• ×

01:19 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ تواجه معظم دول العالم اليوم معضلة توفير التعليم ذي الجودة العالية، الذي يؤدي إلى تطوير الاقتصاد وبناء الموارد البشرية القادرة على خدمته وتيسير حياة الفرد في ظل المتغيرات العصرية.
ففي ظل العولمة والتحول إلى اقتصاد المعرفة تزايدت الحاجة في الدول المتقدمة إلى رفع نسب الالتحاق بالتعليم وخاصة التعليم العالي، إضافة إلى ضرورة إعادة تأهيل القوى العاملة، من اجل تطوير مهاراتهم بما ينسجم مع الخصائص الجديدة للمهن التي أدت إلى تطوير المهارات المطلوبة لأدائها ضمن بنية المجتمع المعرفي. ولكي تستطيع مواجهة متطلبات تطوير التعليم وفقا للواقع الجديد فإنها، تواجه مجموعة من التحديات، من أهمها ارتفاع التكلفة والتي تشمل عناصر مختلفة أبرزها إنتاج المحتوى التعليمي مثل الكتب الدراسية مما يشكل عائقًا أمام التحاق شرائح واسعة من المجتمع بالتعليم، خاصة العالي والمتوسط، فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية تقدر هذه الشريحة بأكثر من 200000 طالب سنوياً.
وفي الدول العربية فإن تحديات توفير التعليم وخاصة العالي أكثر من تلك التي تواجهها الدول المتقدمة، حيث تشير جميع التقارير الدولية والإقليمية إلى حالة انتكاسة خطيرة في تطوير التعليم إذ تتدنى مؤشرات التعليم العالي في معظم الدول العربية.
إن التحدي الأكبر الذي يواجهه المسؤولون عن التعليم العالي في الدول العربية يتمثل في الأعداد الهائلة التي ستلتحق فيه خلال السنوات المقبلة، فمثلا تشكل الفئتين العمريتين (1-14) سنة و(16-24) سنة، 45% و21% من المجموع السكاني على التوالي، مما يعني مضاعفة الطلب على التعليم الثانوي والعالي في المستقبل القريب، هذا يحتم ضرورة رفع نسب الالتحاق بالتعليم العالي التي تعتبر حاليًا نسبًا متدنية في معظم الدول العربية، حيث تتراوح هذه النسب من 4% إلى 30% في أحسن حال، بينما يتطلب اقتصاد المعرفة إلى أن تكون هذه النسبة من 50% إلى 60%، ومما يزيد الوضع صعوبة في البلدان العربية تدني جودة التعليم واعتماد نظم تقليدية في جميع مراحل التعليم والاعتماد على أسلوب الحفظ والتلقين والبعد عن التطبيق العملي وعدم الاستفادة من تقنيات التعليم الحديثة في تسهيل فهم المعلومة وتحويلها إلى واقع، وقد أكد ذلك بنك التنمية الدولي في آخر تقرير له حول حالة التعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
إن تلبية الطلب المتصاعد على التعليم باتباع الطرق التقليدية عن طريق توسعة البنية التحتية وبناء مؤسسات تعليمية جديدة واستخدام أساليب التدريس التقليدية، غير ممكنة؛ لأنها تحتاج إلى موازنات كبيرة يصعب توفيرها، ويحتاج الأمر برمته إلى الكثير من الوقت والجهد، ومن الواضح ان الطرق الحالية للتعلم والتعليم متدنية الفاعلية وغير ملائمة لتأهيل الطلبة لمواجهة متطلبات الحياة في الألفية الثالثة.
وبالرغم من الصورة القاتمة للتعليم في الدول العربية، التي أشارت إليها التقارير الدولية، إلا أن هناك أمامها فرصا نادرة ما زالت قائمة للارتقاء بالتعليم وتحسين جودته واستيعاب الأعداد الإضافية من الطلبة وتخفيض كلفة الإنتاج في العملية التعليمية دون الحاجة إلى استثمارات مالية مرتفعة، إن اللحاق بحركة الانفتاح (Openness) العالمية للموارد التعليمية على الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) تشكل فرصة حقيقية للوقوف أمام تلك التحديات وتجاوز تلك الصعوبات، حيث تتوفر حالياً مئات المواقع الجامعية والمؤسسات التعليمية تحتوي ألاف الموارد التعليمية مثل : (المنهاج الدراسية والمحاضرات والامتحانات والكتب الدراسية والمجلات العلمية)، إلى جانب مواد أخرى تدعم التعليم والتعلّم، وهي متاحة مجاناً لمن يرغب في استخدامها شرط عدم استغلالها لأغراض تجارية، هذا التوجه الجديد للتعليم بكل أبعاده ترعاه أعرق الجامعات والمؤسسات العالمية المهتمة بالتعليم، مثل : (معهد مساتشوستس وجامعة كارنجي ميلون وهارفارد وبيركلي الامريكية وكيو اليابانية وباريس التقنية وكيب الغربية في جنوب إفريقيا)، وهذه أمثلة لأن القائمة أطول من ذلك بكثير، إضافة إلى إن كثيراً من الدول في العالم تتبنى هذا التوجه وتدعمه بقوة.
لقد تمت صياغة عبارة «الموارد التعليمية المفتوحة» (Open Educational Resources (OER في عام 2002 خلال منتدى اليونسكو حول أثر «المناهج Open Course Ware OCW الدراسية المفتوحة» على التعليم العالي في الدول النامية. والذي انعقد للنظر في إمكانية استفادة الدول النامية من مبادرة معهد ماساشوستس بطرح مقرراته ومناهجه الدراسية على شبكة الانترنت التي أتيحت للاستخدام مجانًا من قبل الراغبين والمهتمين.
وتم تعريف «الموارد التعليمية المفتوحة» على أنها المواد الرقمية المتوفرة مجاناً على شبكة الإنترنت، للمربيين والطلبة لاستخدامها في عملية التعليم - التعلم، إضافة إلى أغراض البحث العلمي العالي.

● كما قامت اليونسكو بتوسيع مفهوم «الموارد التعليمية المفتوحة» في منتداها الثاني في عام 2004، ليشمل ثلاثة جوانب مهمة في العملية التعليمية هي :
1- المحتوى التعليمي : مثل مواد المنهج الدراسي، وخطط التدريس، والكتب الدراسية، والمقالات وغيرها والتي تدعم عملية التعليم - التعلّم.
2- الأدوات : مثل البرامج التي تساعد في إنتاج واستخدام المحتوى التعليمي إلى جانب التقنيات المفتوحة التي تسهل التعلم التعاوني المرن والمشاركة المفتوحة لممارسات التدريس التي تمكن المعلمين من الاستفادة من أفضل أفكار زملائهم ومصادرهم التعليمية وإعادة استخدامها.
3- الموارد التنفيذية : وهي الموارد اللازمة لضمان جودة التعليم والممارسات التعليمية وترخيص الموارد التعليمية.

إن حركة الموارد التعليمية المفتوحة تتمتع بإمكانات كبيرة قادرة على تطور التعلم. وتكمن قيمتها التعليمية في سهولة استخدامها عندما يتم ترميزها وترقيمها مما يسهل شراكة المؤسسات التعليمية فيها. وتتميز الموارد التعليمية المفتوحة عن الموارد التعليمية الأخرى بخضوعها لنظام ترخيص وحماية ملكية، مما يسهل استخدامها وتكييفها دون الإذن من المؤلف صاحب حق الملكية.
ومن المهم إدراك إن الموارد التعليمية المفتوحة ليست رديفًا للتعليم الإلكتروني، حيت إن استخدام الموارد التعليمية المفتوحة يمكن أن يتم بدون خدمة الانترنت. كما يختلف مفهوم الموارد التعليمية المفتوحة عن مفهوم «التعليم المفتوح» الذي يتطلب تحليلاً منهجيًا لعملية تقييم الطالب ويحتاج إلى نظم اعتماد ودعم إداري إضافة إلى أمور أخرى.

● وأخيرًا :
فإن مفهوم الموارد التعليمية المفتوحة يختلف عن مفهوم «الوصول الحر» الذي يعني المنشورات البحثية في المجلات العلمية المحكمة وبرخصة مفتوحة. بينما تتخصص الموارد التعليمية المفتوحة فقط بموارد التعليم والتعلم.
تنهج اليونسكو في تبني حركة الموارد التعليمية المفتوحة منهج زيادة الوعي في الدول الأعضاء للمشاركة في حركة الموارد التعليمية المفتوحة. وذلك من خلال المعهد الدولي لتخطيط التعليم التابع لها ومن خلال موقعها على شبكة الانترنت (http://www.unesco.org) كما تعتبر اليونسكو حركة الموارد التعليمية المفتوحة، وسيلة هامة لتزويد الطلاب في البلدان النامية بالمحتوى التعليمي المتوفر في أرقى جامعات العالم.
وتقدم مؤسسات عالمية الدعم المالي لمبادرات الموارد التعليمية المفتوحة، ولعل مؤسسة هيلويت (http://www.hewlett.org).
Bill & Melinda Gates Foundation ومؤسسة بيل وماليندا جيتس (http://www.gatesfoundation.org) هما أهم المؤسسات لدعم هذه المبادرات في الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم الأخرى.
تعتمد حركة الموارد التعليمية المفتوحة على الفلسفة التي تؤمن بأن التعليم يجب أن يكون متاحًا للبشر جميعًا وبدون أي عوائق وان يكون قائما على «الانفتاح» والذي يعني بـان المعرفة يجب أن تنشر وتكون تشاركية بحرية تامة من خلال شبكة الانترنت لصالح البشرية جمعاء.
أسهم التطور الهائل في شبكة الانترنت وزيادة عرض النطاق للشبكة وزيادة سرعة المعالجات وانخفاض كلفتها، خلال العقد السابق في تطوير ونجاح حركة الموارد التعليمية المفتوحة، وقد تم طرح محتوى تعليمي رقمي هائل بجميع أشكاله النصية والمرئية والسمعية على شبكة الانترنت، ويمكن القول : إن المعرفة البشرية تكاد أن تكون مرقمنة ومتوفرة على شبكة الانترنت، ومما ساعد على تسهيل حركة الموارد التعليمية المفتوحة، هو ظهور أدوات رقمية تعمل على حفظ حقوق الإنتاج العلمي الرقمي بكافة أشكاله على شبكة الانترنت ويمكن اعتبار تراخيص (Creative Commons) «المشاع الإبداعي» (http://creativecommons.org) إحدى أهم الرخص الرقمية التي تضع الأطر القانونية لحفظ حقوق المحتوى الرقمي على شبكة الانترنت حيت تضمن هذه الرخص حقوق الباحثين والعلماء والناشرين لأي محتوى رقمي وتمكنهم من توزيع أعمالهم وطرحها للمشاركة مع الآخرين وتمكين الجميع من استخدامها، يضاف إلى ذلك إتاحة أدوات تسهل عملية النشر على شبكة الانترنت، وتتوفر حاليًا ست انواع مختلفة من رخصة المشاع الإبداعي التي تعطي الحرية لمؤلفي المحتوى باختيار بدائل مختلفة لضمان لحقوقهم، ويمكن ترخيص أي محتوى على مواقعهم بخطوات بسيطة عن طريق تصميم رموز ايقونية على صفحة المحتوى. وتسمى هذه الرخص، بالرخص المفتوحة على شبكة الانترنت.
تشكل الكتب الدراسية جزءاً أساسياً من عملية التعليم والتعلم في جميع مراحلها، حيت يهدف الكتاب الدراسي والذي يجب اختياره بعناية فائقة، إلى تعزيز تعلم الطلاب وايصال المعلومة إليهم بشكل تراكمي يهدف إلى تحقيق أهداف تعلم المقرر الدراسي، وقد أصبح دور الكتاب الدراسي التقليدي والمستخدم في جميع المستويات الدراسية منذ اكثر من قرن، يواجه تحديات كبيرة في عصر المعرفة و الذي يمكن أن يؤدي إلى الاستغناء عنه في المستقبل القريب وذلك كسائر الأدوات والتقنيات التي تم الاستغناء عنها مثل الاسطوانة الغنائية وشريط الفيديو وقرص الكمبيوتر المرن وغيرها بسبب التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات والانترنت.
ويمكن تقسيم التحديات التي تواجه الكتب الدراسية إلى قسمين، يتعلق الأول بالكتاب نفسه، ويتعلق الثاني بمستخدم الكتاب الدراسي سواء كان الطالب أو المدرس، فمن النادر إيجاد الكتاب المناسب لتغطية جميع المواضيع الدراسية المطلوبة في المقرر، وان توفر فربما لا يكون بالعمق المطلوب، إضافة إلى ذلك في كثير من الأحيان، لا يتوافق المحتوى مع السياق ومع خصائص البيئة المحلية، خاصة في مرحلة التعليم العالي، وذلك لان معظم الكتب الدراسية في الجامعات العربية بوجه عام وجامعات دول الخليج بشكل خاص تكون كتبا أجنبية، أيضاً تتطلب التحولات التكنولوجيا المتسارعة والتحول إلى عصر المعرفة سرعة استجابة الكتاب الدراسي لذلك وهو أمر يصعب تحقيقه إلا من خلال كتاب جديد، يضاف إلى التحديات السابقة، تحدي ارتفاع أسعار الكتب الدراسية على المستوى العالمي خاصة لطلبة التعليم العالي، والذي يشكل عبئاً مالياً كبيراً على موازنات التعليم العالي وخاصة في البلدان العربية بسبب اعتمادها اللغة الانجليزية كلغة للتدريس في مؤسسات تعليمها العالي.
أما بالنسبة للطالب؛ والذي يوصف بالطالب الرقمي، والذي يكون قد امضي آلاف الساعات في إرسال واستقبال الرسائل الالكترونية والنصية الآنية، وآلاف الساعات باستخدام الحاسوب باحثاً ومتجولاً وقارئاً، ويكون قد استمع إلى آلاف المحتويات الرقمية عند التحاقه بالتعليم العالي، فلن يكون الكتاب الدراسي التقليدي والساكن مناسباً له.
لقد دفعت التحديات السابقة بعض مؤسسات التعليم ما بعد الثانوية، ابتداع ما يسمى المادة الدراسية للمقرر والتي يقوم بإعدادها مدرسو المقررات، مما أدى إلى تباين واضح في مستويات مخرجات هذه المؤسسات، خاصة إذا كانت تقع تحت مظلة واحدة وتعتمد خطة دراسية واحدة لجميع الكليات التابعة لها.
ولعل ظهور ما يعرف بالكتب الدراسية المفتوحة (Open Textbooks)، والذي يعتبر جزءا من الحركة الأوسع والمعروفة بالموارد التعليمية المفتوحة، يمكن أن يساعد في مواجهة هذه التحديات وإلى تحسين جودة العملية التعليمية، وقد أدى ارتفاع أسعار الكتب الدراسية لطلبة التعليم العالي وخاصة طلبة كليات المجتمع المتوسطة، في مطلع العقد السابق في الولايات الأميركية، إلى ما يعرف «بأزمة الكتاب الدراسي» وتم تجربة حلول عديدة لمعالجة المشكلة، مثل تأجير الكتاب للطالب واعتماد الكتاب الإلكتروني وغيرها، إلا أن ابرز هذه الحلول نجاعة وتأثيرا، كان ظهور مؤسسات غير ربحية بالتعاون مع اعرق الجامعات الأميركية، تبنت جمع وإنتاج وتوفير الكتب الدراسية المفتوحة للطلبة ومما عزز دور هذه المؤسسات، قيام الكثير من أعضاء الهيئات التدريسية والمؤلفين في المؤسسات التعليمية بوضع كتبهم مجاناً على شبكة الانترنت.
ويتم تعريف الكتاب الدراسي المفتوح، بأنه «الكتاب الدراسي المتوفر على شبكة الانترنت وبرخصة مفتوحة، مثل رخص (المشاع الإبداعي) مما يمكن للمستخدم قراءته وتحميله مثلا، على شكل PDF، وطباعته واستخدامه بجميع الأشكال الرقمية مجانا».
وتعتبر رخص المشاع الإبداعي وهي منظمة غير ربحية في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية عاملاً أساسياً في تيسير حركة الانفتاح للموارد التعليمية وخاصة الكتاب الدراسي المفتوح، حيث تسمح تراخيص المشاع الإبداعي لمؤلف الكتاب الحفاظ على حقوق التأليف مع السماح للآخرين بنسخ واستخدام الكتاب، وبشرط أساسي ينص على عدم استخدام الكتاب لغايات تجارية. وتعد الويكيبيديا (Wikipedia)، إحدى أشهر المشاريع المرخصة بإحدى رخص المشاع الإبداعي المتنوعة، وكذلك تستخدم قناة «الجزيرة نت» رخص المشاع الإبداعي في برامجها وقد أدى عمل المتطوعين القانونيين من اكتر من خمسين دولة في العالم إلى تكييف رخص المشاع الإبداعي لتتناسب مع قوانين الحماية في دولهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحديات التعليم والتعلم في الدول العربية - الدكتور خلف التل - خبير أردني، التعليم التقني - وزارة القوى العاملة - سلطنة عمان.

 0  0  3309
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:19 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.