• ×

01:11 مساءً , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ قال تعالى : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) (التوبة : 117).
غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، غزوة استثنائية في وقتها وظروفها فلقد كان الناس في عسرة من أمرهم، والبلاد جدباء، والحر شديد، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم (يورّي) في الغزوات التي قبلها، وهذه الغزوة سماها باسمها وأطلع الجميع عليها، وكان الناس في هذه الأوقات يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، فلقد قرب وقت جني الثمار، ولكن الخطب جلل فهرقل الروم جمع جموعا هائلة من جيوشه ومن متنصرة العرب لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، مما استدعى الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم إلى اتخاذ كافة الإجراءات لكبح جماح هذا العدو المتربص والتوجه إليه تطبيقاً لما يعرف بإدارة الأزمات.
وهنا أتى دور تسويق الفكرة من لدن حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي مفادها : أيها المسلمون انصروا جيش العسرة، فخطب في الصحابة الكرام خطبة بليغة حثهم فيها على الإنفاق والبذل، وبعث إلى أهل مكة وقبائل العرب يستنفرهم، ولكن ماذا بعد هذا الحض والترغيب، كم من الصحابة استجاب وكم من المنافقين نكص على عقبيه.
أبو بكر الصديق كان أول المبادرين بالنفقة وكان من المتبنين الأوائل للفكرة فجاد بجميع ماله، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم : (هل أبقيت لأهلك شيئا) قال : أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وتصدق عاصم بن عدي بسبعين وسقا من تمر، وعبدالرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله والعباس وسعد بن عبادة وغيرهم رضي الله عنهم تصدقوا بمال كثير، وجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بنفقة عظيمة، قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لعثمان قائلاً : (اللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه) وقال : (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم)، وهذا عُلبة بن زيد رضي الله عنه صلى من الليل وبكى وقال : اللهم أنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، واني أتصدق بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (أين المتصدق هذه الليلة ؟)، فلم يقم أحد، ثم قال : (أين المتصدق فليقم !) فقام إليه، فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أبشر فو الذي نفسي بيده، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة).
يا ألله ما أروع هذه الالتفاتة.
فنلحظ هنا : من الصحابة من اجتمعت فيه الرغبة والقدرة والاستعداد فكانوا من المبادرين الأوائل، ومن الصحابة من توافرت لديه الرغبة والاستعداد ونقصته القدرة ليسهم مع إخوانه في مناصرة الفكرة، ولكن لم تمنعه القدرة من أن يبتكر إسهامات أخرى معنوية كعُلبة رضي الله عنه، وآخرين منهم رضي الله عنهم حاولوا جهدهم وتساقط دمعهم صبابة لتلبية تنفيذ الفكرة ووقف ضيق ذات اليد عائقاً ومانعاً من مرافقة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه البررة، ومن الصحابة من توافرت الرغبة والقدرة، وكان الركن الثالث المتمثل في الاستعداد أقل من الركنين الآخرين توافراً، ولكن عندما شعروا أن المنتج سيفوتهم ولن يكون لهم فيه نصيب شمروا عن سواعدهم وتركوا طيب عيشهم ولحقوا بالجيش فالعيش عيش الآخرة، كأبي خيثمة رضي الله عنه.
فهؤلاء الكرام من الصحب ما تركوا طيب عيشهم وما ينتظرونه من جني ثمارهم، وبذلوا أموالهم وأنفسهم وأعراضهم، إلا وهناك سبب ونتيجة ! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب بعد الله تعالى؛ بأن ركز على الرغبات وهي تفضيلات الفرد العليا التي يسعى لنيلها كأساس تسويق المنتجات، ومنتجنا هنا هو (فكرة تجهيز جيش العسرة لغزو عدو الله).
فكانت سلعة الله غالية وهي الجنة، فنظر الصحابة أهل الألباب والنهى والأحلام إلى الفكرة والناتج من تأييدها ودعمها، فوجدوا أن ما سيحصلون عليه يفوق ما دفعوه ثمنا وجهدا ووقتا، (الأرباح > التكلفة)، أي أن ما سيجنيه الكرام هو رضا الله، ومن رضي الله عنه أفلح ونجا وربح بيعه.
يقودنا هذا الحدث إلى النظر إلى حال الناس اليوم في تسويق أفكارهم لينالوا التأييد والدعم والنصرة، فنجدهم ـ إلا من رحم الله ـ لا يجيدون تسويق أفكارهم لجهل أو تجاهل، يحسبون أن متابعة الناس لهم ستدوم مطلقا، ونسوا أو تناسوا أن التسويق يوصي بكسب العملاء على الأمد الطويل، أما الأرباح على الأمد القصير فذاك نهج الباعة الذين يسعون إلى تصريف منتجهم بغض النظر عن رضا العميل أو غضبه، فرسولنا صلى الله عليه وسلم لو كرر العرض ألف مرة (الفكرة) لوجد الطلب من صحابته النبلاء بنفس الهمة الأولى، فعنايته بعثمان رضي الله عنه ودعائه له، رأيناه وبعناية فائقة للصحابي الذي تصدق بعرضه، فدعا لعثمان وبشّر عُلبة، كخير عناية ومكافأة للصحب والداعمين والمناصرين.
فتكلفة الحفاظ على العميل الحالي أقل بكثير من تكلفة جذب وبناء عميل جديد (فليت أصحاب الأعمال يعلمون !).

● فيا أيها المديرون والقادة ومن ملكهم الله أمراً على أحد من المسلمين :
لستم وحدكم فأنتم بإخوانكم الذين هم تحت نطاق إشرافكم، فإن أردتم النصر لأفكاركم وآرائكم، اجعلوا لمنتجكم منفعة واخدموه قبل وأثناء وبعد البيع واضمنوا النتائج لمن اشتراه، فلن تجد النصرة لأي فكرة ما لم يجد العميل (المناصر لكم) أن (المنفعة التي سيحصل عليها > التكلفة التي سيقدمها) وفي أقل الأحوال : (المنفعة = التكلفة).
وإن لم تفعل فانظر أمامك ماذا ستجد ؟ نهايتك وسقوطك.

 16  0  4942
التعليقات ( 16 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-12-15 09:58 صباحًا فيصل الغامدي :
    ويظل التميز عنواناً للعديد من المقالات التي ينشرها موقع منهل الثقافة التربوية .. وفي الحقيقة يُشير المقال إلى أبرز خصائص الإدارة الحديثة التي يدرسها ويدرسّها الغرب حالياً في جامعاته التخصصية .
    شكراً سعادة الدكتور المطرفي
  • #2
    1431-12-15 05:30 مساءً خالد محمد :
    مقال رائع يدل على ثقافة واسعة
    حفظك الله و زادك بسطة و سعة في العلم لما فيع نفع المسلمين .فنحن دائما في حاجة ماسة لمثل هذه المقالات الهادفة التي تحفز الهمم .
  • #3
    1431-12-15 09:06 مساءً اخوك احمد ابو محمد من مصر :
    جزاكم اللهم خير الجزاء ونفع بكم الاسلام والمسلمون
    اتمنى عليك يا سعادة الدكتور ان تسهب فى ضرب امثلة اخرى لتسويق افكار كثيرة نفذها الرسول الاكرم
    وكيفية ادارتة للازمات
    حيث انة اول من عرف وعمل بعلم ادارة وتنمية الموارد البشرية وكيف طوعها لخدمة الدعوة
  • #4
    1431-12-15 10:13 مساءً عبد العزيز المضواحي :
    أخي الفاضل: د. منيف المطرفي.
    تحية جميلة كأجمل ما تكون فيه التحايا.. بجمال هذا المقال المتخصص في فن التسويق.
    ( الأرباح > التكلفة ) عبارة مغرية ومقنعة، لكنها لا تغري قصيري النظر والمتعجلين في الفائدة، أو الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات، والماديات المباشرة.
    سؤال: كيف يمكن أن نغري هؤلاء؟
  • #5
    1431-12-15 10:14 مساءً عبد الحميد بن حمدي السيد :
    أخي الكريم الدكتور منيف المطرفي. سعدت جداً بالإطلاع على موضوعك حول التسويق للأفكار حيث أعجبني طريقة التأصيل ومن ثم ربطها بواقعنا. عزيزي الترويج للأفكار وتسويقها من المهارات التي تحتاج لأمر عديدة منها القناعة الذاتية بالفكرة والتخطيط المسبق وفق معايير مناسبة وإستخدام طرائق منوعة لعرضها .... ومع الأسف الشيد هناك فئة من المشرفين يعانون من ضعف في التسويق لأفكارهم نتيجة للعشوائية والإرتجالية في عرض الأفكار لذا تكبر الفجوة بين الطرفين....
  • #6
    1431-12-16 09:19 صباحًا أبو عبدالله الخيري :
    لا فض فوك أيها المسدد مقال رائع وكم هي الحاجة ماسة إلى ربط واقعنا وتعاملنا وتربية الناس بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعامله مع أصحابة فسيرته مليئة بالنماذج التي لو استخرجت منها الدروس العبر مثل هذه الغزوة وما قرأناه في هذا المقال الموفق إلا أحد دروس هذه الغزوة فأتمنى من الدكتور وأمثالة ممن لديهم القدرة على الغوص والإبحار أن يكثروا فسيجدون أروع الدرر فالهمة طريق إلى القمة وفقك الله وسددك.
  • #7
    1431-12-16 10:16 صباحًا أحمد محمد الأمين :
    نفع الله بك حدث جلل فى تلك الغزوه واسلوب بليغ فى استنفار الهمم هو ما يطلق عبيه حاليا تسويق الأفكار او تقديمها بطابع عصري
    بارك الله فيك وفى اختاراتك الموفقه
  • #8
    1431-12-16 10:25 صباحًا ابو عاصم محمد العجي :
    أخي العزيز الدكتور منيف
    السلام عليكم ورحمة الله
    أنت كما عهدناك رائعاً في طرحك وفي استشهادك وفي تفعيل تخصصك لاستقطاب الموارد البشرية وتفعيلها والأصلة في هذا الطرح يفوح شذاها حينما كان المثل فيها هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو الأسوة الحسنة للأمة ، فجزاك الله خير الجزاء
  • #9
    1431-12-16 10:27 صباحًا منصور الهلالي :
    يادكتور منيف وفقك الله وادامك مقالك رائع وفيه كما عودتنا المقارنة بعصر الرسول (ص) ومعلمنا فنحن نحتاج كما ذكرت الى مراجعة سيرة المصطفى(ص) ففيها العبر والحكم ويجب الاستفادة منها في حياتنا اليومية السياسية منها و الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية وغيرها . شكرا لك

    لاعدمناك
  • #10
    1431-12-17 01:06 صباحًا الشريف محمد بن حسين الحارثي :
    عرفت في الزميل الدكتور منيف المطرفي الإبداع والتميز ، فسلمت يمينك زميلنا الكريم.
    والمغازي النبوي على صاحبها نبينا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكثير من الدروس والعبر، ليست دروساً عسكرية فحسب بل دروس أخلاقية، واقتصادية ،واستراتيجية ،بما لا يخطر على باحث في تاريخ تلك الغزوات.
    وعن غزوة تبوك ففيها الكثير من الدروس والعبر ، والمعجزات، والتضحيات ، منها ماورد في مقالة الدكتور منيف وأخرى كثيرة ، ولعلي أورد القصة التالية المؤثرة جدا، -رغم أن في سندها قول ، وهي كالتالي:
    قال ابن هشام : قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال :
    قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، قال : رأيت شعلة من النار في ناحية العسكر قال : فأتبعتها أنظر إليها ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات ، وإذا هم قد حفروا له ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه ، وهو يقول : أدنيا إلي أخاكما ، فدلياه إليه ، فلما هيأه لشقه قال : اللهم إني أمسيت راضيا عنه ، فارض عنه . قال : يقول عبد الله ابن مسعود : يا ليتني كنت صاحب الحفرة
    فالصلاة على النبي الحبيب ، فسيرته وغزواته وأصحابه ورجاله الذين صنعهم، وخريجوا مدرسته، فقد شغلوا الدنيا وشغلوا الناس بمنافعهم.
  • #11
    1431-12-19 12:58 صباحًا انس كيفي :
    سعادة اخي العزيز الدكتور منيف المطرفي المحترم والله مقال لا تسعني الكلمات لوصفه... لك مني جزيل الشكر والتقدير على المعلومات التي اثرتها.. الله يجزاك الف خير ويرعاك الباري في الدارين ان شاء الله ....
  • #12
    1431-12-19 08:45 مساءً صالح بشير :
    سعادة الدكتور منيف لايسعني الا ان ادعو لك بالتوفيق والسداد
  • #13
    1431-12-24 07:23 مساءً وجدي منشي :
    سعادة الدكتور منيف

    كما عودتنا من إبداع إلى إبداع

    المتأمل في السنة النبوية ومآثرها يجد فيها ما وصل إليه العلم وما لم يصل إليه

    وها أنت تقوم بإيصال بعض تكتيكات التسويق والكاريزما التي يجب أن يكون عليها المشرف


    أمل إرسال نسخة لأحمد الشقيري

    لنرى هذا الربط في خواطر السنة القادمة إن شاء الله
  • #14
    1431-12-28 11:05 صباحًا نايف الرقاص :
    سلم ابداعك لهذا البيان ابا نايف...
    ونا أقرأ ظهر لي أن االمستهدف بالفكرة إذا اقتنع بها قناعة تامة فنه سيبحث عن وسائل لتطبيقها حتى ولو قصرت يده أو قدرته وهذا يبين لنا أنه بقدر جمعك لوسائل الاستثمار وتقصيها فإن لدى المستفد أفكار كثيرة ستظهر بعد قناعته بعرضك ولذلك لما اقتنع الناس بضرورة الاستثمار وجني المال تنوعة أفكار المشارريع حتى خرجت لنا افكار غريبة في الكسب- المباح - .
    مقال جميل ورائع كروعة الكاتب ,,, شكرا لربطنا بتطبيقات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
  • #15
    1432-01-01 08:23 مساءً فهد بن عبدالرحمن الحـــارثي :
    أخي الفاضل الدكتور :منيف المطرفي
    كلمات الشكر تقف خجلاً أمامكم
    ابدعت أيما إبداع ترجمت لنا أفكارا قد لايعيها من يمتلكون زمام الأمور والمبادرة من خلال رابط تسويقي لفكرة ما جعلت منها أنموذج حي
    يستقطب من يعي ويدرك الفن الترويجي لكل عمل سواء كان شخصيا او جماعيا
    فشكرا لك ولمجهودك الرائع والمتميز. فأنت رجل كما عهدناك تسهل الأمور مبدع دائما بكل ما تكتب وتنقل من خبرات تربوية
    لك الأحترام والتقدير
  • #16
    1432-01-04 01:32 صباحًا حسن القاسمي :
    د.منيف : لقد ابدعت في تسويق تسويق الفكرة لكل من تتعامل معه و انا على ذلك من الشاهدين. إن استخلاص العبر والدروس منتجارب ومواقف الأخرين ليس متاحا لأي أحد؛ ولكنه بضاعة اصحاب العقول النيرة. فبارك فيك وعليك ونفع بك .

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:11 مساءً الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.