• ×

08:40 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ قال تعالى : (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين) َ(سورة الأحقاف : آية 15) .
لم تكن كل الحواجز والمحطات التي مررت بها مثل هذه ...! إن الأربعين ظهرت مميزة ومختلفة (6 .. 12 .. 15 .. 18 .. 23 .. 27 .. 33 ..) مراحل كلها أرتبطت بنقلات محددة .. لكني لا أتذكر أنها بدت مختلفة .. ماذا عن هذه الأربعين .. وماذا عني !
أتت فجأة كظل شتائي أدهم ولم تجدني مستعداً لاستقبالها كما ينبغي .. صامتة ورزينة وهادئة .. تحدق إلى عينيك مباشرة ولا تمنحك فرصة حتى أن تبتسم .. وبقدر ما هي كذلك فإنها لم تفقد جاذبيتها وتألقها المتماسك كبناء محكم .. كل خطواتها بدت محسوبة ومحددة .. لا كلمات مبعثرة ولا تعبيرات محلقة .. ولا رغبة في المزيد من البحث عن مساحة إضافية لممارسة الوقت العشوائي ! ولذلك فإنني لم أكن مضيفاً متوازناً منذ اللحظة الأولى ولم يبد أنها استاءت أو جاء الأمر لها مفاجئا .. وهذا ما أسهم في هدوئي النسبي .. لن أزعم أنني كرهت حضورها ولم أكن أصلاً لأملك الخيار .. لكنني وبحق لم أعتقد أنها ثقيلة وهادئة إلى هذا الحد .. وددت أن بجواري أحد الذين زارتهم قبلي لأنفرد به لدقائق فأسأله عن نوع الحديث الذي دار بينهما .. وعن الأشياء المحببة .. وكيف يمكن أن أظهر أمامها متماسكاً ! ليس أكثر إحراجاً من أن تبدو مرتبكاً أمام أنثى ناضجة تزورك للمرة الأولى ! كنت أعلم أنها ستأتي حتما .. لكن المرحلة التي سبقتها كانت مختلفة تماماً .. صحيح أن الثلاثين أقل جموحاً من العشرين لكنها بلا شك أكثر صخباً وأقدر على تحريك كل المياه الراكدة لديك من هذه الأربعين .. ولذلك فإنني سأعتبر الثلاثين مارست معي خدعة كبيرة عبر الكثير من الأوقات التي قضيناها معاً .. دون أن تخبرني أنها ستنزل من قطار حياتي .. دون أن تقبلني أو حتى تلوح بيدها الناعمة لي من خلف النافذة !
لا أصعب من أن تصحو من رقدة صغيرة فلا تجد حبيبتك بجانبك .. وإلى الأبد ! ولا أصعب من أن تحظى بـ جديدة ساكنة وصارمة بينما لا تزال آثار عطر الأولى في المكان وبقية العصير في كوبها الصغير .. وبعض شعرها الناعم لا زال ملتصقاً بمنكبك الذي أمالت رأسها عليه خلال إغفاءة لم تتم !
وبقدر ما ستبدو أنت مرتبكاً فإنك ستتساءل عن مدى قسوة مشاعر هذه الجديدة بحيث لا تمنحك فرصة (أن تضف نفسك) وترتب أشياءك .. وتحزن لوحدك على مغادرة الثلاثين، ثم كيف لهذه الأربعين أن تنام على سرير الثلاثين وملاءاتها الوردية لمّا تزل تغطيه ! أمسكت الأربعون بيدي المرتعشة وسارت بي فوق أرض صلبه ورصيف جاف يخلو من أية ورود أو رسومات حديثة، ولم يكن ثم سوى لوحات إرشادية كتبت باللون الأسود .. لم نتحدث كثيراً وانتزعت يدي بسرعة من كفها الباردة الممتلئة مشينا خطوات كثيرة تحت ضوء القمر وبينما كنت أقنع نفسي أنها ليست المسؤولة عن رحيل الثلاثين وأن مجيئها ربما خفف لدي من الشعور بالوحدة إلا أنني لم أقدم عملياً أي بادرة تدل على الترحيب !

ذلك كان وصفاً شاعرياً للقاء الأول بالأربعين .. والاجتماع الأخير بالثلاثين .. ومع أنه لم يكن ثمة أنثى في الأمر إلا أنني كنت أرسم الأحرف كمن يتحدث تماماً عنهن .. ولن تكون هذه المشاعر حاضرة ربما بعد عشر سنوات .. ! أي في مناسبة توديع الأربعين .. والاحتفال بقدوم الخمسين (الكالحة) ولذلك فإن انسيابية المشاعر المتدفقة لم يكن سوى فرصة سانحة للحديث عن المرحلتين بعنفوان كاذب .. ها قد مضى الشهر الأول في صحبة الأربعين الناضجة .. ويبدو أنني تعودت عليها الآن .. صار باستطاعتي أن أنظر إلى عينيها تماماً بتركيز 100% وأن أبدو بمنظر غير مرتب، وأن أتحدث دون وعي، لكنها لم تتقدم تجاهي خطوة واحدة في هذا الطريق، لا تزال تتعامل معي كأول يوم !
تردد في أكثر من مناسبة أنها لن تخدعني كما فعلت الثلاثين ولطالما أخبرتني أن الخمسين ستكون مختلفة وبائسة، وحينما أوغرت صدرها غيظاً بمدحي للثلاثين أخبرتني أن الفرق بينهما لا يذكر .. في حين أن الخمسين ستكون بالنسبة لي كمن يسقط في حفرة بعمق 4000 متر بينما كان يمشي فوق عشب حديقة ! وبقدر ما أثارتني تحذيراتها فإنني لن أزعم أني استجبت لها .. لا زلت أتوق إلى أن ينتقل أثرها إليّ من مجرد التنظير إلى التطبيق دون أن أظهر النوايا الحسنة لفعل ذلك ..! وأن أتوقف عن التصرف بناء على معادلة (يا تلحق يا ما تلحق) عبر انتهاز كل فرصة للتزود بكل ما يغيظها ويحرجها كمرحلة ناضجة، ومع أنني لا أبدو كما أخبرتني هي ذات مساء متمرداً عليها وأنني تصالحت مع واقعي الجديد في وقت قياسي.
حين أكون وحدي وحينما أنظر إلى المرآة أعلم أنها محقة حين تردد أنها لا تخدعني .. بقي أن أتوقف أنا عن خداع نفسي .. بقي أن أتخذ إجراءات محددة تتلاءم مع طبيعة المرحلة .. ولكن كيف ؟ حينما اتجهت للبحث وجدت الكثير من الوصايا والتجارب .. كلها تخبرك أن هذه مرحلة يجب أن تكون مختلفة .. كلا بل يجب أن تكون أنت خلالها مختلفاً !
قيل لمسروق : متى يؤخذ الرجل بذنوبه ؟ قال : إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك .. وروى أبو عبيدة عن الحسن قال : (من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلي النار).
هكذا .. أكثر الذين عبروا هذه المرحلة أو حتى القادمين الحذرين لها يرددون ذات الحديث .. عدت الليلة إلى المنزل وقررت أن أعقد صلحاً معها .. لا بل مع نفسي .. لنوقع مذكرة تفاهم أو ما شابه .. لن ندع شيئاً يمر دون اتفاق .. سنذكر حتى التفاصيل الصغيرة في حياتنا .. وسنعيد ترتيب الأوراق .. تأكدت تماماً أن الثلاثين غادرت بعيداً وأنها الآن ربما تمسك بذراع أحدهم كما كانت تفعل معي وتلهو في غفلة لذيذة بعيداً عن كل المكدرات .. لا فائدة من العودة مراراً إلى ذات الرصيف الذي نزلت عنده وانتظار عودتها .. لا بد أن أشرب كوباً من القهوة مع الأربعين في غرفة هادئة وفوق أريكة محشوة بإتقان .. وتحت نور ضوء أبيض بدون ستائر وأن يكون ذلك اللقاء نهائياً وحاسماً للتعامل مع هذه المرحلة كرحلة سريعة وباتجاه واحد !
سأخبر نفسي أن تتوقف عن الحياة على أنقاض ذهبت .. وأن تتوقف عن المزيد من خداعي .. كما سأخبر أملي أن يصمت عن ترديد المزيد من الوعود الكاذبة حتى لو أقسم !
سأكون أربعينياً يتعامل مع الوقت بمرابحة عالية الجودة .. ومضمونة الأرباح .. ودون أن أخاطر برأس المال أو (تحويشة) العمر.
سأعود إلى المنزل دون أن أحمل معي أية هدايا ترضية .. أو رسائل معطرة .. أقدمها للأربعين .. لأنها ستنظر إليها بهدوء .. وستغادر دون أن تلمسها حتى.
سأعيش مع الأربعين حياة هادئة وجميلة إذا ملكت النية الصادقة أن أفهمها وان أقوم بواجباتي تجاه نفسي كما ينبغي.
ستكون هذه الأربعين ثرية وفاتنة ومفعمة بالسعادة حينما تسهم في تخلصي من عشرات العيوب .. ومئات الأخطاء .. وآلاف العثرات .. وسأعيش معها بهدوء حينما أرتب أشيائي بهدوء .. وأستعد لتوديعها باكراً.
الشيء المختلف كما قالت لي هي أنني يجب أن أكون مع الأربعين مختلفاً وسعيداً بها وفخوراً وهادئاً وأن أنتظر الخمسين قبل نهاية الأربعين بعشر سنوات !
كل الأعذار التي رددتها لم تعد الآن مقبولة .. وكل الوعود التي قطعتها لم يعد لتأجيلها أية مسوغات .. وكل الأمراض التي أجلت علاجها لن أفلح أبداً لو ذهب الوقت دون أن أتناول مضادات فعالة مع الأربعين للانتهاء منها .. كل أنواع الرجيم النفسي لن أتمكن من تطبيقها بعد الآن .. وكل الوجبات الإضافية لقلبي ونفسي ستكون غير سائغة بعد الآن.

 0  0  2476
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:40 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.