• ×

10:13 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016

◄ الحمد لله القائل في كتابه الكريم : (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) (الإسراء : 70) فمن منا كآباء وأجداد وأمهات لم يدرك بفارق تطور اللغة عند هذا الطفل وسرعة النطق بها عن ذاك من نفس أولاده أو أحفاده أو ملاحظة الفرق ما بين سرعة انطلاق لسان الأنثى عن الذكر في مرحلة ما قبل المدرسة بل وما قبل الروضة ومنذ بلوغ الطفل سنتين أو ثلاث سنوات على قدر أعلى الاحتمالات (وأنني - ولله الحمد - لي 14 حفيد ما بين الذكور والأناث في بيت واحد) كم أكون قلقاً على سلامة نطق كل حرف من فم الولد أو البنت - خوفاً من البكم عليهم جميعاً - ولكن ولله الحمد بعد شهور من السنتين الاحظ أن هذا الطفل الحفيد ما هو إلا كالببغاء أو المسجل الذي لا يتوقف عن ترديد كل كلمة يسمعها من الوالدين أو الشارع أو التلفاز أو من أترابه خلال اللعب في حديقة البيت على المراجيح والأشجار الكبيرة في البيت كالتوت أو الزيتون أو العنب أو غير ذلك - فعند ذلك ومع تقدم السن ونزول الملل من تكرار الفاظ وعبارات متكررة من فم هذا الطفل أو ذلك عشرات المرات في الجلسة الواحدة وهو ما بين احضاني أو خلال مقابلتي له فينزل الضجر بي والنرفزة المفاجأة - كيف لا وقد بلغت من العمر 60 عاماً بنفس المهنة ولله الحمد - عدا عما الاقيه من طلاب المدرسة يومياً خلال الحصص الصفية والفصول الدراسية المكتظة بالأعداد الكبيرة التي لا يقل كل فصل بالمدرسة عندنا فيها عن 44 طالب من الصف الثالث وحتى العاشر الأساسي، ثم أن وزارة التربية والتعليم تفرض الصبر والتحمل على هذا المعلم أو تلك المعلمة ولكنني وأقسم بالله العظيم - رغم ذلك - كم أشعر بالسعادة الغامرة تملأ قلبي وتزهو نفسي محبة وافتخاراً عندما اشعر بمشاركة هؤلاء (الأشقياء وهم يشاركون بالمناقشة وسرعة الأجابة الصحيحة، وكأنني اتذوق عسل الجنة وطعم ما اعد الله لعباده المؤمنين المخلصين وأنا اتناول لقمة الطعام أو عندما اتناول بطاقة الصراف الآلي لاستلم راتبي من البنك في يوم 19 أو 20 من كل شهر ميلادي محولاً من وزارة التربية والتعليم الأردنية على رقم حسابي الخاص بالبنك).
فعندما أدقق على سلامة لفظ الكلمة والحركات الأعرابية في دروس وحصص اللغة العربية، فأنني اشعر أن لسان هذا الطالب أو ذاك قد تحسن عما كان عليه من نطق الفاظ وكلمات مكتسبة في حياته الحاضرة ومستقبله - الزاهر بإذن الله تعالى - ثم إن ذلك سيؤدي بهذا الطفل إلى سلامة وسلاسة نطق كلمات وألفاظ القرآن الكريم مما سيجعله إن شاء الله تعالى مع الكرام البررة من الملائكة لصحة التلاوة والقراءة لكل لفظ من الفاظ القرآن الكريم - راجياً من الله تعالى أن يكون لي نصيب من أجر تلاوة هذا الطالب أو ذاك - ورغم أنني ولله الحمد أقوم حالياً بتدريس اللغة العربية فقط في المدرسة، إلا أنني متابع قراءت بعض الطلاب - وكمشرف على الأذاعة المدرسية يومياً في طابور الصباح اليومي قبل الحصة الأولى - فكم ازهو وأنا مع 40 معلماً و2 من عمال المدرسة ونحو 800 طالب نستمع ونخشع بكل زهو وفخر إلى قراءة طالب من طلاب الصف الخامس ألزمه - مع بقية الطلاب بقراءة كل كلمة من كلمات دروس اللغة العربية بالحركات الاعرابية (الفتحة والضمة والكسرة والسكون والشدة) نعم هذه صورة من صور الأمانة عندي في بعض اعمالي التربوية المكلف بها عندما حلفت يمين وقسم المهنة التي اتشرف وافتخر بالانتماء والعمل بها منذ نعمومة أظفاري (1973م - حيث عملت 21 عاماً بالمملكة العربية السعودية و2 سنتان باليمن وسنة بالتعليم الثانوي الخاص - بنات ثانوية عامة في ليبيا) وكنت ولا زلت ولله الحمد أحمل أمانة هذه الرسالة الشريفة والمقدسة لقوله : (صلى الله عليه وسلم : أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق - وفي رواية أخرى : انما بعثت معلماً) فأما غبار الطباشير والسبورة والشوارع فأنه سيزول فور شعور كل معلم بأنه قد أدى الأمانة على وجهها الحق أمام الله ومع عباد الله تعالى أوليست السلطة المشرفة تحملت أمانة التربية والتعليم في كل دول العالم ؟ ولكن هل اليد الواحدة تصفق ؟ طبعاً لا ومليون مليار لا. فكما أن البيت حريص على صحة وسلامة جسم الإبن أو الطالب - وطبعاً الطالبة - فيجب على البيت أن يكون الساعد الثاني للمدرسة ويمسكا معاً زمام الأمور لصالح هذا الطفل منذ اكتسابه أول كلمة ينطق بها بعد ماما أو بابا.

• • لغة الطفل بين الفطرة والاكتساب ـ دراسة في الفكر اللغوي :
إن موضوع الاكتساب اللغوي عند الطفل الذي تدرسه هذه الورقة موضوع قديم جدًّا, اهتم به العلماء العرب والغربيون وله من الأهمية ما يجعلنا نختاره موضوعاً في مؤتمركم هذا, ومن وجوه هذه الأهمية أنه يساعدنا على تلافي ومعالجة ما قد يحدث من خلل في هذه العملية الدقيقة, وهي الاكتساب اللغوي عند الأطفال بوجه عام, وعند متعلمي لغة من اللغات لغير أبنائها.
وقد أضحى ضرورياً الربط بين الفكر اللغوي العربي, الذي يذخر بالدراسات الجادة حول هـذا الموضوع وغيره من الدراسات التي نسميها الآن مجـازاً دراسات علم اللغة الحديث, وسيتضح من خلال دراستنا هـذه أن لعلماء العربية إشعاعات نيرة على الفكر اللغوي العالمي, وقد جاءت دراساتهم وفـق أحدث المناهج العلمية التي نعرفها الآن.
إننا لا نبالغ في موقفنا فنزعم أن القدماء قد أتوا بكل شيء, وأن في تراثهم ما يغنينا عن الإطلاع على الثقافات اللغوية المعاصرة, ذلك أن أحد الأمرين لا يغني عن الآخر, ونستطيع القول ونحن مطمئنون إن كلا النوعين من الدراسات يكمل أحدهما الآخر ويتضافر معه.
فالألسنية من حيث هي علم اللغة, ليست في المقابل, بعيدة كل البعد عن الفكر اللغوي العربي, فالتراث اللغوي العربي قد أولى اللغة أكثر اهتماماتـه, وقد عُرف عن اللغويين الأوائل إلمامهم بعلم المنطق وعلم الرياضيات مما أضفى على منهجيتهم دقة وموضوعية. فالخليل بن أحمد على سبيل المثال لا الحصر عالم في الرياضيات وعالم لغوي في الوقت نفسه, وقد انطبعت تحاليله بمنهجية علمية واضحة وظاهرة, وهذا يذكرنا بعالم اللغة المعاصر ناؤم تشومسكي الذي كان عالماً رياضياً, ثم استهواه البحث اللغوي التجريدي, وكذلك على حلمي موسى الذي يعد من أبرز علماء الفيزياء, وفي الوقت نفسه هـو أول من أدخل علم اللغة الإحصائي إلى عالم الدراسات اللغوية العربية المعاصر.

ويقول الدكتور حامد أحمد الشنبري : ولعل من أهم القضايا اللغوية التي اهتمت بها الدراسات الألسنية الحديثة, ولها جذور في الفكر اللغوي العربي, مسألة اكتساب اللغة وتوليدها عند الطفل, فهذه المسألة قد تناولها علماء قدامى ومحدثون عرب وغربيون. وسنعرض فيما يلي بإيجاز لأحدث الآراء في الفكر اللغوي الغربي في هذا المجال المتمثلة في النظرية الفطرية, أو ما يعرف بنظرية تحليل المعلومات, وما يربطها من صلة بعملية اكتساب اللغة في التراث اللغوي العربي.

● النظرية الفطرية (نظرية تشومسكي) :
تعددت مسميات نظرية تشومسكي عند الباحثين العرب, فمنهم من أطلق عليها نظرية تحليل المعلومات، والنظرية العقلية النفسية, وقد يطلق عليها البعض النظرية التوليدية التحويلية. وكلها تدور حول ما أطلق عليه تشومسكي مصطلح (Competence) الكفاية اللغوية, أي تلك القدرة أو الموهبة الفطرية التي منحها الله للإنسان, فاستطاع عن طريقها أن ينتج ما لا يحصى من المفردات والتركيبات اللغـوية. لذا فإننا نميل إلى تسميتها بالنظرية الفطرية, لكون ذلك أقـرب إلى واقعها وأكثر اختصاراً من المصطلحات السابقة.

● معنى الفطرة اللغوية :
يقصد بالفطرة اللغوية تلك الملكة التي منحها الله للإنسان فاستطاع عن طريقها انتاج وتوليد اللغة. حيث حاول تشومسكي أن يفسر عملية اكتساب اللغة عند الطفل من خلال ما أسماه (تحليل المعلومات), ويقصد بذلك أن ذهن الطفل يقوم باختزال المعلومات وتحليلها والقياس عليها, ومن ثم يستطيع من خلال سماعه لعدد محدود من الجمل توليد ما لا يحصى منها, وهذه المقدرة التي حباها الله للإنسان دون سائر الحيوان لا يختص بها جنس دون جنس, ولا أقوام دون آخرين, ومن ثم فإنها تأخذ طابع العالمية.

● أسس النظرية الفطرية :
ينظر تشومسكي ومن سار على نهجه للغة على أنها عبارة عن ملكة أو مهارة مفتوحة النهايات, وكل من يستطيع استخدامها يمكنه أن ينتج ويفهم جملاً لم يسبق له استخدامها, أو سماعها من قبل, ويستطيع الطفل من خلال اتقانه للقواعد التي تحكم بناء لغته أن يولد تراكيب لغوية خاصة به, وأن يفهم كلام الآخرين ووفقاً لذلك تقوم هذه النظرية على ثلاثة أسس أو اتجاهات, (Aspects) وهي :
■ الأساس الأول : إن كل الطفل في هذا العالم يستطيع بما حباه الله من قدرة فطرية أن يكوِّن مجموعة من الافتراضات متزايدة في التعقيد, كما أن لديه جهازاً عقليًّا خاصاً يميز بالفطرة الأمور العامة التي تحكم أنظمة اللغات, أي أنه يتمكن من معرفة ما هو داخل في لغته, وما هو خارج عنها.

■ الأساس الثاني : يقتصر عمل الطفل في مراحل توليده المبكرة للغة على تحديد الإطار العام للغته وتمييزه من بين سائر الأنظمة اللغوية, أو ما يطلق عليه اللغة الكلية .. وهنا نستطيع القول بأن الطفل قد تمكن من الانتقال من مرحلة "Langage" إلى مرحلة "Langue" وفقاً لمصطلح دي سوسير, أي أنه ينتقل بذلك من اللغة الإنسانية إلى لغته المعينة, وليتم عملية الانتقال تلك يعتمد الطفل على ثلاثة نظمٍ هي :
♦ أولاً : النظم الأساسية. ويقصد بها مجموعة العناصر اللغـوية التي يستخدمها الطفل على نحو مضطرد, وذلك مثل مجموعة الأسماء والأفعال والأدوات التي تشكل الثروة اللغوية أو ما يعرف بالكنز اللغوي .
♦ ثانياً : النظم الشكلية .. وهي مجموعة القوانين والخواص العامة والمشتركة في سائر اللغات, وذلك مثل قوانين المماثلة والمخالفة, وغير ذلك من القوى التي تعمل بصورة دائمة وعامة في جميع اللغات كتكوين الجملة من الفعل والفاعل, أو من الفعل والفاعل والمفعول.
فمثل هذه القواعد العامة يمكن أن يطبقها الأطفال على اللغة التي يسمعونها, وعلى ذلك فإنهم يقومون بتجريد الملامح التي يرتبط بها بناء مقدرتهم وكفاء تهم النحوية .
♦ ثالثاً : النظم الإجرائية. ويراد بها مجموعة القواعد العامة التي ترتب كيفية تنفيذ وتطبيق القوانين السابقة, كما تقوم بتنظيم العلاقة بين المستويات اللغوية, مثل المستوى الصوتي, والمستوى الصرفي والنحوي والدلالي، وتتناول هذه النظم الإجـرائية كيفية الربط بين القـوانين بعضها ببعض, كما تنظم كيفية العلاقة بين النظم اللغوية المختلفة.

■ الأساس الثالث : يتمثل هذا الأساس في أن كل طفل يستطيع بصورة طبيعية أن يميز بين بنيتين مختلفين للغة هما : البنية العميقة "Deep Structure", والبنية السطحية "Surface Structure" كما أنه يلم بالقواعد التي تحول البنية العميقة المخزونة ذهنياً إلى تجسيد أدنى, أي تركيب سطحي "Performance"، وهذا يساعد الطفل على تكوين فرضيات عقلية, أو ذهنية يستخلصها من الكلام الذي يسمعه, والذي يتألف (عادة) من خليط غير مفهوم من الأصوات, ويبدأ بتعديل هذه الفرضيات تدريجياً.
وقد استفاد تشومسكي من أفكار فلاسفة القرنين السابع والثامن عشر أمثال "ديكارت" الذي رأى أن للإنسان قدرات فريدة لا يمكن تفسيرها آلياً (حتى) وإن صلح هذا التفسير أحياناً في ميدان الوظائف الحيوية والسلوكية للإنسان.
وأظهر هذه القدرات وأعظمها في نظره هي اللغة الأنسانية التي لاتحدها أية ارتباطات أو قوالب تعبيرية ثابتة, نتيجة لمؤثرات خارجية أو حالات فسيولوجية, ومن ثم فهي صورة للعقل البشري باعتباره أداة عامة صالحة لكي تلائم كل الحوادث والاحتمالات.
وقد انتقد تشومسكي بعض علماء اللغة المحدثين من قبله أمثال دي سوسير "Desaussur" وهوكت "Hokett" وغيرهما, ممن لم يلتفت إلى ملاحظات "دي كارت" حول العقل واللغة, أو هؤلاء الذين رأى أنهم قد فشلوا في فهم هذه الملاحظات, وخاصة بلومفيلد "Bolmfield" الذي نسب الجانب الإبـداعي إلى نظرية القيـاس في اللغـة, مما يدل على أنه لم يدرك العلاقـة بين العقل واللغة على نحو صحيح.
ومن ثم فقد صاغ "تشومسكي" هذه الأفكار صياغة جديدة عندما رأى أن للإنسان قدرة عقلية فريدة تعد عطاء للفطرة, وتتمثل في الجانب الإبداعي للعقل البشري الذي تعده اللغة أعظم معطياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع.

 0  0  2489
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:13 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.