طارق يسن الطاهر.
عدد المشاركات : 68
عدد المشاهدات : 2123


يكون الشعر أجمل ما يكون، عندما يُكتب في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما يكون في الوقت نفسه أصعب ما يكون؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - حاز الكمال والجلال والجمال، ومدحَه رب العزة "وإنك لعلى خلق عظيم" وزكَّاه في كل شيء.
والشاعر الذي يرتقي ذلك المرتقى لابد أن يعلم أنه كلف نفسه شططا، فعليه أن يمتلك من الأدوات الشعرية ما يعينه على ذلك. وقد كان شاعرنا المختلف جبران محمد قحل كذلك، كان مؤمنا بفكرته، ممتلكا أدواته الفنية، فبرع أيما براعة في ذلك.

■ موضوعنا عن قصيدته "يا ثاني اثنين"، وهي قصيدة مختلفة كشاعرها، فقد بدأت بداية غير نمطية، وغير مألوفة:
‏لَمَّا دَنَا، فَتَدَلَّى، قَابَ قَوسَينِ • • • واشْتَفَّهُ، فَتَجَلَّى النورُ قدسينِ
فبدأت القصيدة بـ"لما" الظرفية التي تأتي بمعنى حينما، فكانت بداية، لها ما وراءها، بما يحمل المتلقي على المتابعة.
ثم يمضي شاعرنا ببراعة في وصف الفضل الذي حازه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بمعراجه للسماء، وبلوغه مكانا لم يبلغه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
ثم يتوجه شاعرنا بخطابه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم راجيا شفاعته، ويناجيه بـ : يا سيد الخلق، ويا ثاني اثنين؛ إشارة لقصة الغار مع صاحبه ورفيقه أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
بعدها ينطلق في قصيدته واصفا حال المسلمين وضعفهم، وسطوة الأعداء عليهم، وتفريطهم في القدس، وهي مسراه صلى الله عليه وسلم:
ظَمْأَى، ومسراكَ مغلولٌ، تُراوِدُهُ • • • عن أمِّةِ الغارِ فينا نقطةُ الغينِ !!
ثم يثبت حب المسلمين لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ويرى - بعمق إيمانه – أنه حب غير كاف؛ لأن حب النفس يغلب على حبه أحيانا، ثم يتحدث عن تفريط المسلمين في العبادات، وذكر الصلاة مثالا لها، وأنها لا تقام كما ينبغي:
حتى الصلاةُ التي رقَّتْ خواصِرُها • • • تَصَحَّرَتْها الحنايا نَضْوَةَ الأيْنِ !!

ثم يبدي شاعرنا حاجة المسلمين لعطفه وحنانه ورحمته صلى الله عليه وسلم.
وفي الختام يوقد الشاعر شمعة أمل؛ ليضعها في آخر النفق، فبعد هذا الظلام الحالك سيبزغ الفجر أكثر ضياء:
ما زالَ يُشعلُ من عينيكَ شمعتَهُ • • • كي تستعيدَ الليالي الفجرَ عيدينِ !!

● أقف وقفات تأملية على شاطئ هذا النص العميق، وأدندن حوله، ولا أقتحم لجته:
‏♦ يبدو التناص مع القرآن الكريم جليا في هذا النص، ويبرز في مواضع عدة، منها:
في عنوان النص "يا ثاني اثنين"، وهو من قوله تعالى (ثاني اثنين إذ هما في الغار) [التوبة 40].
وكذلك في قاب قوسين، وهو من قوله تعالى: (فكان قاب قوسين أو أدنى) [النجم 9]، وأيضا قوله (التين والزيتون) من الآية الأولى من سورة التين...

ومن التناص مع الحديث قوله:
ما للمحَجَّةِ ذنبٌ في تَشَوِّهِنا • • • بيضاءَ، عن شِيةٍ جَلَّتْ وعن مَيْنِ !!
وهو من قوله صلى الله عليه وسلم: (تركتكم على المحجة البيضاء...).

‏♦ صوتيا فقد استفاد الشاعر من تقارب مخارج بعض الحروف وتشابه نطقها، ومازج بينها ليُكسِب القصيدة جرسا موسيقيا يُمتع الأذن، ومن ذلك :
تَركْتَها وهيَ ظلٌّ نَسْتَطِيلُ بهِ • • • كي لا نَضِلَّ، فخان الطِّينُ طِفلينِ
فهنا جمع بين الطاء التي تكررت ثلاث مرات في البيت، والضاد والظاء، وكلها حروف متقاربة المخرج.
وكذلك تكرار حروف الصفير، ما بين السين والصاد في قوله:
العابرونَ عليها نحوَكَ اكتملوا • • • والناكصونَ اسْتَزادُوا عنكَ نَقْصَينِ
وأيضا في :
واروِ السؤالَ الذي يمتدُّ مُخْتَلِسا • • • وجهَ السرابِ، وجفِّفْ عنه بؤسينِ !!
وغير ذلك كثير.

‏♦ موسيقيا، فالقصيدة جاءت على بحر البسيط بتفعيلاته المعروفة:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن • • • مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
وقد يعتري بعض أبياتها شيء من العلل والزحافات المسموح بها حسب ضوابط البحر.
كما جاءت القصيدة على روي النون المكسورة، وقد وفق الشاعر في ذلك؛ فهو روي يوحي بالحسرة والألم، ويزيد من ذلك كون النون مكسورة، مما يلائم مضمون القصيدة؛ إذ تناولت في بعض جوانبها ألمًا على حال المسلمين.

‏♦ صرفيا فقد أجاد شاعرنا في توظيف الاشتقاقات بشكل مميز خدم المعنى كثيرا، ومنه: اسم الفاعل مثل: العابرون، الناكصون، مختلس، مرتجف، ... واسم المفعول ومنه: محمود، مغلول ... واسم التفضيل ومنه الأعلى ...، والمصادر ومنها: دفء، وتشوُّه ... وغيرها.

‏♦ أما نحويا فقد تنوعت القصيدة بين الفعل والاسم، وفي الفعل تراوحت بين أزمانه الثلاثة، فمن الماضي تركتها، ادّخرنا ... والمضارع تدوي، نحبك... والأمر اغسل، جفف ... وهذا التنوع يدفع الملل، ويحفِّز المتلقي، ويبيِّن المعاني المرادة.

كما تراوحت القصيدة بين الجمل الاسمية – وكانت قليلة- والفعلية- وهي الأكثر - مع توظيف دلالات كل ذلك في مكانه الصحيح تماما خدمة للمعنى.
ومن الاسمية التي تدل على الثبوت والاستمرار قوله:
العابرونَ عليها نحوَكَ اكتملوا • • • والناكصونَ اسْتَزادُوا عنكَ نَقْصَينِ

ومن الفعلية التي تدل على الحدوث والتجدد قوله:
أفرغْ علينا حنانَ المرسلينَ، ومن توتِ • • • النُّبُوَّةِ .. صُبَّ الكونَ كأْسينِ !!

‏♦ أما على المستوى البلاغي، فالنص يزخر بالصور البلاغية التي جاءت عفو الخاطر، وبدت منسابة انسيابا طبيعيا غير متكلف، ومن ذلك على وجه التمثيل والاستشهاد فقط، وليس الحصر:
الكناية عن موصوف في "مسراك" و"أمة الغار":
ظَمْأَى، ومسراكَ مغلولٌ، تُراوِدُهُ • • • عن أمِّةِ الغارِ فينا نقطةُ الغينِ !!

الطباق وهو الجمع بين الشيء وضده، وهو الذي يؤدي إلى توضيح المعاني وبيانها، وكان ذلك – على سبيل المثال - بين: اروِ وظمأى.

كما ترد الاستعارة كثيرا ومن ذلك:
واروِ السؤالَ
إذ جعل السؤال كأنه كائن حيٍّ ظمآن، يبحث عن الري، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو "ارو".

وهنا صورة ممتدة لبيتين:
لولا لأمِّ القرى تلقاءَ يثربِنا رَوْحٌ • • • تُنَدِّي بعطر النصرِ بدرينِ
لكادَ يجتاحُنا غَيٌّ، يخاتِلُنا غِرُّ النوايا • • • ويثني الخُبْثَ عِطفَينِ

كما كثرت الأساليب البلاغية في النص، ومنها الأسلوب الخبري، ومنه:
تَذْوِي عراجينُها الأعلى، ونخلتُها • • • ذَبْلى، وبستانُها حُزْنُ الفراتينِ
و
تمَّتْ له الرفعةُ العظمى، وباركَه • • • ربُّ السماءِ، وآتاهُ المقامينِ
وغير ذلك.

والإنشائي، ومنه النداء في :
يا سيدَ الخلقِ في أرواحِنا • • • وَجَلٌ يقتاتُه جَدَلٌ، يُغوي النقيضينِ
و
يا ثاني اثنين
والأمر في أفرغ ، صبّ.

وأسلوب الشرط كما في قوله:
مهما ادَّخَرْنا لهذا الجَدْبِ معذرةً • • • رانَتْ على كلِّ قلبٍ غيمةُ البينِ

امتلاك شاعرنا لناصية اللغة مكَّنه من التلاعب بالألفاظ التي لا يستطيع اقتحامها إلا شاعر متمكن من أدواته، ويبدو ذلك جليا في قوله:
ظَمْأَى، ومسراكَ مغلولٌ، تُراوِدُهُ • • • عن أمِّةِ الغارِ فينا نقطةُ الغينِ !!
فأشار لنقطة الغين في كلمة "الغار" وإن أزيلت أصبحت العار.

كذلك برع شاعرنا في اختيار كلماته التي يختم بها أبياته، فقد تراوحت ما بين لفظ المثنى، ومنه: ضعفين، النقيضينِ، طِفلينِ ...
وبين الكلمات المختومة بنون أصلية: الأينِ، البينِ، الغينِ...
وكما هو معلوم أن نون المثنى ينبغي أن تكون مكسورة؛ لذا جاء الشاعر بالكلمات المختومة بالنون الأصلية مجرورة؛ حتى توافق كسر نون المثنى، إما مجرورة بالإضافة كما في: قرةَ العينِ، أو بحرف الجر كما في: عن مَيْنِ...

من أصعب الحالات التي تعيق تدفق الشاعر استخدام المصطلحات والأسماء، ولكن براعة جبران مكَّنته من توظيفها دون أن يحس القارئ بأي خلل فقد وردت أسماء مثل: أم القرى ، يثرب ...
ووردت أمثال وعبارات مأثورة وحكم، ومن ذلك "شذر مذر"، حينما وظَّفها بشكل موفق في قوله :
من كلِّ لحنٍ سماويٍّ يُرتِّبُنا • • • بشارةً، والأماني شَذْرَ مذْرَيْنِ
والمعروف أن مقولة شذر مذر تدل على التفرق والتشتت فيقولون: تفرقوا شذر مذر.

إذن هي قصيدة حبلى بكل جميل، قصيدة رصينة مبنى ومعنى وموضوعا، في كل جانب منها تجد الدهشة تعروك، من قوة السبك وجودة الصورة وروعة التناول وتوظيف المفردات بإيحاءاتها وظلالها، ولا عجب فإنه جبران، شاعر ليس كمثله شاعر، فعلا هو الشاعر المختلف.

■ أدعو الله أن يكون هذا النص شفيعا لشاعره يوم القيامة.
|| طارق يسن الطاهر : عضو منهل الثقافة التربوية.

تاريخ النشر : 1444/03/22 (06:10 صباحاً).

من أحدث المقالات المضافة في القسم.

◂يلتزم منتدى منهل الثقافة التربوية بحفظ حقوق الملكية الفكرية للجهات والأفراد وفق نظام حماية حقوق المؤلف بالمملكة العربية السعودية ولائحته التنفيذية. ونأمل ممن لديه ملاحظة على أي مادة في المنتدى تخالف نظام حقوق الملكية الفكرية مراسلتنا بالنقر على الرابط التالي ◂◂◂ ﴿هنا﴾.