• ×

09:18 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ سرني كثيراً ما تم الحديث عنه من قبل قيادتنا التربوية العليا كما أسهم في حزني !
إن التعرف على المرض هو أول خطوات الشفاء كما يحب أن يردد ذلك الأطباء في لغة تبعث على التفاؤل يحتاجها كثيراً المرضى الذين يشعرون بالتوجس والقلق، وإن الإعلان عن مشكلة الفجوة يعتبر سيراً بخطوات مباركة في الطريق الصحيح.
وبما أنني أتحدث للعموم فإنني سأكتب كلمات معدودات تكشف مفهوم مصطلح الفجوة أو تحاول ذلك قبل الدخول في التفاصيل.

■ الفجوة :
طبعاً الفجوة المقصودة هنا هي ذلك الفرق بين مستوى أبنائنا وبناتنا الطلاب في الاختبارات العامة الثانوية العامة التي تبنى وتنفذ داخل المدرسة كما في النظام الجديد وبين ما يحصلون عليه في الاختبار التحصيلي واختبار القدرات، كأن يحصد أحمد نسبة تصل إلى 92% من الدرجات في اختبار الثانوية العامة ثم ينال 65% في القدرات 67% في التحصيلي !
ومن خلال النماذج المعلنة على مستوى إدارات التربية والتعليم في المملكة التي اطلعت عليها وراجعتها كثيراً فإننا نجد أن الفجوة تتراوح بين 16,97 وبين 28,07 لدى طالبات القسم العلمي في القدرات وفي التحصيلي فإنها تتراوح بين 19,71 وبين 49, 29 ولدى الطلاب فإنها تتراوح بين 16,02 وبين 29,02 في التحصيلي و 13,75 وبين 25,72 في القدرات هذه الفجوات التي تتماهى ضيقاً واتساعاً تم رصدها كفراغ كبير أحدث الكثير من التساؤلات بين ما يحدث في الثانوية العامة وبين التحصيلي والقدرات التي يظهر أنها الأكثر مصداقية وقرباً من الواقع المؤسف.

وهنا لا بد من التوقف الذي لا يحقق لغة التلاوم وتقاذف الكرة, بل يتعدى ذلك إلى ترتيب الأوراق بهدوء ودقة وحزم, واعتبار الأمر يتعدى كونه مشكلة إلى اعتباره قضية وطنية تعني كل المخلصين وكل الذين يحبون الوطن ويرون الخير في عقول وقلوب الأجيال القادمة.
كما في عنوان المقال فإن الخطة التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم تؤكد على أهمية ردم الفجوة, وبناء الأهداف ورسم الخطط التي تحقق ذلك بنسب متدرجة خلال سنوات لنصل إلى نسبة معقولة لا تتجاوز الـ 5 % ولكنّ الأمر الذي يثير القلق أننا ربما احتجنا لكثير من الوقت لذلك, والأكثر قلقاً الاهتمام بردم الفجوة دون النظر إلى كيفية ذلك أو إلى عامل الوقت والمراهنة عليه وكيف أننا سنراهن على عشرات الآلاف خلال السير البطيء أثناء الردم, ولا أكثر خطراً من ذلك, ومع أن نسبة المخاطرة مرتفعة دائماً في العمل التربوي إلا أن المطالبة شرعية تماماً حين يكون العنصر هم الأبناء !

■ الخيار الأول من خيارات الردم يتحقق بمنح اختبارات الثانوية العامة المزيد من الاهتمام وربما تم ذلك عبر خطوات أعددها في نقاط :
● الاهتمام بأساليب القياس داخل المدرسة وبناء اختبار عام مكوّن من عدة نماذج يختار أحدها عشوائياً لكل مدرسة ويبنى الاختبار وفق مقاييس دقيقة في كل إدارة تعليمية.
● تكثيف عمل أقسام الاختبارات في كل إدارة ليشمل زيارات ميدانية وبرامج تدريبية طيلة العام حول بناء الأسئلة.
● بناء خطط إشرافية كخطة طوارئ تطبق مع بداية العام القادم لتكثيف الزيارات والبرامج الإشرافية داخل المدارس.
● تشكيل لجنة لتحكيم نتائج الطلاب في الثانوية العامة مع نهاية الفصل الأول خلال العام القادم.

وبذلك فإننا سنضيق قدر المستطاع من عرض الفجوة وإن كنا في حاجة مستمرة لردمها من الداخل, إنني عبر هذه الإجراءات لا أتوقع أن ترتفع معدلات الطلاب في الثانوية العامة قطعاً, بل إنني أؤكد أنها وحين مراعاة كل ما سبق ستنحدر بم لا يقل عن 13% ولكننا في النهاية سنكون أكثر واقعية, وستكون الرؤية أكثر إنصافاً وإيلاماً أيضاً !
وسيتغير المتوسط في الثانوية العامة من 87% و 92% إلى 77% و 71% وسنكون محبطين كثيرا لأن أبناءنا أخفقوا ولكننا سنشعر بمرارة الدواء في أفواهنا وبقوة الفرق في واقعنا.

■ الخيار الثاني من خيارات الردم الذي أجزم أنه لن يكون خياراً ولكني أسوقه من باب الافتراض فحسب يتمثل في تخفيف قوة وواقعية اختبارات القدرات والتحصيلي وهذا كمن يقرب الهدف من الجندي حامل البندقية وحين يصيبه يخدعه في كونه أصبح رامياً ماهراً يدافع الأعداء عن وطنه مع أن الأعداء بالتأكيد لن ينشروا أيديهم ويعرضوا صدورهم بالقرب منه أثناء المواجهة !

■ الخيار الثالث من خيارات الردم يحصل برفع مستويات الطلاب ليحققوا نتائج مميزة في التحصيلي والقدرات وليرتفع المتوسط إلى 88% و 95% وسيمر وقت طويل وسيحتاج للكثير من الجهود وهو هدف مشروع ولكنه ليس واقعياً أبداً لأننا نريد أن نتحول حقاً إلى سوق العمل الذي لا يفترض أن يلتحق جميع الطلاب والطالبات بالجامعات ولا أن يكونوا جميعاً من الحاصلين على متوسطات مرتفعه.

وهنا سأنتقل إلى المحور الثاني والمرتبط بقوة مع ما سبق قبل أن أتحدث عن الخيار الرابع والأخير الذي يرتبط بما سأذكر كثيراً, وأؤكد على أننا يجب أن نتخلص بشكل سريع من عقدة الطالب الجامعي ومن التراكمات المؤسفة للكثير من التخصصات التي تكون على ورق, وأن ننظر بحزم إلى السوق وإلى الواقع, وأن نعترف أننا إلى هذه اللحظة لم ننجح بشكل دقيق في صناعة أجيال مهنية حقيقية تتعامل مع العمل المهني والسوق تعاملاً يقوم على لغة الأرقام والفوائد وأنه سوق الفرص المهدرة حقاً في وطن يفيض بالخيرات.
العمل في تصريح جديد فقد (كشف رئيس اللجنة الوطنية للمكاتب الاستشارية في مجلس الغرف السعودية أن نسبة الخريجين من طلاب الثانوية المؤهلين لسوق العمل، لا تتجاوز 10%، موضحاً أن معنى ذلك أن 90% غير مؤهلين وأن لدينا مشكلة سنشعر بها في السنتين المقبلتين، تتمثل في نسبة بطالة عالية) وهنا فإننا أمام أحد خيارين :
إما الاستمرار في ضخ هذه الأعداد وكيفما اتفق إلى الجامعات أو دفعهم إلى السوق ليكونوا في الظل وحسب !
وهنا فإن الحل العملي الواقعي للتعامل مع الفجوة طيبة الذكر في بداية المقال يتمثل في خوض التجربة البريطانية التي تتعامل مع خريجي المرحلة الثانوية على نوعين :
■ النوع الأول : هم الذين حصلوا على متوسطات عالية ولديهم الكثير من القدرة والعزم على مواصلة البحث والتعلم, وهؤلاء هم الذين يذهبون إلى الجامعات وهم الأقل.
■ النوع الثاني : هم الذين حصلوا على متوسطات منخفضة أو متوسطة ويدرجون بحسب قدراتهم ورغباتهم في معاهد متخصصة تهيئهم في وقت سريع ليلتحقوا بسوق العمل بناء على مواقع محددة سلفاً تنتظر مجيئهم وفق إحصاءات دقيقة.

وهنا لن نكون في حاجة للحديث عن الفجوة, ولا عن البحث عن أساليب تنظيرية في الغالب لردمها, ومع أن الردم سيستهلك الكثير من الجهود والأموال إلا أنني أخشى أن يكون ردماً بأحجار كبيرة وببقايا إطارات وما شابه مما يحدث انهيارات قادمة تؤثر على سطح القشرة الأرضية !

وهنا فإنني سأكون مغامراً أمام الذين لا يرحبون بالتجديد والذين يقدسون السير النظامي على خطط قديمة ولو أن غيرها خير منها حين أعرض :

■ الخيار الرابع : يتحقق بشكل عملي بإلغاء ما يسمى باختبارات الثانوية العامة, والاكتفاء باختبارات القياس في التحصيلي والقدرات والتعويض عن اختبارات الثانوية العامة بنشر ثقافة البحث العلمي وملفات الإنجاز واحترام هذه القيم العلمية واعتبارها تعويضاً مميزاً وعملياً عن اختبارات الثانوية العامة ذات النفقات في الجهود والأوقات العالية وذات المحصلات والنتائج الضعيفة للأسف الشديد, كما أشير إلى أن إلغاء اختبارات الثانوية العامة سيمنح البيئة التعليمية توازناً من حيث التركيز على التعليم بوسائله الحديثة مستفيداً من كل الشركاء الجدد في عالم الاتصال, مع أهمية منح البحث العلمي الاهتمام الأكبر لأنه الأسلوب الذكي والعملي لصناعة العلم والمعرفة.

نحن أخيراً : أمام أربعة خيارات لردم الفجوة أو التخلص منها وأعبائها يمكنني أن أختصر الخيارات عملياً إلى اثنين إما الاهتمام بمتابعة اختبارات الثانوية العامة لتصبح أداة قياس دقيقة ومعتبرة أو الإلغاء تماماً والبحث عن بدائل أكثر إفادة للأبناء وللوطن وسوقه الذي ينتظر منذ وقت طويل.
فيما يمكن أن نستغني عن الخيارين الآخرين لأن أحدها غير واقعي والآخر غير مفيد، مع كل الحب والتقدير لكل المخلصين الذين يبذلون جهودهم للوطن وأهله.

 0  0  16591
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:18 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.