نظرات وأسرار من سورة قريش

د. أحمد محمد أبو عوض
1442/05/01 (06:01 صباحاً)
1075 مشاهدة
د. أحمد محمد أبو عوض.

عدد المشاركات : «603».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نظرات وأسرار من سورة قريش.
■ ومن خلال تدبر قراءة سورة قريش، فنظرت أنا شخصيا، أن بها أسرارا بمراعاة حالة الطقس بكل من اليمن ومكة المكرمة وبلاد الشام. من حيث الحالة الجغرافية والفلكية.
حيث أنه يكون العمل صعبا بالشتاء نظرا لبرودة الجو او حرارة الجو بمنطقة عن أخرى مما يؤدي إلى صعوبة العمل ثم تأمين لقمة العيش ونفقات العائلة والبيت جميعا، خاصة الأطفال الصغار، الذين تكون كل المؤونة وطعامهم على مسؤولية الأب فقط.
فكانت قوافل قريش عامة وأهل مكة المكرمة خاصة يذهبون جنوبا إلى اليمن لأنه قريب منهم بالمسافة لرحلات السفر خلال السير بتهامة وهي ساحل البحر الأحمر الشرقي، أي أن شمال وغرب اليمن يكون به الطقس والحالة الجوية مثل بلاد الحجاز وعاصمة الحجاز هي مكة المكرمة في الجزيرة العربية لان بها بيت الله الحرام والكعبة المشرفة، الذي يحج إليها كل العرب بالجاهلية والإسلام منذ أن رفع أعمدة البناء سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل أيضا عليه السلام، بأمر الله تعالى.
بل إن بنفس بناء الكعبة المشرفة ركن يسمى الركن اليماني بجهة الجنوب ومن السُّنَّة الشَّريفة أن يشير إليه الحاج أو المعتمر إشارةً بيده ومنه يبدأ دعاء : (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) حتى يصل إلى لمس وتقبيل الحجر الأسود بالجهة الشرقية من الكعبة المشرفة. إن أمكنه ذلك بدون زحام أو ضرر الطائفين الآخرين، بل يكفي الإشارة للحجر الأسود ولو من بعيد على شرط أن يكون محاذيا له بنفس الزاوية وقبل الدخول إلى منطقة الملتزَم (وهي نحو مسافة ٣متر فقط عن باب الكعبة المشرفة نفسها) وان لا يصعد الطائف على (الشاذروان) وهو البلاط المائل بأسفل جدار الكعبة المشرفة وان لا يطوف داخل حِجْر إسماعيل عليه السلام، وهو نصف دائرة يعد من داخل بناء الكعبة المشرفة يقع في جهة شمال وغرب نفس البناء الشريف.
ويقال حديثا إن بهذا الركن اليماني باب سري مخفي إلى أسفل الكعبة المشرفة. والله اعلم.
وكان الهم الأكبر لهم (قبيلة قريش خاصة) هو الأمان من الجوع بتلك الظروف الاقتصادية بذلك الزمان لأنهم أصلا بوادٍ غير ذي زرع، وقد آمنهم الله تعالى من الخوف والجوع حتى اليوم، وكان هذا منًّا وفضلا من الله عليهم لأن بمكة المكرمة بيته الحرام والكعبة المشرفة، بذلك فقد أعطاهم المهابة والفخر على جميع أهل الأرض وخاصة القبائل العربية بكل الجزيرة العربية، بل وقد آمنهم من خوف وتهديد أية قبيلة لهم خلال السفر جنوبا إلى اليمن بالشتاء أو شمالا إلى بلاد الشام لجلب الفواكه من هناك، وخاصة إن المسافة بعيدة عن مكة المكرمة وكانت تستغرق الرحلة الواحدة نحو شهر كامل.
بل إن أهل الكشف وعلماء الصوفية وجدوا من الأسرار الروحية بسورة قريش بركة عظيمة اذا تم قراءة هذه السورة (قريش خاصة) على أي طعام إذا تم أخذ أي طعام من القدر أو الوعاء شيئ منه ثم تم غطاؤه فورا، فإنه يلاحظ أنه لا ينقص ويكفي جميع أهل البيت جميعا. قياسا على أداء الزكاة من المال فإن الله يبارك به مستقبلا، فقد اقسم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين انه قال بمعنى الحديث الشريف : (ما نقصت صدقة من مال، وما تواضع احد لله إلا رفعه الله تعالى وزاده عزة ومهابة).
وذلك إن الزكاة تنمي وتزيد مال كل من يتصدق بالنصاب المقرر بالسُّنة الشريفة أي ربع العشر أي ما نسبته (2.5٪) ونحن نلاحظ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين بذلك في بركة الزراعة خاصة، والأغنام والبقر والإبل. حيث أن الغنم تحمل كل ٦ شهور بحمد الله تعالى وبركة أداء الزكاة من أصحابها كل عام. وظهور تلك البركة بالربح الكبير والوافر فعلا عدم مرض أصحاب الزكاة بالنية الصادقة من داخل قلوبهم تجاه الله تعالى. فان الله تعالى يُخلفه.
فهنا أن الله تعالى يكشف لهم الفضل والكرم والمن والمنية على قريش لكي يؤمنوا به كما أمرهم ابنهم وأخوهم وابن عشيرتهم وقبيلتهم سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين. فهم كمن ينكر معروف غيره فعلا. فإن الله تعالى قد اكرمهم بالحماية والأمن والأمان بعد أن أصبحت طرق التجارة لهم آمنة لإحضار الطعام الفاخر من اليمن بالشتاء، وأيضا الفواكه اللذيذة الطبيعية صيفا من بلاد الشام. مدى الحياة حتى الآن.
ولا ننس أبدا أن الأردن وفلسطين هما همزة الوصل بالطريق ما بين الحجاز والجزيرة العربية عامة وبلاد الشام خاصة.

■ وإليك أخي الكريم (رعاك الله تعالى) تفسير موجز لهذه السورة الكريمة، وذلك برواية حفص عن عاصم المشهورة بمعظم دول العالم العربي والإسلامي. حيث أن هناك قراءات أخرى بالكلمة الأولى فقط مثل ابن عامر وأبو جعفر وأيضا بإملاء نفس الكلمة عند أبي جعفر عن الآخرين حيث أنه ورد كما يلي (إِلافهم) وكما لاحظ أيضا (ورش) بسكون الياء (من كتاب القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة / الشيخ محمد كريم راجح).
● قال الله تعالى : {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ • إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} :
والإيلاف بمعنى الجمع والضَّم، ويراد به التجارة التي كانوا يقومون بها مرَّةً في الشتاء، ومرَّةً في الصيف، أما في الشتاء فيتَّجهون نحو اليمن للمحصولات الزراعية فيه، ولأن الجوَّ مناسب، وأما في الصيف فيتَّجهون إلى الشام، لأن غالب تجارة الفواكه وغيرها تكون في هذا الوقت في الصيف مع مناسبة الجوِّ البارد، فهي نعمة من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين ؛ لأنه يحصل منها فوائد كثيرة ومكاسب كبيرة من هذه التجارة، نظرا لفارق السعر بين رأسمال البضاعة وسعر بيعها.

● أمرهم الله أن يعبدوا ربَّ هذا البيت؛ قال {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} شكراً على هذه النعمة، والفاء هذه إما أن تكون فاء السَّببية، أي : فبسبب هاتين الرحلتين ليعبدوا ربَّ هذا البيت، أو أن تكون فاء التفريع، وأيًّا كان فهي مبنيَّة على ما سبق، أي فبهذه النعم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.
والعبادة هي التذلل لله عز وجل محبَّةً وتعظيماً، أن يتعبَّد الإنسان لله يتذلل له بالسمع والطاعة فإذا بلغه عن الله ورسوله أمر قال : سمعنا وأطعنا. وإذا بلغه خبرٌ قال : سمِعنا وآمنَّا. على وجه المحبة والتعظيم ؛ فبالمحبَّة يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفاً من هذا العظيم عز وجل، هذا معنى من معاني العبادة وتطلق العبادة على نفس المُتَعبَّد به، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذا المعنى فقال : (إن العبادة اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة).
●وقوله {رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} يعني به الكعبة المعظمة.

● {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} :
بيَّن الله نعمته عليهم، النعمة الظاهرة والباطنة، فإطعامهم من الجوع وقاية من الهلاك في أمر باطن، وهو الطَّعام الذي يأكلونه، {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} وقاية من الخوف في الأمر الظاهر ؛ لأن الخوف ظاهر، إذا كانت البلاد محوطةً بالعدوِّ، وخاف أهلها وامتنعوا عن الخروج، وبقوا في ملاجئهم، فذكرهم الله بهذه النعمة
{وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} آمن مكان في الأرض هو مكَّة، ولذلك لا يقطع شجرها، ولا يحش حشيشها، ولا تلتقط ساقطتها، ولا يصاد صيدها، ولا يسفك فيها دمٌ، وهذه خصائص لا توجد في البلاد الأخرى حتى المدينة محرمة ولها حرَمٌ لكن حرمها دون حرم مكة بكثير، حرم مكة لا يمكن أن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأتها ولا مرة إلا محرماً، والمدينة ليست كذلك، حرم مكة يحرم حشيشه وشجره مطلقاً وأما حرم المدينة فرُخِّص في بعض شجره للحرث ونحوه، صيد مكَّة حرامٌ وفيه الجزاء، وصيد المدينة ليس فيه الجزاء، فأعظم مكان آمن هو مكة، حتى الأشجار آمنة فيه وحتى الصيد آمن فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّر على عباده لكان حَتَّى البهائم التي ليست صيدا تُحرَّم، لكن الله تعالى رَحِم العباد وأذِن لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان ويقول ابن عباس في تفسيره : آمنهم من خوف العدو يدخل عليهم أو من خوف النجاشي ملك الحبشة. وأيضا امنهم من خوف جوع سبع سنين متوالية.
■ منتقى من تفسير جزء عم. (بتصرف خاص) ــ للشيخ العثيمين ــ رحمه الله تعالى.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :