المهدي البوعبدلي : شيخ

د. حمدادو بن عمر

9110 قراءة 1438/10/01 (06:01 صباحاً)

د. حمدادو بن عمر.
۞ عدد المشاركات : «6».
المهدي البوعبدلي : شيخ.
◗نماذج من تراثنا المغاربي : إسهامات الشيخ المهدي البوعبدلي في مجال حفظ التراث (1907-1992).
هو الشيخ المؤرخ المهدي بن أبي عبدالله البوعبدلي نسبة إلى جدهم الأعلى الذي كانت له شهرة واسعة في منطقة شلف كلها وهو الولي الصالح أبو عبدالله الملقب بالمغوفل المدفون شرق مدينة واد رهيو - ولاية شلف حاليا (1).

■ نشأتـه :
ولد الشيخ المهدي البوعبدلي سنة 1907ميلادية في القرية التي كانت تعرف آنذاك باسمها الفرنسي المسيحي (سان لو) وهو الولد الرابع لأبيه بعد بنتين وولد، وتلاه من الإخوة ثلاثة آخرهم مولدا ووجودا على قيد الحياة الشيخ عياض والذي يشرف على زاويتهم بعد وفاة الشيخ المهدي (2).

■ حياته العلمية :
أ) شيوخه وأساتذته :
لقد استغرق في دراسته اعتبارا من المرحلة الابتدائية إلى أن تخرج من الزيتونة ما يقارب 30 سنة، ولم يقطع عن الدراسة إلا في الظروف المرضية الطارئة، ومن أبرز الشيوخ الذين درس عليهم.
1) والده الشيخ أبو عبدالله البوعبدلي أخذ عنه القرآن الكريم على رواية ورش عن نافع، وقرأ عليه حوالي النصف الأول من ألفية ابن مالك في النحو.
2) الشيخ الفقيه أحمد الكفيف المازوني نجل الشيخ أبي راس المازوني حفيد أبي راس المعسكري.
3) الشيخ الفقيه محمد بن عبدالرحمن المازوني.
4) العالم الجليل التونسي محمد عبدالعزيز جعيط صاحب المجالس العلمية.
5) العالم الفقيه الأصولي المفسر الشيخ الطاهر بن عاشور، وكان الشيخ / المهدي يحضر دروسه في التفسير.
6) الشيخ محمد اللقاني بن سايح الجزائري الأصل، التونسي المستقر.

ب) - تلامذته :
كلف الشيخ من قبل نظارة الشؤون الدينية بالتدريس، فقام بما أنيط به أحسن قيام، فكان في كل أسبوع يتجه إلى الجزائر العصمة تارة من مقر زاويتهم في بطيوة، وتارة أخرى من منصب عمله في الأصنام - شلف حاليا - ليلقي دروسا على الأئمة الخطباء الذين يزاولون فترات تدريبية بمدرسة مفتاح، ومن جملة من درسوا عليه شيخ مدرسة كاسان - ولاية مستغانم - الشيخ البارودي وأئمة آخرين.

■ رحلاته :
أ) رحـلاته من أجل العلم :
بعد حفظه للقرآن الكريم في مسجد والده وتلقيه للمبادئ الأولية في الفقه والنحو والصرف وغيرهم ثم اللغة الفرنسية ببلدية بطيوة في المدرسة الرسمية، سافر طالبا للعلم إلى كبة الفقه المالكي وهي بلدية مازونة، وكانت مدرسة الشيخ أبي راس المازوني مشهورة في تخصصها بتدريس مختصر خليل عن طريق تصوير المسائل الفقهية وهي الطريقة المعروفة بالصورة الحمراء، وبعد سنتين في الجد والطلب انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس وقد أخذ عن كبار مشايخها إلى أن حصل على شهادة التحصيل.

ب) رحلاته العلمية :
كان الشيخ المهدي كثير الأسفار سواء في داخل الوطن أو خارجه حتى أنه في بعض الظروف لا يجد متسعا من الوقت للمكوث مع الأهل وحضور بعض الجنائز أو مراسلة الإخوان والأصدقاء ردا على رسائلهم (3).
ففي داخل الوطن زار معظم القطر الجزائري بحثا عن المخطوطات القيمة والنفيسة التي تتناول التراث الجزائري عامة والتاريخي خاصة، وقد زار في رحلاته المتكررة معظم الخزائن التي تحتوي على المخطوطات النفيسة كخزانة الحاج حمو بمعسكر التي آلت إلى ولده الفاضل السيد محمد البدوي القاضي بتندوف، وخزانة المرحوم السيد ابن عبد الله بن حسن القاضي السابق بعين تموشنت، وخزائن تندوف، وخزائـــن معسكر، وخزائن القلعة، وخزائن بجاية .. الخ.
وكان يستفيد من هذه الخزائن إما عن طريق الإعارة كما هو الحال بالنسبة لخزانة الشيخ محمود بوزوزو الذي ما زال على قيد الحياة ويقيم في سويسرا، وخزانته ما زالت إلى يومنا هذا في زاوية بطيوة أو الشراء كخزانة القاضي القلي من بجاية أو عن طريق التبادل كما وقع مع الشيخ البشير المحمودي البرجي، أو كتابة ما يحتاج إليه إن تعذر عليه استعارة المخطوط، وقد كانت بينهما مراسلات صنفنها في بحث مفرد إلى رسائل ودية وأخرى علمية وعن أغلب تنقلاته كانت إلى العاصمة والأصنام حث كان مفتيا، وبجاية حيث كان مفتيا وإماما.
أما خارج الوطن فقد زار بلدان كثيرة منها ليبيا، روسيا، فرنسا، المملكة العربية السعودية، برلين بألمانيا، باكستان، الهند، وهذا كله إما في مهمة رسمية أو زيارة لمكاتبها ومتاحفها أو إلقاء محاضرات، أو المشاركة في الندوات، وقد تعرف إلى الكثير من العلماء وكانت بينه وبينهم مراسلات.

■ وفاته :
توفي الشيخ المهدي البوعبدلي بمسقط رأسه عام 1992 ودفن خارج المسجد يطلب منه، وقام بتأمينه فضيلة الشيخ عبدالقادر الزبير وهو من أعز أصدقائه بعد الشيخ نعيم النعيمي والبشير الرابحي وأحمد توفيق الدني .. إلخ.
قام الشيخ بتحقيق كتابين عظيمين وهما : الثغر الجماني، ودليل الحيران لمحمد بن يوسف الزياني، وقد وجد صعوبة في طبعهما، وقد استغرق الأمر مدة طويلة، ولولا هذه الإجراءات التعسفية لأخرج لنا الشيخ تراثا هائلا نعتز به أمام الأمم.

■ مهامه العلمية :
من بين المهام التي تقلدها الشيخ المهدي، والتي كلف بها من قبل وزارة الشؤون الدينية هي :
1)- الاشتغال بوزارة الثقافة (دائرة المعالم الأثرية).
2)- عضو في المكب الوطني للدراسات التاريخية، وله بحوث كثيرة في مجلة الدراسات التاريخية.
3)- الإمامة بمسجد الباشا - جامع الترك بوهران - ثم الإمامة بالمسجد العتيق ببجاية ثم الإفتاء بنفس المسجد عوض الشيخ حسن بولحبال الذي انتقل إلى وهران، ثم الإفتاء بمدينة شلف مع تدريس الأئمة كما ذكرنا آنفا.
ومجمل القول أن هذه السطور مهما كتبناها أو اختصرناها، فإنها لا تفي الرجل حقه، فقد كان الشيخ المهدي البوعبدلي رجل علم ودين، وما أكثرهم بوطننا فقد تذهب كنوزهم بذاهبهم ولا يبقى إلا مآثرهم شاهدة عيان على تفوقهم العلمي والديني على مر العصور والدهور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
1. راجع : بحثنا الموسوم : أبو عبدالله المغوفل وكتابه فلك الكواكب، مجلة المخطوطات الجزائرية، وهران دار الأديب، وهران.
2. راجع : محاضراته الشيخ المهدي في مجلة ملتقيات الفكر الإسلامي.
3. مراسلات الشيخ البشير محمودي مع الشيخ المهدي البوعبدلي، ملتقى بشار 2007.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :