• ×

01:28 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ عند ذكر صفات القيادة نجد أن هذه الصفات تختلف من قائد لأخر قوةً في بعض الجوانب وضعفاً في جوانب أخرى وهذه طبيعة الإنسانية، فلو بحثنا نموذج للقائد فلن نجد قائداً قد اجتمعت فيه صفات القيادة إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اجتمعت فيه صلوات ربي وسلامة عليه جميع الصفات لذلك فهو المثل الكامل والقدوة المثلى قال تعالى : (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب : 21).

■ ونذكر هنا أهم الصفات التي توفرت في الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال لا الحصر لأن صفاته صلى الله عليه وسلم لا تعد ولا تحصى فمن هذه الصفات :
1- كمال الأخلاق :
فكان عليه الصلاة والسلام أفضل الناس مروءة وأحسنهم خلقاً وأصدقهم قولاً وأبعدهم عن الفحش، حتى عرف في الناس بالأمين لأنه استوفى من مكارم الأخلاق كل مكرمة لم ينلها إنسان قبله ولا بعده حتى خاطبة الله تعالى بقولة : (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم : 4)، وحتى حدث هو نفسه فقال (أدبني ربي فأحسن تأديبي).

2- رجاحة العقل وحسن السياسة :
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من رجاحة العقل والعلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، على الرغم من أنه لم تسبق له مطالعة الكتب التي يتعلم منها أخبار السلف من القادة فقد تبين من التاريخ أنه أعقل العالمين، فلننظر إلى حسن تدبره وسياسته للعرب الذين كانوا أهل عزة وإباء وانطلاق مع تنافر الطبع وتباعده، وكيف احتمل جفاءهم وصبر على أذاهم بكل سياسة وحكمة وبعد نظر، حتى انقادوا إليه، والتفوا حوله، وقاتلوا في سبيله أهليهم وآبائهم وأبنائهم واختاروه على أنفسهم وأوطانهم وأحباءهم وأموالهم.

3- احترام النفس والتواضع :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف قدر نفسه ويحترمها، فكان بريئاً من الرياء والتصنع، مستقل الرأي، لا يدعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبراً ولا خانعاً، بل كان في ثوبه الذي يرتقه بنفسه يخاطب أكاسرة الفرس وقياصرة الروم، وكان يكره أن يحوط نفسه بالمظاهر الكاذبة أو أبهة السلطان، فكان يقول لأصحابه : (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبدالله، فقولوا عبدالله ورسوله).

4- الصبر وقوة الاحتمال :
لقد كان النبي عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في الصبر وقوة الاحتمال، فلقد أوذي أثناء دعوته في نفسه وأصحابه فلم يلحقه جزع، بل كان شجاعاً حكيماً صبوراً، وكان يقابل الأذى بالصبر الجميل، ويعامل الحمق بالحلم والرفق، فلننظر كيف لبث ثلاث سنين يدعو إلى الإسلام أقواماً لا دين لهم إلا عبادة الأصنام وظل ثابتاً على مبدئه مستمراً في دعوته، ولقد قال لعمه وهو يحاول إقناعه بترك الدعوة : (والله يا عم : لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته).

5- الشجاعة والنجدة :
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك المثل الذي لا يجارى، والقدوة المنقطعة النظير، قال ابن عمر : ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي شجاعة أعظم من أنه قام لأمر الله وحده، ومضى قدماً يدعو أقواماً ليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطاً بالعزة والأنفة مما كان يؤدي كثيراً إلى شن الغارات والحروب.
وقد برزت شجاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب بصورة ليس لها مثيل في التاريخ، فقد قاد بنفسه ثمان وعشرين غزوة انطوت على كل صور العمليات الحربية من دفاع وهجوم وحصار، وقيام القائد بتولي القيادة بنفسه شجاعة لا تؤثر أن تتوارى، ولم يكتف بالقيادة، بل كان يشترك في القتال بنفسه وخاصة في المواقف الصعبة والحرجة من المعركة.

6- اللياقة البدنية :
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمتع بلياقة بدنية قوية، فكان يصرع الرجل القوي، ويركب الفرس عارياً فيروضه على السير، وكان يداعب من يحب المسابقة في العدو، وفي غزوة الخندق كان أصحابه يلجأون إليه عند حفر الخندق كلما استعصت عليهم صخرة فيسرع إليها لتحطيمها حيث تتفتت تحت وطأة معوله التي يهوى بها ساعده القوي، وشاركه أصحابه في مسيراتهم الطويلة الشاقة في كافة فصول السنة وأظهر في ذلك تحملا وجلداً يعجز عنه أقوى أصحابه.
ويقول أبو هريرة رضي الله عنه : (ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث).

7- الثقة المتبادلة والمحبة :
كانت ثقة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم به عظيمة جداً، كما كانت ثقته بأصحابه كبيرة أيضاً، ويكفي أن نذكر موقف المسلمين من صلح الحديبية إذ لولا ثقتهم العظيمة بالرسول صلى الله عليه وسلم لرفضوا هذا الصلح.
لقد كان عليه الصلاة والسلام يحب أصحابه حباً لا مزيد عليه فإذا سلم لا يكون البادئ بسحب يده عن السلام، وكان يلقى الناس بوجه باسم متهلل، وكان يمقت الغيبة، وكان البادئ دائماً أصحابه بالتحية.

8- روح الدعابة :
كانت البشاشة والابتسام من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في أغلب أوقاته، وكان يقول : (روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإنها إذا كلت عميت) وكان عليه الصلاة والسلام يتفكه ويمزح، كما كان يستريح إلى الفكاهة والمزاح، وكان دأبه في ذلك كدأبه في جميع مزاياه يعطي كل مزية حقها ولا يأخذ من حق غيرها، أو يعطي الفكاهة حقها ولا ينقص بذلك من حق الصدق والمروءة، وإذا مزح فإنما كان يعطي الرضا والبشاشة، ولا يأخذ لهما من حق الصدق والمروءة، فكان مزاحه آية من آيات النبوة لأنه كان كذلك آية من آيات الله الإنسانية.

9- الاتزان النفسي ـ الانفعالي :
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة طيبة ومثلاً أعلى في الاتزان النفسي، وحفلت سيرته بصورة أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة من التحكم في الذات وتمالك الأعصاب في أشد المواقف حرجاً في السلم والحرب معاً، فلم يكن سهلاً السيطرة على الأعصاب وتمالك النفس عند تطويق المشركين له ولبعض أصحابه في غزوة "أحد" من كل جانب، وكافح أصحابه حتى أستطاع أن يخلص المسلمين من فناء أكيد ولم يكن سهلاً على النفس يوم "الخندق" عندما علم بغدر اليهود ونقضهم للعهد فأصبح الخطر يهدد قوات المسلمين من خارج المدينة (بعشرة آلاف من الأحزاب) ومن داخلها باليهود، ومع ذلك سيطر على أعصابه فصد الأحزاب وقضى على اليهود، وفي وقت الرخاء فأن أروع ما ذكر من أمثلة ما كان يوم فتح مكة وحصوله على نصر ساحق على قريش التي ناصبته العداء أكثر من عشرين عاماً، ولكنه سيطر على أعصابه، ولم يظهر منه أي موقف من مواقف العظمة والجبروت التي أظهرها غيره من القادة عند انتصارهم وكانت قولته المشهورة لقريش "أذهبو فأنتم الطلقاء" صلوات ربي وسلامة عليه.

10- بعد النظر :
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحلى بمزية سبق النظر في أعماله العسكرية والمدنية، والأمثلة على ذلك كثيرة أصر الرسول صلى الله عليه وسلم على قبول شروط هدنة الحديبية، لأنه أعمل فكره الثاقب فوجد أن في قبول هذه الشروط نصر للمسلمين، فهي تؤمن لهم الاستقرار، وفي ظل هذا الاستقرار أصبح جيش المسلمين عشرة آلاف مقاتل بعد أن كان ألفاً وأربعمائة قبل ذلك بسنتين، فلقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفكر في كل كبيرة وصغيرة، ويعد لكل أمر عدته، ويتخذ كافة متطلبات الحذر والحيطة، لذلك لم يستطع أعداؤه مباغتته في أي موقف، واستطاع أن يباغت أعداءه في أكثر غزواته.

■ وبعد ..
هذا قليل من كثير من مناقب الرسول القائد محمد صلى الله عليه وسلم فلتكن لنا في رسول الله أسوة حسنة، وهو القائل : (ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
نفعنا الله وإياكم بسيرة المصطفى أحمد عليه الصلاة والسلام، واترك لك أخي القاري الكريم الاقتباس من هذه السيرة العطره من الصفات التي يجب أن تتوفر في القائد للميدان التربوي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة من سلسلة دراسات نفسية إسلامية - للدكتور سيد عبدالحميد مرسي.

 0  0  5070
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:28 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.