فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ● وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ

الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين

د. محمد الصفى بن عبدالقادر.
1914 مشاهدة
الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين ــ عندما تخلد الريشة والألوان حكايا الزمن.
يعتبر من أبرز وجوه الحداثة الفنية المغربية على مستوى التشكيل، ومن المجددين، صاحب مسيرة طويلة وغزيرة ومتنوعة في الإنتاج، يبدو من خلال أعماله وكأنه يعيد الزمن إلى الوراء، لمعانقة لحظة الانبهار وحب الاستطلاع الأولى كما الطفل في اكتشافه الدؤوب لمحيطه، فالتشكيل أو الرسم لديه هو ذلك الإنصات الهادئ لصوت الزمكان وشخوصه، حيث تجاوز تعلماته ومكتسباته الأكاديمية، إنه الفنان التشكيلي المغربي أحمد الأمين من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1966، خريج مدرسة الفنون التشكيلية بالدار البيضاء فوج 1988 لينخرط في سلك التعليم كأستاذ للمادة بالبيضاء ثم منها لمراكش الحمراء وأخيرا بمدينة آزمور حيث كان الاستقرار، هذه المدينة التي يقول عنها، أنها كانت منبع وفيض إلهام وتفريغ للمكنونات الداخلية ومجال خصب للإبداع لعدد من المهووسين بالرسم والتشكيل خاصة وبباقي الفنون عامة، لما تمتاز به من جمالية الطبيعة وبساطة الحياة الاجتماعية، فنان يحيى داخل الإبداع ويمارسه بلذة وشغف، استعذب ممارسة الفن التشكيلي، فخلق لنفسه أسلوباً خاصا به، تميز به على الساحة التشكيلية على المستوى الوطني أو العربي أو الدُّوَليّ من خلال مجموعة المعارض الفردية والجماعية انطلاقا من سنة 1987 بالدار البيضاء، حيث عرض بكل من الرباط، الجديدة، آزمور، فاس، تملالت، سطات، المحمدية، طنجة، أكادير، مراكش، وجدة، أصيلا، تطوان .. وبعدد من مدن كل من فرنسا وهولندا والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وقطر وتونس والجزائر. كما نجده ضمن بعض المؤلفات والموسوعات التي تعنى بالفن التشكيلي على المستويين الوطني والعالمي كإسم من بين أشهر الفنانين التشكيليين المتميزين.
أحمد الأمين فنان استطاع توظيف ذاكرته الاستيعابية بشكل فريد من خلال أعمال تحمل مشاهد يمتزج فيها الاحتكاك الثقافي بين ما هو تقليدي وما هو معاصر وفق تفاصيل تم توظيفها بذكاء بالغ سواء على مستوى التوزيع والتدرج اللوني والضوئي على مستوى الحياكة الفنية بهوية فنية رائعة، وحين تجالسه بمحرابه (مرسمه) المطل على نهر أم الربيع تدرك أنك في حضرة مبدع مهووس بالرسم والتشكيل إلى أبعد حد، كل حديثه يتمحور حول الفن ومدارسه وكيفية الاشتغال والمشاريع المستقبلية وطرق استخدام المواد وتوظيفها، عالم فريد حقا، وهو ما أدى به لابتداع لغة ألوان خاصة به، تليق بهذا الزمن، يحيي من خلالها تلك اللحظات التي تصعب قراءتها من زاوية واحدة، وفق حرفية في التوزيع والدقة في اختيار الألوان والظلال، والدلالات المكملة لها، أشكال تلوينية تعبق بلون التربة تشي بجو مفعم بالانسجام القوي ليشتد التقابل بينها، فتصيب بصيرة المتلقي قبل بصره وكأنها نوتات عذبة تنساب من شلال وفق متوالية ساحرة. فهي تبدو كإشراقات تشكيلية ثقافية يمكن لأي متلق أن يجد فيها نفسه، وأجوبة لأسئلته العالقة، كما يستطيع عبرها من الغوص في لجة الحياة المغربية، ومعايشة وقائعها وشخوصها، وتذوق جماليتها القائمة على تناسق الألوان والظل والضوء، تقول عنه لصحفية والناقدة الفرنسية FLORENCE COOK "أحمد الأمين فنان يحب الحياة حد النهم، لذلك اختارته مدينة أزمور أو اختارها فليس هناك مدينة تشبهها، بألوانها وهدوء حياتها وهذا ما يفسر طاقة الحب في حكاياته التشكيلية، فهو لا يتغذى فقط على ما تقدمه له طبيعتها المحببة، خصوصا أسماك السردين المفضلة لديه، بل تغدي لغته البصرية وأحاسيسه".
لقد تمكن أحمد الأمين من خلال ما راكمه طيلة سنوات اشتغاله كأستاذ للمادة أو كفنان بصم بصمته في الساحة التشكيلية ضمن ألمع التشكيليين بشهادة نقاد ومهتمين، أن يخلق لنفسه مدرسة خاصة به بعيدا عن الواقعية أو الانطباعية أو حتى التجريدية كمفهوم حداثي، مدرسة أعاد بها صياغة عناصر اشتغاله ليصل بها إلى حالة البساطة اللامتناهية التي ترتكز على المنجز الإيجازي في اللوحة شكلا ولونا، بعد تجربة التركيبات الهندسية المعمارية التي اشتغل فيها على دروب وأزقة ومباني مدينة مراكش التي استلهمته بألوانها وضوءها وظلها "فضاء مراكش 1996"، وهو ما نستشفه في أعماله التي أطلق عليها مرحلة "الأزمنة الزرقاء" التي تزامنت مع ثورة الفضاء الأزرق - الإنترنيت- حيث اشتغل على اللون الأزرق كلون لولوبي يتناغم مع اللون الأبيض حينا وأخرى مع الرمادي; وفق طبقات، تعكس دلالات عميقة تبعث عن الأمل والحياة والاستقرار، لتليها مرحلة "المقهى" والذي كان على هيئة مكان "المقهى" يتخلله شخوص غير مكشوفة الوجوه، مع ظاهرة كثافة الموسوم في أعلى اللوحة وحشد الفراغ في الأسفل، كمن يختلس النظر أو الاستماع عن بعد، وهو ما عبر عنه الناقد والفنان التشكيلي بنيونس عميروش وهو يتحدث عن أعمال أحمد الأمين: "عند الأمين، يستعير الموضوع المشخص تكوينه من التركيبات التجريدية المعاصرة، لذلك يمسي التجمع، تجمع الشخوص، تجمع الأشكال والألوان، تجمع اللمسات القوية الموجهة، تجمع الكل في أعلى اللوحة، المكان الموسوم بحدة الكثافة في مقابل المكان الخالي من تناسل العناصر، المفروش باللون الواحد في اتجاه أسفل اللوحة، مما يؤسس تقابل المملوء والفارغ، ويؤلف تجابه الحركة والسكون. كأن الحشد لا يصر على كشف ديناميته وحرارته وتداخله إلا عبر قمة فضاء اللوحة، ولا يمتلك إلى أن يدوب وينحجب تحت عباءته في اتجاه المنحدر، يتلاشى على مستوى البصر إلى أن يغيب كليا، ليمارس التفرقة من داخل أجواء الفراغ، وهدوء السكينة، تعلن الشخوص سردها السري المترجم لتوقها إلى الانصراف بعيدا، إلى حيث التحرر من ضيق المكان، لتخترق إطار اللوحة.. في هذا الحذف إذن، في هذا الاقتصاد الشكلي واللوني الذي يخدم مبدأ البساطة، تنتزع أعمال الأمين صبغتها الاختزالية والإقلالية (minimaliste). عبر هؤلاء الرواة الهلاميين، ينتظم الرشم والتداخل والتنضيد (supperposition) والتكوين، وعبر الحركية الجمعية يترجم الفنان أحمد الأمين لغته المترعة بخيال البساطة وبساطة الخيال" هذه الاختزالية استمرت مع أحمد الأمين في مراحل أخرى كالمرحلة الصوفية الثانية التي ركز فيها على بعض الجوانب جعلت الصورة أقرب تبدو من خلالها تقاطعات للخطوط، باصمة في نفس الوقت دلالات عميقة تتطلب الجهد في التأويل، فكما أن المتصوف يخفي الحقائق المتوصل إليها وراء رموز ولا يعرضها إلا دفعة دفعة، يبقى حال لوحات أحمد الأمين باعتمادها لكثير من إشارات التصوف المعبرة والصادقة من خلال اللون والشكل وضربة الفرشاة، لوحات تبرز النضوج الفكري والقيمة الروحية التي استمدها الفنان منذ الصغر من حلقات الذكر و "الفقرا" التي كان يتتبعها دون أن يعرف أغراضها ولا فحواها، حيث تشكل وجدان الفنان منذ الصغر، فعبر بمصداقية المعتز بتراثه ومخزونه الثقافي، فنطقت اللوحات بمضمونها وسبر أغوارها. وفي مغامرة نوعية أخرى انتقل بنا أحمد الأمين تجربة تشكيلية جديدة انطلاقا مما اختزلته وسجلته عدسته البصرية "حكايات العشق" موظفا مساحات لونية ساخنة ذات لمسة شاعرية تتداخل فيها حركية أجساد غير مرئية وتموجات ألوان موحية بالبهجة والفرح والعشق، وهو ما جعل الناقد التشكيلي إبراهيم الحـيسن يقول حول تجربته هذه التي تم عرضها بمدينة الرباط 2009" من الوجهة التقنية، يستعمل الفنان صبغة الأكريليك والرصاص والقطران والزيت كتقنيات تلوين متجاورة- Techniques voisines تنصهر داخل أسناد ولوحات ذات مقاسات صغيرة ومتوسطة.. وتختزل في تحولاتها البصرية جماع مهارة تلوينية عالية. ولفرط صدقه في التعبير، يلجأ الفنان إلى إنجاز عشرات التخطيطات والإسكيزات التي تسبق الإنجاز النهائي للوحة. لذلك، تظل لوحاته تتحدث بألوان متناسلة ومساحات مطلية تنطق بأبجديات خطاب العشق والغرام".
فالفنان أحمد الأمين كثير الاشتغال والاعتكاف في مرسمه المطل على نهر أم الربيع والحقول المنتشرة على ضفافه بشكل ملفت تشكيليا، حيث الهدوء والسكينة، وعند أي لحظة جفاف إبداعي والتي قد تمتد لأسابيع أو شهور، فتكون بمثابة إعلان عن مغامرة جديدة، قد تفرز موضوعا قد يكون امتداد لما سلف أو تجربة جديدة غير معتادة، وفق مواد وتقنيات جديدة، وهو ما أفرزته سنة 2015 من خلال مشاركته في معرض "وجوهيات" التي قدم خلالها وجوهاً مختلفة منها من له موقعه في الساحة الوطنية وآخرون لهم بصمتهم العالمية، مستخدما أسلوبا تعبيريا مزج فيه تقنية كولاج الصورة الفوتغرافية والمخطوط الكتابي مع ضربات لونية قليلة، هلامية تارة وضبابية في أخرى تبرز معه الوجوه بشكل مكشوف وتارة غير مكشوف، حيث تظهر الضربات اللونية السريعة والاختزال في التفاصيل على حساب المشهد العام للوحة الفنية فنرى ذلك الفيضان الضوئي المنبعث والذي يفرض على اللوحة تضاد لوني حاصل بين قيم داكنة تجاورها قيم ودرجات لونية فاتحة.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :