• ×

12:49 صباحًا , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ يقوم العلم على تربية المسلم تربية إسلامية، فما نص من القرآن والسنة إلا وله دلاله تربوية صريحة أو ضمنية، قال الله تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الجمعة : آية 2) فالآية القرآنية تسلط على خاصية طبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم المربي والمعلم والمزكي لأفراد الأمة بأسرها، "فعملية التربية من حيث الوجود والحدوث تقع في "حاضر" يستحيل عليها أن تخاصمه "وحسن التربية ورشد التعليم والتعلم هو حسن ورشد التعامل مع هذه الأبعاد الزمنية الثلاثة وفقاً للمرحلة التعليمية ووفقاً لمادة التعلم ووفقاً لعمر طالب المعرفة بحيث يكون هناك توازن لا يقوم على التقسيم بالتساوي بالضرورة" (1).
وبهذا يمر الإنسان بمرحلتين هامتين تتكون منها شخصية المسلم الصالح المصلح الذي أثمرت فيه التربية الإسلامية (2).

• أولاً : المرحلة الأولى / التربية.
معنى التربية لغة : مشتقة من رب وهو الله عز وجل وهو رب كل شيء. أي مالكه ومستحقه، وقيل صاحبه، ويقال رب البيت ورب الدابة، وهن ربات الحجال أي صاحبتها (3) قال الله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة : آية 2).
معني التربية اصطلاحاً : هي إعداد المسلم كاملا في جميع ا لنواحي في مراحل نمو للحياة الدنيا والآخرة في ضوء المبادئ والقيم وطرق التربية التي جاء بها الإسلام (4).
لذا فالتربية تعتبر عملية حياتية في المجتمع البشري "وهي ليست عملية سهله وبسيطة ولكنها معقدة ومركبة وهي ليست مسؤولية جهة معينة في المجتمع ولكنها مسؤولية المجتمع كله .. كما يجب أن تتم في مرحلة الطفولة حيث عدم النضج والطواعية، ومن ثم سهولة إتمامها كما حدث ويحدث" (5).
وبذلك تنظر التربية الإسلامية إلى الإنسان ككل متكامل تشمل جميع جوانبه الشخصية، فهي تربي فيه الروح والعقل والجسم، ولا شك في أن كل جانب من هذه الجوانب يؤثر في الأخر، وتتأثر بعضها البعض، فهي تعنى بها جميعاً وتوليها اهتمامها فترعى الجسم وتحافظ عليه، قال الله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة : 195).
عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : آخى النبي - عليه الصلاة والسلام - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدر داء فرأى أم الدر داء مبتذلة فقال لها ما شأن قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدر داء فصنع له طعاما فقال كل، قال إني صائم قال ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدر داء يقوم فقال نم فنام ثم ذهب يقوم فقال نم فلما كان آخر الليل قال سلمان قم الآن قال : فصليا فقال : له سلمان إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي - عليه الصلاة والسلام - فذكر ذلك له فقال النبي - عليه الصلاة والسلام - صدق سلمان أبو جحيفة (6).
فالتربية الإسلامية تراعي جميع الجوانب، الروحي والاجتماعي والنفسي فتخاطب وجدانه وقلبه وتحتكم إليها، فتربيه على الفضيلة، والخير وحب الناس والتجرد من الأنانية وحب الذات. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (7).
وإذا تأملنا الحديث لوجدنا أن تحقيق الكمال الإيماني في النفس يتطلب منها سمواً في التعامل، ورفعة في الأخلاق مع الغير انطلاقاً من رغبتها في أن تعامل بالمثل، وهذا يحتم على صاحبها أن يصبر على أذى الناس، ويتغاضى عن هفواتهم، ويعفو عمن أساء إليه وليس ذلك فحسب، بل يشارك إخوانه أفراحهم وأتراحهم، ويعود المريض منهم ويواسي المحتاج، ويكفل اليتيم، ويعيل الأرملة ولا يألو جهداً في تقديم صنائع المعروف للآخرين، ببشاشةِ وجه، وسعة قلب، وسلامة صدر. وكما يحب للناس السعادة في دنياهم، فإنه يحب لهم أن يكونوا من السعداء يوم القيامة، لهذا فهو يسعى دائماً إلى هداية البشرية، وإرشادهم إلى طريق الهدى، واضعاً نصب عينيه، قول الله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت : 33).
وهي تربية للعقل تخاطبه وتحتكم إليه، قال الله تعالى : (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت : 43).
كما أن التربية الإسلامية توجه العقل للتفكير، والنظر للتأمل في مخلوقات الله قال الله تعالى : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) (يونس : 101).

• ثانياً : المرحلة الثانية / التزكية.
توجه التربية الإسلامية الإنسان إلى الاستمرار في فعل كل ما ينفع الإنسان لما فيه من فعل الخير وهو فعل التزكية.
معنى التزكية لغة : "زكا الرجل إذا كان ذا فضل فهو زاك، وزكى يزكي أو زكى الغلام كان زكياً أي حسن النمو صالح الحال ذا فضل رفيع الشأن. والزكي هو الحسن النمو الصالح الرفيع الشأن النامي على الخير، والأزكى هو الأنفع والأوعى إلى الخير والبركة" (8).
وجاءت من "زكا : أصل الزكاة النمو الحاصل عن بركـة الله تعالى، ويعتـبر ذلك من الأمور الدنيوية والأخروية. تزكية النفس أي تنـميتها بالخيرات والبركات أو لهما جميعاً فإن الخيرين موجودان فيها. وبذكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحـرى الإنسان ما فيه تطهيره وذلك ينسب تارة إلى العبد مكتسباً لذلك نحو قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (الشمس 9).
وتارة ينسب إلى الله تعالى لكونـه فاعلاً لذلك في الحقيقة، نحو قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء : 49).
وتارة تنسب إلى النبي صلى الله عـليه وسلم، نحو قـوله تعالى : (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة : 151).
وتارة للعبادة، نحو قوله تعالى : (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا) (مريم : 13) وقوله تعالى : (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) (مريم : 19) (أي مزكي بالخلقة، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاحتباء وهو أن يجعل بعـض عباده عالماً، طاهر الخلق لا بالتعليم والممارسة بل بتوفيق الله كما يكون لحال الأنبياء) (9).

■ ومن خلال الآيات القرآنية يلحظ المتدبر أن التزكية كما يلي :
1) فعل التزكية يأتي مستنداً إلى الله تارة وإلى العبد تارة، وهذا يعني أن تحصيل التزكية يحتاج إلى جد ومثابرة من جهة، ومن جهة أخرى يحتاج إلى لطف وعون الله تعالى، فلا يعتمد على نفسه دون طلب العون من ربه.
2) إن معظم الأفعال الواردة هي من باب الفعل المضارع دلالة على أن التزكية عملية قائمة بذاتها على صاحبها قلباً وقالباً وعملاً وسلوكاً، وأنها عزيمة متجددة ومتكررة لا تتوقف تشمل الدنيا والآخرة.
3) تشير الآيات إلى عمق المصطلح إذ له أهمية في صياغة الشخصية المسلمة (10).

معنى التزكية اصطلاحاً : "مداومة الإنسان الراغب في الخير على تعهد نفسه بالترقية، وتنقيتها من المعاصي والرذائل والعيوب، ومجاهدتها على طاعة الله عز وجل، واكتساب العلم النافع والعمل به، والتحلي بجميل الأخلاق والأفعال والأقوال، وإرادة الخير للنفس ولمن معها في وجودها" (11).
ويرغب الإسلام في التزكية ويدعو إليها وأوضح أن الفلاح فيها والخسران في عدمها، قال الله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس : 9 - 10) أي "لقد ربح وفاز من زكى نفسه ونماها حتى بلغت ما هي مستعدة له من الكمال العقلي والعملي حتى تثمر بذلك الثمر الطيب لها ولمن حولها، وخسر من أوقعها في التهلكة من نقصها حقها بفعل المعاصي، ومجانية البر القربات، فإن من سلك سبيل الشر وطاوع داعي الشهوة فقد فعل ما تفعل البهائم، وبذلك قد أخفى عمل القوة العاقلة التي اختص بها الإنسان، واندرج في عداد الحيوان. ولا شك أنه لا خيبة أعظم، ولا خسران أكبر من هذا المسخ الذي يجلبه الشخص لنفسه" (12).
فالتزكية هي : فعل مستمر مع الإنسان في جميع مراحله العمرية، يقوم أولاً على مسؤولية الإنسان عن نفسه ومصيره الشخصي، وعمن حوله، وكما يشير مصطلح التزكية على أنه مصطلح إحلاله بدلاً لمصطلحي التربية الذاتية والتربية المستمرة للإنسان المسلم الذي يرغب في النعيم بعد مماته؛ لذا فالتصور الإسلامي للإنسان على أنه مخلوق مكرم خلقه الله، ونفخ فيه من روحه، وجعله خليفة في الأرض كي يحقق الغاية من وجوده وهي العبودية لله التي تزكية في مجالات عدة (13).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البهي الخولي ـ الثروة في ظل الإسلام ـ دار الاعتصام ـ القاهرة 1398هـ ـ 1978م ـ صـ69.
(2) سعيد إسماعيل علي ـ التربية الإسلامية والنهوض بالأمة ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة 1429هـ ـ 2008م، صـ13.
(3) محمد مكرم بن منظور ـ لسان العرب ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، د.ت، جـ5، صـ95ـ97.
(4) مقداد بالجن ـ أهداف التربية الإسلامية ـ دار الهدى للنشر والتوزيع ـ الرياض 1409هـ ـ 1989م، صـ20.
(5) سالم حسن هيكل ـ تربية وتنشئة الفرد في إطار متوازن ـ مقارنة مجتمعه والاحتكاك بالثقافات المجتمعة الأخرى ـ ندوة مدرسة المستقبل ـ كلية التربية ـ جامعة الملك سعود، 1423هـ ـ 2002م، صـ2.
(6) محمد عبدالله البخاري ـ صحيح البخاري ـ كتاب الصوم ـ باب من أقسم على أخيه ـ الفطرة في التطوع ـ دار إحياء التراث ـ بيروت، د.ت، جـ4، صـ112.
(7) المرجع السابق، كتاب الإيمان ـ باب من يحب لأخيه ما يحب لنفسه ـ جـ1، صـ2.
(8) حسن سعيد الكرمي ـ الهادي إلى لغة العرب ـ دار لبنان للطباعة والنشر ـ بيروت 1411هـ ـ 1991، جـ7، صـ370.
(9) الحسين محمد الأصفهاني ـ معجم مفردات ألفاظ القرآن ـ مرجع سابق، صـ238-239.
(10) إبراهيم محمد العلي ـ رياض الأنس في بيان أصول تزكية النفس ـ جمعية المحافظة على القرآن الكريم ـ عمان 1426هـ 2005م، صـ8-9.
(11) سمر محمد العريفي ـ صلاحية مصطلح التزكية الإنسانية كبديل لمصطلحي التربية المستمرة والتربية الذاتية ـ كلية البنات ـ جامعة الملك سعود 1423هـ ـ 1424هـ، صـ 27.
(12) أحمد مصطفى المراغي ـ تفسير المراغي ـ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت، د.ت، جـ 1، صـ 168-169.
(13) سمر محمد العريفي ـ صلاحية مصطلح التزكية الإنسانية كبديل لمصطلحي التربية المستمرة والتربية الذاتية ـ مرجع سابق، صـ 34.

 0  0  3577
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:49 صباحًا الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.