• ×

09:11 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ إن الله تعالى ما خلق الخليقة وأسكنها هذه البسيطة إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملاً ، ومع أنه فطرهم على الحنيفية إلا أنه لم يكلهم إلى فطرهم الكامنة في نفوسهم، بل أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).
ثم إنه عز وجل ختم الرسل بأفضلهم، والأمم بخيرها، فجعله عليه الصلاة والسلام أفضل رسولٍ إلى خير أمةٍ، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فدعا عليه الصلاة والسلام أمته للإيمان الذي هو التصديق بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح. قال تعالى : (والعصر * إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
وبهذا يتبين أن العمل الصالح من الأشياء التي يلزم حصولها كي يعتبر الإنسان مؤمناً، أو ادعى أنه مؤمنٌ وترك الأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وصيام وحج فإنه لا يعتبر حينئذ مؤمناً لأنه لم يأت بالعمل الصالح، وأفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه، والمداومة على الأعمال الصالحة من الأهمية في الشريعة الإسلامية بمكانٍ، وتظهر أوجه أهميتها بما يلي :
أن فرائض الله عز وجل إنما فرضت على الدوام، وهي أحب الأعمال إلى الله تعالى، كما في الحديث القدسي : (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه) أخرجه البخاري.
ويستثنى من ذلك الحج الذي فرض في العمر مرةً درءاً للمشقة عن أمة محمدٍ وتيسيراً عليها، وإذا كان أحب الأعمال إلى الله فرض على الدوام فإن فيه دليلاً على أهمية المداومة.
ومنها : أن من هدي النبي عليه الصلاة والسلام المداومة على الأعمال الصالحة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً) رواه مسلم.
وعنها أيضاً قالت : (وكان نبي الله عليه الصلاة والسلام إذا صلى صلاةً أحب أن يداوم عليه، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةٌ) رواه مسلمٌ.
ومنها : أن الأعمال المداوم عليها أحب الأعمال إلى الله وإلى رسوله ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفقٌ عليه.
وعن مسروقٍ قال : سألت عائشة رضي الله عنها : أي العمل كان أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ قالت : (الدائم..) متفق عليه.
ومنها : أن فاته شيءٌ من الأعمال التي يداوم عليها استحب له قضاؤه، ولولا ما للمداومة من أهمية ما شرع له ذلك ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من فاته شيءٌ من ورده، أو قال من جزئه من الليل فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر فكأنما قرأه من ليله) أخرجه مسلمٌ والإمام أحمدُ.

■ وللمداومة على الأعمال الصالحة آثار :
من آثار المداومة على الأعمال الصالحة : دوام اتصال القلب بخالقه مما يعطيه قوةً وثباتاً وتعلقاً بالله عز وجل وتوكلاً عليه، ومن ثم يكفيه الله همه، قال تعالى : (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، واعتبر بعض أهل العلم هذا الأثر من الحكم التي شرعت من أجلها الأذكار المطلقة، والمقيدة بالأحوال.
ومن آثار المداومة على الأعمال الصالحة : تعهد النفس عن الغفلة وترويضها على لزوم الخيرات حتى تسهل عليها، ومن ثم تصبح ديدناً لها لا تكاد تنفك عنها رغبة فيها، وكما قيل "نفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية".
ومن آثار المداومة على الأعمال الصالحة : أنها سبب لمحبة الله تعالى للعبد وولاية العبد لله، قال تعالى : (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله عند هذه الآية : (إن الله يحب التوابين من ذنوبهم على الدوام ويحب المتطهرين أي المتنزهين عن الآثام).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعذته، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) أخرجه البخاري.
ومن آثار المداومة على الأعمال الصالحة : أن المداومة على الأعمال الصالحة سببٌ للنجاة من الشدائد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كنت رديف النبي عليه الصلاة والسلام فقال : (يا غلام، ألا أعلمك كلماتٍ ينفعك الله بهن ؟ فقلت : بلى، فقال : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة) أخرجه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء) أخرجه الترمذي وقال حديثٌ غريبٌ.
ومنها : أن المداومة على صالح الأعمال تنهى صاحبها عن الفواحش، قال تعالى : (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال : إنه سينهاه ما تقول) أخرجه الإمام أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان.
ومنها : المداومة على الأعمال الصالحة سببٌ لمحو الخطايا والذنوب، والأدلة على هذا كثيرةٌ، منها ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيءٌ ؟ قالوا : لا ، قال : فذاك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) متفق عليه.
ومنها : أن المداومة على الأعمال الصالحة سببٌ لحسن الختام، ووجه ذلك أن المؤمن يصبر على أداء الطاعات كما يصبر عن المعاصي والسيئات محتسباً الأجر على الله عز وجل فيقوى قلبه على هذا وتشتد عزيمته على فعل الخيرات فلا يزال يجاهد نفسه فيها، وفي الانكفاف عن السيئات، فيوفقه الله عز وجل لحسن الخاتمة. قال تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، وقال : (يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء).
ومنها : أن المداومة على الأعمال الصالحة سببٌ للتيسير في الحساب وتجاوز الله تعالى عن العبد، فعن ربعي بن حراش قال : (اجتمع حذيفة وأبو مسعود فقال حذيفة : رجلٌ لقي ربه فقال : ما عملت ؟ قال : ما عملت من الخير، إلا أني كنت رجلاً ذا مال، فكنت أطالب به الناس، فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور، فقال : تجاوزوا عن عبدي)، قال ابن مسعود : (هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له. فبسبب مداومته على التجاوز تجاوز الله عنه.
ومنها : أن المداومة على العمل الصالح سببٌ في أن يستظل الإنسان في ظل عرش الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله، أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل وشابٌ نشأ في عبادة ربه ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ طلبته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ، فقال إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفقٌ عليه واللفظ للبخاري.
ووجه ذلك أن عدل الإمام، ونشوء الشاب في عبادة ربه، وتعلق القلب في المساجد، وتحابب الرجلين في الله : لا بد فيه من الاستمرار عليه حتى يحصل به هذا الفضل العظيم.
ومنها : أن المداومة على العمل الصالح سببٌ لطهارة القلب من النفاق، ونجاة صاحبه من النار، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من صلى لله أربعين يوماً في جماعةٍ يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان، براءةٌ من النار، وبراءةٌ من النفاق) أخرجه الترمذي.
ومنها : أن المداومة على الأعمال الصالحة سببٌ لدخول الجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أنفق زوجين من شيءٍ في سبيل الله دعي من أبواب الجنة ، وللجنة أبوابٌ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، فقال أبو بكر : ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة ؟ فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم، وأرجو أن تكون منهم) متفق عليه.
ثم اعلموا يا عباد الله أن من داوم على عملٍ صالحٍ، ثم انقطع عنه بسبب مرضٍ أو سفرٍ أو نومٍ كتب له أجر ذلك العمل، أخرج البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً).
قال ابن حجر : "هذا في حق من كان يعمل طاعةً فمنع منها، وكانت نيته - لولا المانع - أن يداوم عليها.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما من امرىءٍ تكون له صلاةٌ بليلٍ فغلبه عليها نومٍ إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه صدقةً عليه) أخرجه النسائي.

■ الأسباب المعينة على المداومة على الأعمال الصالحة :
المداومة على الأعمال الصالحة من صفات عباد الله المؤمنين : (الذين هم على صلاتهم دائِمون)، (والذين هم صلواتهم يحافظون.
وإنما كانت من صفات المؤمنين؛ لأن أبعد الناس عن المداومة على صالح العمل إنما هم المنافقون، وذلك راجعٌ إلى أنهم لا يرجون بأعمالهم رحمة الله بل يؤدون شعائر الإسلام الظاهرة أو بعضها ذراً للرماد في عيون الناس خشية أن يطلعوا على أعمالهم، كما أن قلب المنافق أضعف من أن يحتمل وطأة المداومة وشدة المجاهدة، وأبعد من أن يتلذذ بحلاوتها، وأيضاً فإن المؤمن إذا سمع ثواب الله تاقت نفسه لتحصيله، فجاهد نفسه على سلوك ما يقرب إليه، بخلاف المنافقين فهم كما قال الله : (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم).
ثم إن عباد الله المؤمنين يسلكون السبل المفضية بهم إلى الأعمال الصالحة والمداومة عليها.
ومن الأسباب المعينة على الأعمال الصالحة : العزيمة الصادقة على لزوم العمل والمداومة عليها أياً كانت الظروف والأحوال، وهذا يستلزم نبذ العجز والكسل اللذين هما داءان يريدان بنشاطه إلى الخمول وحياته إلى الخمود ما لم يتدارك نفسه - بعد الاستعانة بالله - بإرادة قوية وعزيمة صادقة ينتشل فيها نفسه من تلك الوهدة.
وإذا كان الإنسان يكره الموت الذي فيه انقطاع حياته، والهرم الذي فيه انهيار شبابه وقوته، ويود أن لو هرب منهما ودفعهما عنه بالراحتين واليد ولكن هيهات !!
أفلا يدرك أن هناك سوساً ينخر في عظامه - من حيث يدري أو لا يدري - طوال فترة حياته مع أنه يستطيع دفعه عنه، وهذا السوس هو العجز والكسل.
ومن الأسباب المعينة على الأعمال الصالحة : القصد في الأعمال، وعدم الإثقال والتشدد على النفس فإنه أدعى للمداومة وأضمن لها، إذ أن النفس البشرية تركن إلى الراحة والدعة فمتى باغتها الإنسان بأعمال تثقلها ملت وانقطعت بخلاف ما إذا سايرها بما يستطيع وعودها على لزوم الخير رويداً رويداً، وكلما رأى في نفسه خفةً ورغبةً إلى الخير زاد ما لا يثقلها، وكما قيل : "قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٌ منقطع".
ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه عن عائشة.
وعنها رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا) متفق عليه.
ولا تقف مشادة النفس عند حد أنها مظنة للانقطاع عن العمل فقط بل إنه يخشى على صاحبها من الانتكاس. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة وشيءٍ من الدجلة) رواه البخاري.
وبهذا يتبين ضرورة التدرج بالأعمال من الأسهل إلى ما هو فوقه وهكذا، وليسلك طريق من يعينه على ذلك من أخوة له في الله يعينونه إذا تثاقل ويذكرونه إذا نسي، أو زوجة صالحةٍ تعينه على الخير، وليعلم أن البركة في المداومة، فمن حافظ على قراءة جزء من القرآن كل يوم ختمه في شهرٍ، وهكذا بقية الأعمال.
وعليه أن يتذكر ما اقترف من الإثم، ويتعين أنه لا بد من وجود ما يمحوه من الحسنات، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
عن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسنٍ) أخرجه الترمذي وقال حديثٌ حسن.
ففي هذا الحديث الأمر بالتقوى في كل حالٍ وآنٍ، ولكن علم أنه لا بد من ابن آدم ما يخل بالتقوى فأرشده إلى ما يمحو به السيئات.
وأخيراً : فإنه لا يحسن بمن داوم على عملٍ صالحٍ أن يتركه. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفقٌ عليه.

 0  0  3754
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:11 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.