• ×

11:20 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ مفهوم المواطنة.
أ) المواطنة في اللغة : جاءت من "واطنه على الأمر مواطَنَة، وواطن القوم : عاش معهم في وطن واحد بفعل واطن بمعنى شارك في المكان مولداً وإقامة؛ لأن الفعل على وزن (فاعل)" (1).
والمواطنة تعني "الوطن المنزل تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله .. الجمع أوطان، ومواطن مكة : مواقفها وهو من ذلك، وطن المكان, أوطن أمام الأخيرة أعلى، وأوطنه : اتخذه وطناً، يقال أوطن فلان أرض كذا وكذا أي اتخذها محلاً ومسكناً يقيم فيه" (2).
فالمواطنة إذن كلمة لها أصل عربي مرتبط بموطن الإنسان ومستقره وانتمائه الجغرافي، لكنها في نفسها كتركيب، ومصطلح تم استحداثها كتعبير عن الوضعية السياسية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة.
وبذلك تكون "المواطنة هي : رابطة التزامية تقوم في زمان ومكان واحد" (3).

ب) المواطنة في الاصطلاح :
"الوطن ـ ج أوطان : منزل إقامة الإنسان ولد فيه أم لم يولد" (4).
"وكل أمة لابد لهم من وطن" (5) بل كل من خلق لابد له من وطن.
من خلال الوطن الذي يعيش فيه الإنسان يصبح كل من يقيم فيه إقامة دائمة من المواطنين.
المواطنة : هي صفة ينالها الفرد من الناس ليتمتع بالمشاركة "الكاملة في دولة State لها حدود إقليمية" (6).

كما أن المواطنة هي الجانب السلوكي الظاهر المتمثل في الممارسات الحية التي تعكس حقوق الفرد وواجباته تجاه مجتمعه ووطنه في ضوء مبادئ الدين الإسلامي، ومشاركته الفعالة، والأعمال التي تستهدف رقي الوطن، والمحافظة على مقدراته ومكتسباته.
فالمواطنة هي التزامات متبادلة بين الأشخاص والدولة، فالشخص يحصل على حقوقه المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة انتمائه لمجتمع معين، ولكن عليه في الوقت نفسه واجبات يتحتم عليه أن يؤديها (7).

إذاً فالمواطنة هي حقوق وواجبات تتحقق من خلال الوعي والمعرفة يلزم سعي الفرد لتحصيلها من خلال الوفاء بالتزاماتها وفق وسائل مشروعة يحددها النظام، ويتعلمها الفرد.
إن المواطنة في الإسلام لا تتعارض مع الولاء والبراء، والأمة الإسلامية ووحدتها، لأن المواطنة مفهوم إنساني لا عنصري في النظرة الإسلامية، وهي تشمل جميع المسلمين.
لقد "كان أول لقاء بين الإسلام نظام الدولة وبين غير المسلمين ـ مواطنين في الدولة الإسلامية هو الذي حدث في المدينة المنورة غداة هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليها هناك كتب النبي أو أمر بكتابة الصحيفة التي يعرفها التاريخ الإسلامي السياسي باسم صحيفة المدينة أو دستور المدينة أو كتاب أهل المدينة (8).

وبهذه الوثيقة السياسية التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم التي جعلت "غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات ما على المسلمين إلا ما استثني بنص أو إجماع، وذلك مقتضى الشراكة في الوطن الواحد" (9)، ولقد كانت هذه الوثيقة على أساس المشورة، ولم تفرض من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الجماعة التي كان لها حضور في المدينة.
أعطت هذه الوثيقة حق المواطنة للمقيمين في المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود وغيرهم بصرف النظر عن العقيدة، "وجعلت غير المسلمين في الدولة مواطنين فيها لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات ما على المسلمين طبقاً للمبدأ الفقهي (لهم مالنا، وعليهم ما علينا)؛ إذ على أساس قاعدة المساواة في الحقوق والالتزامات بين اليهود والمسلمين والنصارى وغيرهم تشكل المجتمع الإسلامي (المجتمع السياسي في المفهوم الإسلامي يحتوي على الأمة المسلمة، وغيرها من المجموعات غير المسلمة)" (10).

المواطنة هي تعبير عن الصلة التي تربط بين المسلم كفرد وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمين، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهة، وبين الأرض التي يسكنون عليها من جهة أخرى، وبمعنى آخر فإن المواطنة هي تعبير عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي (وطن الإسلام) وبين من يقيمون على هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين وغير المسلمين.
لقد اتسع معنى المواطنة ليشمل إضافة إلى النسبة إلى البلد، الشعور بالتعلق به، أكثر من غيره، والانتماء إلى تراثه التاريخي وعاداته ولغته، يتشكل مفهوم المواطنة من خلال الدين الإسلامي، وسياق حركة المجتمع وتحولاته وتاريخه. وفي صلب هذه الحركة تنسج العلاقات، وتتبادل المنافع، وتتحقق الحاجات، وتبرز الحقوق، وتتجلى الواجبات والمسؤوليات، ومن مجموع هذه العناصر المتفاعلة ضمن تلك الحركة الدائبة يتولد موروث مشترك من المبادئ والقيم والسلوك والعادات؛ يسهم في تشكيل شخصية المواطن ويمنحها خصائص تميزها عن غيرها، وبهذا الموروث المشترك حماية وأماناً للوطن وللمواطن، فالمواطن يلوذ به عند الأزمات ولكنه أيضاً يدافع عنه في مواجهة التحديات، لأن المواطن لا يستغني عن الوطن، والوطن لا يستغني عن المواطن، فوجود أحدهما واستمراره المعنوي رهين بوجود الآخر واستمراره.

فالمواطنة حقوق وواجبات، ومبادرة الإنسان ومسؤوليته تجاه نفسه وتجاه الجماعة التي ينتمي إليها، وهذه الحقوق والواجبات لا تمارس إلا في مجتمع له قيم ومبادئ يستمدها من الدين، فيقيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، وتحمل أعباء التضحية من أجل ترسيخ هذه المبادئ وحمايتها وفتح آفاق تحسين ممارستها برؤية تتطلع إلى المستقبل وبحماس لا تطغى فيه العاطفة على العقل والحكمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المواطنة في الإسلام ـ تأليف : الدكتور علي عبده أبو حميدي.
(1) معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة ـ محمد العدناني ـ مكتبة لبنان، بيروت 1404هـ ـ 1984م ـ صـ 725 ـ شذا العرف في فن الصرف ـ محمد أحمد الحملاوي ـ مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده ـ مصر 1384هـ ـ 1964م ـ صـ 42، ط 16.
(2) لسان العرب ـ محمد بن مكرم ين منظور ـ دار إحياء التراث ـ بيروت (د.ت) ـ جـ 15 ـ صـ 338،ط3.
(3) المواطنة في المفهوم الإسلامي ـ عماد الدين محمد رشيد ـ نحو القمة ـ دمشق 1427هـ ـ 2006م ـ صـ 28.
(4) المنجد الأبجدي ـ دار المشرق ـ بيروت 1387هـ ـ 1967م ـ صـ 1157.
(5) مقدمة بن خلدون ـ عبدالرحمن بن خلدون ـ تحقيق : خليل شحادة ـ مراجعة : سهيل زكار ـ دار الفكر ـ بيروت 1401هـ ـ 1981م ـ صـ 470.
(6) موسوعة العلوم الاجتماعية ـ ميشل مان ـ تعريب : عادل الهواري، سعد مصلوح ـ مكتبة الفلاح ـ الكويت 1404هـ ـ 1984م ـ صـ 110.
(7) تقويم مناهج التربية الوطنية في مراحل التعليم العام في المملكة العربية السعودية ـ وزارة المعارف ـ وكالة التطوير التربوي ـ الرياض 1420هـ ـ 2004م ـ صـ 42.
(8) (9) الأقباط والإسلام ـ محمد سليم العوا ـ دار الشروق ـ القاهرة 1407هـ ـ 1987م ـ صـ 35.
(10) التصورات الدستورية في الإسلام السني ـ عياض عاشور ـ مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء 1419هـ ـ 1999م ـ صـ 23.

 0  0  2973
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:20 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.