يعلمون !).

● فيا أيها المديرون والقادة ومن ملكهم الله أمراً على أحد من المسلمين :
لستم وحدكم فأنتم بإخوانكم الذين هم تحت نطاق إشرافكم، فإن أردتم النصر لأفكاركم وآرائكم، اجعلوا لمنتجكم منفعة واخدموه قبل وأثناء وبعد البيع واضمنوا النتائج لمن اشتراه، فلن تجد النصرة لأي فكرة ما لم يجد العميل (المناصر لكم) أن (المنفعة التي سيحصل عليها > التكلفة التي سيقدمها) وفي أقل الأحوال : (المنفعة = التكلفة).
وإن لم تفعل فانظر أمامك ماذا ستجد ؟ نهايتك وسقوطك.
image مقالات أخرى للكاتب [12].
image الثقافة الأسرية : العلوم الأسرية.
يريد الآباء براً .. ويرغب الأبناء عدلاً.

image الثقافة المجتمعية : علم الأخلاق.
الكرم بمعناه الجميل.
أدب الاختلاف : الخيران أبي بكر وعمر «منهجاً» !

image الثقافة التربوية : البيئة التربوية.
موعدكم الفصل !

image الثقافة الطلابية : (المتعلم ــ التلميذ ــ الطالب).
المتهم (مقبول) براءة أم ترصد مدى الحياة ؟

image الثقافة الوظيفية : العلوم الوظيفية.
خدمة يا ريس.

image الثقافة الإدارية : العلوم الإدارية.
الإدارة بالربع.
سُر من رقا.

image الثقافة الإدارية : التطوير الإداري.
الموارد البشرية من التكوين إلى التمكين.

image ثقافة التراجم : علم التراجم.
image ثقافة التراجم : قائمة الأَعْلام.
عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود : قائد مجتمعي.

image الثقافة العسكرية : العلوم العسكرية.
تسويق الفكرة في تجهيز جيش العسرة.
إدارة الأزمات في الغزوات (الخندق أنموذجاً).
 16  0  6023