■ في ختام الشهر الكريم تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال .. وكل عام وأنتم بخير.

خصائص الفترة التاريخية التي حكم فيها الخلفاء الراشدون

د. حسن بومليك
1442/09/21 (10:05 مساءً)
1111 قراءة
د. حسن بومليك.

عدد المشاركات : «2».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
خصائص الفترة التاريخية التي حكم فيها الخلفاء الراشدون.
◗إن عصر الخلافة امتداد لعصر السيرة النبوية، بينهما حبل سري تنهل منه الخلافة الراشدة من القيم الإسلامية لتنعكس على النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتؤثر في طريقة الحكم، وعلاقة الراعي بالرعية، من حيث إنفاذ أحكام الشريعة والحفاظ على لحمة الأمة، وعدم الزيغ عن المحجة البيضاء.
تولى الحكم نخبة ألمعية من الصحابة المقربين من الرسول الكريم المشهود لهم بالسبق، المعدلون من رب العزة، المبشرون بالجنة.
لم يكن الحكم في عهد الراشدين المهديين بأمر من الله أو وصية من رسوله، بل تم اختيارهم ومبايعتهم من طرف الناس، فطبقوا المبدأ الإسلامي في تداول الحكم وهو الشورى مصداقا لقوله تعالى وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ ( الشورى : 38)، وهذا ما انطبع على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم.
إن أهم السمات التي طبعت عصر الخلافة هو تطبيق التعاليم الإلهية والحفاظ على المعين الصافي من الدنس ورفع راية الإسلام خفاقة في الافاق.
كما اتسم أيضا بتنظيم الإدارة والجيش والعطاء واتساع رقعة الدولة الإسلامية في كل الاتجاهات بواسطة الفتوحات الإسلامية، فكانت الغلبة الحضارية واللغوية بارزة للعيان حين يمم الناس وجوههم شطر الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكا مما انعس إيجابا على الحياة في أبعادها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بواسطة حسن الأخلاق وليس بصليل السيوف.
بين هذا وذاك، تخللت المشهد السياسي في زمن الخلافة تصدعات كان لها أثر سلبي في تداولية الحكم الراشدي، أودت بحياة عثمان بن عفان رضي الله عنه وعصفت بحكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان معول الفتنة هادما لصرح الخلافة التي انتهت باستشهاد ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وآخر الخلفاء الراشدين.

■ خلافة أبي بكر الصديق :
بعد وفاة النبي الكريم ترك أمر الخلافة بين أصحابه ولم يرد فيه أمر إلهي ولا نبوي، إذ المتأمل في الطبيعة التركيبة للقبائل العربية يدرك بالأساس صعوبة تعيين الخليفة لأن كل القبائل والبطون ترنو إلى أن يكون زمام الحكم بيدها، وهذا ما يفسر تعجل الأنصار لاختيار خليفة رسول الله في سقيفة بني ساعدة حفاظا على مصالحهم وذودا عن حياض العاصمة الإسلامية ودرءا لكل انتقام مشبوه، في الوقت الذي انشغل المهاجرين بتجهيز جثمان النبي.
وهنا نذكر موقف أبي بكر من الاجتماع الذي أظهر تفتقا ذهنيا حين أقنع المجتمعين بضرورة أن يكون الخليفة من المهاجرين القريشين، وهذا ما أفضى إليه الاجتماع برضى تام من الطرفين، حفظا للأمة من التشتت.
بويع صاحبِ النبيّ في الغار، وأوّل من صدق برسالته ولزم معه الصدق ، وصديقهُ في كلّ الأمور، وهوَ أبو بكر المُلقّب بالصدّيق عليهِ رضوانُ الله، شهد له بالصحبة رب العزة حين قال: ( ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ ) (التوبة 40 ) ، وكانَ هذا الأمر في السنة الحادية عشرة للهجرة. تميز رضوان الله عليه برباطة الجأش والقدرة على التواصل، قوي الشكيمة، ثاقب الذهن، فكان من خطباء الصحابة. ومما يدل على رجحان عقله لما خرج إلى الناس مخاطبا إياهم معلنا وفاة الرسول ، في حين نزل الخبر على باقي الصحابة كالصاعقة فمنهم من دهش و خولط ومنهم من لم يتقبل كالفاروق عمر بن الخطاب. أنفق رضي الله عنه كل ماله في سبيل الله وأسلم بين يديه كثير من الصحابة كعثمان بن عفان.
وقد واجهَ الصدّيق رضيَ الله عنه أزمةً عظيمة بعد أن تولّى خلافةَ الأمّة، تركّزت في ردّة بعض قبائل العرب عن الإسلام وذلك بعدَ وفاة النبيّ عليهِ الصلاة والسلام، فشنَّ عليهِم حُروباً ضارية أقامَ فيها حُكمَ الله فيهِم وردّ شاردهِم عن نارِ الكُفر وقضى على باغيهم ودُعاة الفتنة بينهُم. استمرّت خلافةُ أبي بكر الصدّيق رضيَ الله عنه قرابة العامين؛ وهيَ الفترة من ربيع أوّل للسنة الحادية عشرة للهجرة وحتّى جُمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة للهجرة.
• مميزات عهده :
إنفاذ بعث أسامة بن زيد: كانَ رسولُ الله صلّى الله عليهِ وسلّم قد جهّزَ جيشاً لغزوِ الروم بالبلقاء وفلسطين، وفي هذا الجيش كِبار المُهاجرينَ والأنصار، وقد تجهّزَ هذا الجيش قبل أن تكونَ وفاةُ النبيّ عليهِ الصلاة والسلام بيومين، وجعلَ أسامةَ بن زيد قائداً على الجيش، وأمرَ الجيش بالسمع والطاعة له، وعندما تُوفيّ عليهِ الصلاةُ والسلام، توقّفَ هذا الجيش فلمّا كانَ اليومُ الثالث بعدَ وفاتهِ عليهِ الصلاةُ والسلام أمرَ أبو بكرٍ الصديق بتحريك هذا الجيش وانفاذ البعث كما وصّى بذلكَ النبيّ عليهِ الصلاةُ والسلام على الرغم من مُعارضة البعض لحماية المدينة من هُجوم الأعراب والمُرتدين وأصحاب الغدر والانقلاب.
• حُروب الردّة : شهدت الجزيرة العربيّة بعدَ وفاةِ النبيّ عليهِ الصلاةُ والسلام ردّةً في بعض القبائل قادَها رموز الكُفر والضلال على رأسِهم مُسيلمة الكذّاب في اليمامة والذي ادّعى النبوّة، وكذلكَ الأسود العُنسيّ الذي ظهَرَ أمرهُ في اليمن، وكانَ من ضمن من ارتدَّ ولهُ أتباعٌ في الجُرم امرأةٌ تُدعى سجاح وهي من قبيلة بني تميم ظهرَ أمرُها في الجزيرة.
• جمع القُرآن الكريم : كانَ الجمع الأوّل للقُرآن الكريم على عهدِ أبي بكر الصدّيق وذلكَ حين كثُرَ قتلى الحُفّاظ للقُرآن فكانَ الجمع للقُرآن الكريم وذلك بعدَ مشورة عُمر رضيَ الله عنه لأبي بكرٍ الصديق في ذلكَ الأمر.

■ خلافة عمر بن الخطاب :
لما استشعر أبو بكر الصديق بدنو أجله جمع كبار الصحابة يستشيرهم فيمن يخلفه فاستقر الأمر على عمر بن الخطاب بترشيح من أبي بكر الصديق الذي عهد له بالخلافة.
عمر بن الخطاب العابد الزاهد، وافقه القرآن في كثير من الآراء كآية الحجاب. قال فيه الرسول الكريم (اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ) أخرجه الترمذي (3681)، وأحمد (5696).
قوي البنية، ذو مهابة لا تخطئها العين، بليغ اللسان، سديد الرأي . بايعه الناس بعد مشورة كبار الصحابة وباقتراح من أبي بكر الصديق.
عرف في خلافته بحسن التدبير والتنظيم وإقامة العدل وإعطاء لكل ذي حق حقه
توسعت الدولة في عهده وفتح القدس، و بلاد الفُرس حيث كانت معركة القادسيّة الحاسمة، ثم اتخذ الدواوين ومنع حد الحرابة في عام المجاعة.
قتل مغدورا وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر في ذي الحجة 23 للهجرة على يد أبي لؤلوة المجوسيّ وقد أمضى عشر سنوات في الحكم انتشر فيها العدل وعلا فيها الحق وزهق الباطل.

■ خلافة عثمان بن عفان :
عرف بالحياء الشديد والتواضع والعفة والكرم والسخاء، أنفق ماله في سبيل الدعوة الإسلامية. لقب بذي النورين لزواجه من ابنة رسول الله رقية وبعد وفاتها تزوج من أختها أم كلثوم.
تولى الخلافة بعد مشورة أهل الحل والعقد من مجلس الشورى الذي أسسه عمر بن الخطاب قبيل وفاته، مكون من ستة شخصيات من كبار لها وزنها في المجتمع اليثربي، بالإضافة إلى ابنه عبد الله بن عمر لإبداء المشورة وليس له حق الترشيح. هذا المجلس ابتغى منه الفاروق تداول الحكم بشكل انتخابي تشاوري بعيد عن توريث الحكم.
أنجز عثمان بن عفان في خلافته الجمع الثاني للقران الكريم خوفا من اللحن والضياع، وتوحيد الناس على حرف واحد، كما أتم توسعة الحرمين وازدادت الرقعة الإسلامية غربا وشمالا مما أغدق على الدولة الإسلامية موارد كثيرة فتوسع عثمان في العطاء وتوسع الناس في الانفاق.
أخذ عليه البعض أنه كان يولي أقربائه المناصب، فتكالبت عليه بعض الأمصار فحاصروه في بيته وقتلوه وهو شيخ في الثمانين من عمره، كان ذلك في 32 للهجرة مما أدى إلى وقوع سلسلة من الفتن فككت الوحدة الإسلامية.

■ خلافة علي بن أبي طالب :
إبن عم الرسول الكريم، أسلم صغيرا عرف بالشهامة والخطابة والبلاغة والبراعة في القضاء مع القدرة على التأثير والإقناع. كما كان غازيا وداعيا إلى الله، شهد المشاهد مع النبي الكريم.
اشتهر عنه أنه لم يبايع أبا بكرا إلا بعد مرور ستة أشهر احتجاجا على عدم إشراكه في مشورة سقيفة بني ساعدة. وافق عمر في إتخاذ التأريخ الهجري ووافق عثمان في جمع الناس على قراءة واحدة. أشتهر عهده بالفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان تولى الخلافة في ظروف عصيبة وإن لم يكن راضيا بها ولا مقبلا عليها، بايعه الناس علنا بعد إلحاح منهم إلا طلحة والزبير بايعوه مكرهين لأن الخلافة لم تعقد بشأنها مشاورة.
عرف عنه رضي الله عنه رجاحة العقل، وبعد النظر. انشغل بحروب المعارضين في معارك حامية كصفين والجمل والنهراوين. نتيجة ظُهور أصحاب الفتنة في المدينة والذين قاموا بتوجيه الرأي العام في المدينة المنوّرة باتجاه القصاص من قتلة عُثمان رضيَ الله عنه، وهيَ كلمةُ حقّ يُرادُ بها الباطل، كانت سبباً في انشقاق صُفوف المُسلمين بينَ مؤيّد لهذا الرأي ومؤيّد لرأي أمير المؤمنين عليّ رضيَ الله عنه في التريّث حتّى تهدأ الأوضاع وينتقم من القتلة.
قتل غدرا في فجر يوم 21 رمضان سنة 40 للهجرة عن عمر 58 سنة. لتكونَ الخلافةُ من بعده لابنه الحسن الذي أتمَّ اللهُ بهِ الخلافةَ الراشدة لتكونَ ثلاثينَ سنةٍ كما أخبرَ بها نبيّنا صلّى الله عليهِ وسلّم في الحديث : قال الامام احمد( 220/5 ) حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك). أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره.
وقد تنازلَ الحسنُ بن عليّ رضيَ الله عنهُ بالخلافة لمُعاوية بن ابي سُفيان رضيَ الله عنه ليُجمِعَ المُسلمين على أمرٍ واحد فلا يختلفوا ولا يتنازعوا؛ حيث كانَ هذا العام الذي تنازلَ بهِ الحسن بن عليّ رضيَ الله عنه يُعرف بعام الجماعة.

■ أهم أحداث عهد الخلافة.
• الإدارة والقضاء :
بعد استقرار الدولة الإسلامية واتساع رقعتها الجغرافية كانت الحاجة ماسة إلى تنظيم إداري يبقي على مصالح الأمة ويكفل حقوق الرعية. وهذا ما أرساه الرسول الكريم وسار على دربه الخلفاء الراشدين في مأسسة الدولة كنظام سياسي يشمل النظم السياسية والإدارة المحلية والمركزية والوظائف الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في العهد العمري الذي تفتحت في الدولة على أطراف واسعة شملت بلدان أعجمية كبيرة كبيت المقدس وأذربيجان...
معايير اختيار من يصلح للولاية في عصر الخلفاء هي الشجاعة والحنكة والعدل والعلم و الورع في الدين، وإيثار مصالح الناس على المصلحة الذاتية. وتقاس مدة استمرار الولي وبقائه في الحكم بمدى تفانيه في العمل. ومن الأعمال المنوطة بهم مثل: حفر الآبار، وتوسعة الأسواق، وتشيد المساجد، وتنظيم الخراج، والذود عن حياض الأمة وتنظيم الدواوين في عهد عمر وتأسيس بيت مال المسلمين.
كل ذلك تحث مجهر المراقبة الشديدة للخلفاء فحصا وتدقيقا ومحاسبة. غاياتهم تطبيق الشريعة الإسلامية ونشر القيم السمحة.
القضاء كان له نصيب هام من اهتمام الخلفاء الراشدين، فتارة يقضون في أمور الناس وتارة ينتدبون الولاة لتعيين من يقومون بمهام القضاء. وكان علي بن أبي طالب يتولى القضاء بنفسه. كما سوى الرعاة أنفسهم مع الرعية في التقاضي.
• الاقتصاد :
الجزية : مشروعة في كتاب الله، وقد أخذها الرسول الكريم ، وأخذها أبي بكر، وهي جزء من المال يؤخذ من أهل الكتاب كاليهود والنصارى الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية، وكذلك فعل الفاروق العادل الذي أعفى منها الرجال الغير قادرين عليها، وعرفت عوائد الجزية والخراج معا في عهد عثمان ارتفاعا كبيرا نظرا لاتساع جغرافية الدولة الاسلامية فضمت أمصارا أخرى، مما انعكس إيجابا على حياة الناس.
الخراج والغنائم والزكاة: الخراج نوع من الضريبة تدفع على الأرض وتدفع سنويا بمقدار معين من المحصولات، أما الغنائم فهي ما يحصل عليه المسلمون أثناء الحروب العسكرية وبزيادة الفتوحات زادت الموارد على الدولة خاصة في العهد العمري وعثمان بن عفان. أما الزكاة فقد قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة والمرتدين حتى أعادهم إلى جادة الصواب، وتداولت رؤوس أموال في عصر الخلفاء خاصة بعد الفتوحات الإسلامية ونشطت بيوت أموال المسلمين ووظفت في مصالح العامة كالنفقة على الجيوش ورواتب الموظفين والعمال فيما يسمى بالعطاء.

■ وصفوة القول : إن عصر الخلافة الراشدة قد بصم في صفحات التاريخ الإسلامي ببصمات من ذهب أبطاله أصحاب رسول الله الذين شهدوا معه المشاهد ونهلوا من معينه الصافي. أدوا الأمانة وبلغوا سنة النبي.
أزرار التواصل الاجتماعي

ــ أحدث المواد المضافة (للقسم) :