• ×

01:09 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ لقد شهد العالم منذ فترة مبكرة من التاريخ البشري حركة هجرة دولية لا سيما من المتعلمين، إما لأسباب ناجمة عن الاضطهاد السياسي أو الديني أو السوقي، أو لدوافع شخصية ناجمة عن حب المغامرة أو السعي لتحقيق حياة أفضل، وقد ساعد التقدم العلمي في البلدان المتقدمة في زيادة هذه الظاهرة، ذلك بسبب ارتفاع الطلب على الأيدي العاملة إلى هجرة في هذه البلدان.

■ وقد عرفها أدمز بأنها : نوع من فقدان أو خسارة مصدر حيوي دون تعويض سواء من جانب الدول المستفيدة للدول الخاسرة، أو من العلماء المهاجرين أنفسهم لأوطانهم الأصلية (مرسى، ص 38).
وقد عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أصحاب العقول المهاجرة بأنهم : (أولئك الأفراد الذين حصلوا على شهادة جامعية ثم غادروا بلدهم ولم يعودوا).

■ أسباب الهجرة :
1. انخفاض مستوى الدخل والحياة للكفاءات العربية العليا : إن دخل ومستوى الحياة للمتعلمين والكفاءات منخفض في معظم الأقطار العربية، بالمقارنة مع دخل البيروقراطية الوطنية ورجال الأعمال والتجار وأصحاب الحرف والمهن والفنانين وغيرهم ويبدو أن هذا الانخفاض في دخل أصحاب الكفاءات يعزى إلى أن الدخل لا علاقة له بالعمل والإنتاج وهكذا يجد الكفء، بعد نضال مرير للحصول على الدراسات العليا أن دخله أقل بكثير من دخل أُناس لم يدرسوا على الإطلاق. وعليه، بناء على ذلك، أن يقتنع ببيت متواضع، هذا أن وجد بيتاً وبحياة أقرب للتقشف منها إلى الرخاء والاستقرار (العلي، 28).
2. ارتفاع أجور العلماء والخبراء والفنيين الأجانب عن أجور نظرائهم من أهل البلد النامي داخل البلاد النامية، وهذا العامل يرتبط بما هو مشتهر باسم (عقدة الخواجا) حيث تقدم التسيهلات للأجانب في البلاد النامية بينما يحرم الخبراء الوطنيين من الامتيازات التي يحصل عليها هؤلاء الأجانب، الأمر الذي يدفعهم للهروب إلى العالم المتقدم حيث يحصلون على امتيازات تتوافق مع قدراتهم وذلك لأن المعيار الوحيد هو العمل والإنتاج دون النظر إلى الجنسية أو اللون أو الدين أو أي معيار آخر.
3. تمويل طلاب الدراسات العليا بالخارج : تقوم بعض الجامعات في بعض الدول المتقدمة بتقديم بعض المنح والمساعدات لطلبة الدراسات العليا، إضافة إلى ما تصرفه عليهم بلادهم كمبتعثين، الأمر يجعل هؤلاء المبتعثين يشعرون بالرفق بين العودة أو البقاء أما الإمكانات الهائلة التي يتلقاها الباحث بالخارج، ويكفى أن نقول أن 80% من الطلبة المبتعثين من العراق امتنعوا عن العودة بسبب مصدر الدعم المادي الذي يجتذب الطلاب (الرشدان، ص 320).
4. مساعدة الأهل في الوطن الأم : لقد أثبتت الدراسات أن نسبة لا يستهان بها من أبناء دول العالم النامي، ومن بينها عدد من الدول الإسلامية، يقوم أفرادها المبعوثين بالخارج أو العاملين هناك بإرسال تحويلات نقدية منتظمة إلى أهلهم وذويهم في أوطانهم الأصلية، والواقع أن هذا العنصر مرتبط بطبيعة الحال بالعنصر الأول والخاص بانخفاض مستويات المعيشة في الدول الإسلامية بصفة عامة، وذلك لأن هؤلاء الطلاب أو الخبراء والعلماء يشعرون بالجميل لما قام به أهلهم تجاههم من تربيتهم وتعليمهم وتحمل شظف العيش كي يجعلوهم يكملون تعليمهم ويقفون على أقدامهم، ومن هنا فإن هؤلاء الأبناء يساعدون حالما تساعدهم ظروفهم بالخارج- بإرسال تلك التحويلات النقدية المستمرة للأهل خاصة للوالدين، ويبدو هذا واضحاً في حال البلاد التي ينخفض فيها دخل الفرد بشكل كبير مثل أفغانستان، وبنجلادش، والباكستان (مرسي- هجرة العلماء، ص 146).
5. أن معظم مجتمعات الوطن العربي تشكل سوقاً استهلاكية للدول الكبرى المتقدمة، أي أن ليس لها هوية اقتصادية بالمعنى العلمي، أما الدول الرأسمالية، فتنبثق في نظمها الاقتصادية من تفكير أيديولوجي راسخ بكيان الدولة وسلوك الأفراد ونشاطات المجتمع وكافة مؤسساته الإنتاجية، أي أن نظمها الاقتصادية تقوم على مبادئ حرية الفرد والتنافس والديمقراطية السياسية (عطوف ياسين، ص 42).
ويمكننا القول أن الأسباب الاقتصادية تقع في مقدمة الأسباب التي تدفع الخبير العربي إلى ترك وطنه، وغياب التخطيط العلمي السليم في الأقطار العربية (أي التخطيط بين التنمية والخريجين من الجامعات) لمتطلبات الدولة من الاختصاصات لرفع وتيرة التنمية والإسهام في رفع مستوى دخل المواطن العربي، يؤدي إلى العجز الاقتصادي وللازمة الاقتصادية الخانقة والتي تعنى عدم قدرة النظم الاقتصادية العربية وعجزها عن تقديم المستويات التي تليق بالخبراء العرب، وهذا يؤدي إلى ضغط ودفع للعقول العربية نحو الهجرة إلى الدول التكنولوجية.
6. انعدام التخطيط العلمي السليم والبيروقراطية المركزية : رغم وجود وزارات وهيئات تخطيط في كثير من الأقطار العربية، فإنه يبدو أن التخطيط أشبه ما يكون بمادة إعلامية أكثر من كونه قائماً على العلمية السليمة والدراسة، وإن استمرار التخلف والازمات في مشروعات التنمية والغلاء الفاحش وإنهيار القيمة النقدية، ونزيف الأدمغة إلى الدول التكنولوجية مؤشر ودليل على انعدام التخطيط العلمي المنتج بمفهوم التكنولوجية المعاصرة وقد صور العالم اللبناني المهاجر (يوسف مروة) الوضع العربي بقوله : ليس هناك في العالم العربي أجهزة علمية للدراسات والتخطيط والإحصاء في مكاتب الملوك والرؤساء العرب، تفي حاجات البلاد العلمية والتقنية والصناعية وليس هناك من أجهزة تهتم بجمع ودراسة المعلومات الإحصائية حول الحياة العلمية ومدى ارتباطها بالحياة الاقتصادية العربية، وليس هناك دولة عربية وضعت حتى الآن تخطيطاً علمياً صحيحاً يعتمد على المسح الجيوفيزيائي لمواردها الطبيعية والاجتماعية ولطاقاتها البشرية وليس هناك دولة عربية تعمل ضمن مخطط واضح للقضاء على أمراضها الاجتماعية الخطيرة من فقر وجهل ومرض وبطالة، هذه الأمراض المنتشرة في أكثر المجتمعات العربية إلى جانب توفر الثروة المعدنية الدفينة والطاقات الطبيعية الهائلة واستغلالها في سبيل سيادة الإنسان العربي، كما هي الآن في أصغر الدول الغربية أو في إسرائيل مثلاً، ولو تم ذلك لأصبح المواطن العربي كالسويدي أو أسعد حالاً.
ويؤكد الدكتور (انطوان زحلان) بقوله (أن الهجرة العلمية من الأقطار العربية تعتبر رداً ثابتاً على استمرار عجز الاقتصاد الوطني العربي على استيعاب الزيادة في فئات المتعلمين عامة والمؤهلين تأهيلاً عالياً بوجه خاص) ومن العوامل المسببة للهجرة أيضاً البيروقراطية والروتين والمركزية أي أن الجهاز الإداري في الأقطار العربية عموماً يتميز ببنية تقليدية متخلفة ومتحجرة وهو بهذا تنقصه القدرات على إدراك الدور الذي يمكن أن تلعبه الكفاءات في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية (العلي، هجرة العقول، ص 34).
7. غياب الإيديولوجية الاقتصادية المنهجية : يقول الدكتور (عطوف محمود ياسين) في كتابه هجرة الأدمغة العربية صفحة 47 (لقد قلب العصر الحديث الذي نعيش فيه الموازين رأساً على عقب، ولم يعد هناك عاقل يؤمن بأن نترك عمليات الإنتاج دون تخطيط منهجي منبثق عن نظام يرتكز على مفاهيم وقيم إيديولوجية. وبدون النظرية العلمية يسير التطبيق في تناقصات مذهلة وفواجع كبيرة).

 2  0  12968
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1429-10-17 04:56 صباحًا سعيد فايز السبعي :
    أخي أحمد دائماً أنت رائع في مواضيعك ولكن ألا ترى معي أن
    المشكل ليس في الهجرة فحسب إنما المشكل أن هذه العقول تبقى وتعيش في الخارج ومن المستحيل أن ترجع وينسى أن له وطن كان قد عاش فيه وحضنه ...
    ألا ترى أن هذه المشكلة بدأت تتزايد أكثر فأكثر 0 ولو سألت أي طبيباً أو أستاذاً أو مهندساً أو نجاراً أو صاحب مهنة أو أي شاب سيقول لك حلمي هو الهجرة إلى أوروبا وأمريكا . وهذه والحمد لله قليلة جد ا عندنا ً ولكن ألا ترى أن الهجرة إلينا (دول الخليج) أكثر من الهجرة من بلادنا ؟فالسؤال هنا أخي أحمد
    كيف نستفيد من علمهم ؟
    وكيف نستفيد من أموالهم وخبراتهم ؟
    من المسئول عن حل هذه المشكلة أهي الحكومات أم مؤسسات المجتمع المدني ؟
    أم المثقفين ؟ أم المهاجرين أنفسهم؟أم مــن ؟؟
  • #2
    1429-10-17 07:00 صباحًا أحمد الخالدي :
    شكراً للأخ سعيد وأحب أن أوضح أن ما أضفته هو المقصود بالهجرة في المقال السابق ، فالطالب المبتعث إلى بلد آخر (أوروبا) مثلاً إذا كان هذا الطالب يتميز بقدرات خارقة فإنه سوف يعرض عليه العمل بعد التخرج مباشرة بمقابل مبلغ من المال مضاعفا خمس مرات عن بلده الأصل فيبقى هذا العقل مرهونا لبلد آخر لم يقدم لهذا المتعلم سوى بعض المال وتحدث الهجرة المقصودة أما الأدمغة المتعثرة فإنها ستعود إليك وعليها مبلغ من المال ولا حاجة لها . محبكم أحمد

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:09 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.