• ×

01:25 صباحًا , الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016

◄ مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة.
■ مشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان، إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان، ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أفضت إليها.
فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية، لم تترق عنها إلى درجة الإنسانية، فضلا عن درجة الملائكة.
فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطباعها :
فمنهم : من نفسه كلبية، لو صادف جيفة تشبع ألف كلب، لوقع عليها وحماها من سائر الكلاب، ونبح كل كلب يدنو منها، فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة، ولا يسمح لكلب بشيء منها. وهمه شبع بطنه من أي طعام اتفق، ميتة أو مذكى، خبيث أو طيب. ولا يستحى من قبيح. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث. إن أطعمته بصبص بذنبه ودار حولك، وإن منعته هرَّك ونبحك.
ومنهم : من نفسه حمارية، لم تخلق إلا للكدر والعلف، كلما زيد في علفه زيد في كده، أبكم الحيوان وأقله بصيرة.
ولهذا مثل الله عز وجل به من حمَّلَهُ كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقها ولا عملا، ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضوع ذكرها.
ومنهم : من نفسه سبعية غضبية، همه العدوان على الناس وقهرهم، بما وصلت إليه قدرته، طبيعته تتقاضى ذلك كتقاضي طبيعة السبع لما يصدر منه.
ومنهم : من نفسه فأرية فاسق بطبعه، مفسد لما جاروه، تسبيحه بلسان الحال سبحان من خلقه للفساد.
ومنهم : من نفسه على نفوس ذوات السموم والحمات، كالحية والعقرب وغيرهما، وهذا الضرب هو الذي يؤذي بعينه فيدخل الرجل القبر والجمل القدر، والعين وحدها لم تفعل شيئا، وإنما النفس الخبيثة السمية، تكيفت بكيفية غضبية مع شدة حسد وإعجاب، وقابلت المعين على غرة منه وغفلة، وهو أعزل من سلاحه فلدغته، كالحية التي تنظر إلى موضع مكشوف من بدن الإنسان فتنهشه، فإما عطب وإما أذى.
فحق على من أراد حفظ نفسه وحمايتها، أن لا يزال متدرعا متحصنا لابسا أداة الحرب، مواظبا على أوراد التعوذات والتحصينات النبوية التي في القرآن والتي في السنة.
ومن الناس : من طبعه طبع خنزير يمر بالطيبات فلا يلوى عليها فإذا قام الإنسان عن رجيعه قمه وهكذا كثير من الناس يسمع منك ويرى من المحاسن أضعاف أضعاف المساوئ فلا يحفظها ولا ينقلها ولا تناسبه فإذا رأى سقطة أو كلمة عوراء وجد بغيته وما يناسبها فجعلها فاكهته ونقله.
ومنهم : من هو على طبيعة الطاوس، ليس له إلا الكبر والتطوس والتزين بالريش، وليس وراء ذلك من شيء.
ومنهم : من هو على طبيعة الجمل أحقد الحيوان وأغلظه كبدا.
ومنهم : من هو على طبيعة الدب أبلم خبيث .. وعلى طبيعة القرد.
وأحمد طبائع الحيوانات : طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوسا، وأكرمها طبعا. وكذلك الغنم.
وكل من ألف ضربا من ضورب هذه الحيوانات، اكتسب من طبعه وخلقه. فإن تغذى بلحمه، كان الشبه أقوى فإن الغاذي شبيه بالمغتذى.
ولهذا حرم الله أكل لحوم السباع وجوارح الطير، لما تورث آكلها من شبه نفوسها بها . والله أعلم.
والمقصود : أن أصحاب هذا المشهد ليس لهم شهود سوى ميل نفوسهم وشهواتهم، لا يعرفون ما وراء ذلك ألبتة (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/481-484) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  2155
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:25 صباحًا الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.