قصة : صانع الأحلام الطبيعية

د. طارق عبدالله البكري
1432/10/01 (06:01 صباحاً)
1233 مشاهدة
د. طارق عبدالله البكري.

عدد المشاركات : «5».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قصة : صانع الأحلام الطبيعية.
■ تعيش (ريم) في بيت واسع جميل تحيط به أشجار عالية من كل اتجاه، وحديقة جميلة مزروعة بالزهور والنباتات الخضراء المتنوعة، وفي زاوية منها ألعاب مسلية. في بيت ريم ألعاب متعددة الأشكال والأحجام، سيارات.. طائرات.. عرائس تمشي تلعب وتغني، أقراص حاسوب كثيرة فيها ما تشتهيه من الألعاب الإلكترونية.. وغير ذلك كثير كثير. ريم عمرها عشر سنين، تعيش مع أسرتها الصغيرة المكونة من أب وأم وثلاثة أخوة أكبر منها، ريم تعيش مع أسرتها سعيدة، تقضي معظم وقتها بعد المدرسة في البيت والحديقة، مدرسات ريم يحببنها لأنها متفوقة ومتميزة.

في يوم طلبت إحدى المدرسات من طالبات فصل ريم أن تتحدث كل واحدة منهن عن أحلامها، فرحت الصغيرات بذلك، وتسابقن لرواية أحلامهن. سعاد حلمت بأنها تحلق في الفضاء تركب السفن الفضائية وتطير بالهواء من نجمة إلى نجمة، نورا حلمت بأنها صارت أما وجدة وعندها بنات وأولاد وأحفاد، نسرين تحلم بالسفر والتنقل بين البلاد، قالت إنها زارت في منامها دولا كثيرة، وبعضها زارتها حقيقة، مثل مكة والمدينة والقاهرة، وتحلم أن تزور باريس لتشاهد ديزني لاند وبرج ايفل. منى تحلم أنها من أصحاب الملايين، تعيش في قصور وتملك سيارات لا حصر لها ولا عدد. ومضت الطالبات يتسابقن في الحديث حتى جاء دور ريم.

قالت المدرسة : نعم يا ريم، هيا لم يبق غيرك، أخبرينا بماذا تحلمين ؟ لم تتكلم ريم، احمر وجهها خجلا، قالت: لا أعلم. أنا في الحقيقة لا أعرف ما معنى أحلام؟ استغربت المدرسة: ماذا ؟ غير معقول، أنت تمزحين، جميع الطالبات صرن يضحكن بسخرية: عجيب، إنسان حي لا يحلم، غير معقول، ألا تعرفين ما هي الأحلام؟ قالت المدرسة ذلك بدهشة، وظلت زميلات ريم يضحكن طوال النهار.

عادت ريم إلى بيتها حزينة، رأتها أمها، أحسّت بحزنها، سألتها: ما بك يا حبيبتي؟ أخبرتها ريم بما حدث. أصاب الأم العجب، قالت: لا تقلقي يا حلوتي، مشكلتك بسيطة وسنجد لها حلا.

في عصر ذلك اليوم ذهبت ريم برفقة أمها إلى طبيب مشهور يدعى صانع الأحلام، روت ريم للطبيب قصتها، وبدت طوال الوقت حزينة. قال الطبيب مبسطا الأمر ومخففا الألم عن ريم: لا تحزني يا ابنتي، الأمر بسيط ويحدث كثيرا. قام الطبيب على الفور وأحضر أدوية عجيبة غريبة، صار يخلط بعضها مع بعض، هذه نقطة وتلك نقطتان وهاتيك ثلاث، وضع الطبيب الخلطة في أنبوب زجاجي شفاف وقال لريم: اسمعيني وانتبهي لما أقول، ضعي ثلاث نقاط في عينك اليمنى ونقطتين في عينك اليسرى قبل أن تنامي مباشرة ولا تفتحي عينيك حتى تستيقظي في الصباح، وغدا تعالي لتخبريني عن أحلامك، سوف تأتي الأحلام وتهجم عليك مثل خيول مسرعة. كان صانع الأحلام متأكدا من كلامه ومطمئنا لما يقول، فرحت ريم وأمها وعادتا إلى البيت سعيدتين بما حدث.

في صباح اليوم التالي رن هاتف صانع الأحلام، كانت ريم هي المتصلة، أخبرته أنها لم تحلم على الإطلاق ولم تشعر بأي تغيير، فكر الطبيب، هذه أول مرة لا ينفع الدواء، قال بعد تفكير: اسمعي يا ريم.. أضيفي نقطة أخرى لكل عين... وفي اليوم التالي، اتصلت ريم لأن العلاج لم يؤد إلى نتيجة.. قرر الطبيب تغيير خلطة الدواء.. ظن أن الدواء فيه خطأ.. كرر المحاولة وأعاد تصنيع الدواء من جديد وطلب من ريم الطلب نفسه لكن التجربة كانت فاشلة... أصيب الطبيب بإحباط شديد.. كيف؟ لا يمكن؟ جربت الدواء على نفسي ونجح.. جربته على كثير من الناس... يجب أن اكتشف السر.. يجب أن اكتشف السر..

ذهب الطبيب إلى بيت ريم، فاستقبلته أسرتها جميعا.. كلهم يريدون اكتشاف سر ريم.. طلب الطبيب صانع الأحلام من والد ريم أن يسمح له بدخول غرفتها.. والتجول في أنحاء المنزل، لأن هناك مشكلة يجب اكتشافها.. فتح الطبيب غرفة ريم.. وجد أجمل الأثاث.. وجد ثياباً رائعة باهظة الثمن.. وفي كل زاوية من غرفتها رأى لعباً متراكمة.. أحس الطبيب الذي يصنع الأحلام للناس بأنه عاجز عن صنع حلم جديد.. ريم لديها كل ما تريد.. تحصل على كل الأشياء الجميلة الرائعة حتى دون أن تطلبها.. دون أن تحلم بها.. فكر الطبيب.. ترى أين المشكلة؟؟؟ لا بد من مشكلة؟؟ فجأة قفز الطبيب صائحا: وجدتها.. وجدتها.. التف حوله الجميع.. بصوت واحد: ماذا.. ماذا.. ماذا وجدت؟ هز الطبيب رأسه ولم يتكلم.. ثم قال موجها كلامه لريم: غداً.. غداً... غداً أعود ومعي دواؤك الشافي بإذن الله... فرحت ريم.. فرحت أسرتها.. ولم تستطع ريم النوم تلك الليلة..

في صباح اليوم التالي عاد صانع الأحلام بوقت مبكر يحمل كيساً كبيراً كبيراً... ريم شعرت بالخيبة ما أن رأت الرجل.. ظنت أن الطبيب أحضر لها ألعاباٍ جديدة.. أنا لا أريد ألعاباٍ.. أريد أحلاماٍ..ضحك صانع الأحلام: أعلم ذلك.. لا تقلقي.. لم ينتظر الرجل لحظةً ليشرح.. كان شوق أسرة ريم أكبر من الانتظار... وضع الكيس عن ظهره.. فتح الكيس في بهو غرفة الاستقبال.. وأخرج منه كتباً جميلة رائعة مليئةً بالدهشة والروعة والأحلام.. كانت الكتب هذه من مكان بعيد يعيد.. كتب تتحدث مع بعضها.. وتتحدث مع الناس.. كتب تتكلم وتحاور وتفرح وتضحك وتبكي.. وتتألم. أصيبت ريم بالحزن... قالت متهكمة: كتب.. كتب.. كتب... يا لهذه المفاجئة.. ظننتك ستأتيني بدواء وأتيتني بما يصيبني بالملل.. قال لها: انتظري واختاري واحداً من الكتب.. حملت ريم أحدها.. سمعت الكتب تتكلم ترحب بها.. ترقص بين يديها... صاحت بدهشة: واو كتب تتكلم وتتحرك.. قال لها: بل أكثر من ذلك بكثير... سوف تكتشفين حقيقتها بنفسك.. صاحت ريم: أشكرك يا عمي العزيز... هذا فعلا ما أفتقد إليه.. وأحتاج.. أشكرك من قلبي.. قال لها مؤكدا كلامها: لديك كل الأشياء الجميلة الرائعة.. لكنك لا تملكين مكتبة مثل هذه المجموعة من الكتب.. إنها قصص رائعة.. اقرئي كل يوم قصة.. واحلمي كما تشائين وبما تشائين.. وخرج صانع الأحلام سعيداً باكتشافه.. متأكداً أنه اكتشف سر ريم وأنها ستحلم دون شك...

في اليوم التالي ذهبت ريم إلى مدرستها ركضاً.. بحثت عن مدرستها قبل دخولها الفصل.. قالت لها بفرح كبير ظاهر: آنستي.. آنستي.. أريد أن أخبرك عن حلم جميل رأيته ليلة أمس.. وصارت ريم تروي للمدرسة ولزميلاتها بالمدرسة عن أحلامها.. روت لهن أنها حلمت بأمير يعيش في مملكة بعيدة.. وكان أبوه الملك يعدّه لتولي العرش من بعده، يدربه على حمل السيف وقتل الناس وظلم الرعية بلا ذنب ولا سبب، لكن الأمير الصغير لم يكن راضيا عما يفعله أبوه، فقرر الهرب إلى مدينة بعيدة من مدن المملكة، وغير ملابسه وشكله وعاش بين الناس واحدا منهم.. وفي المدينة عمل الأمير الصغير عملاً بسيطاً مرهقاً.. همه خدمة الناس ورفض الظلم.. ولما رأى صاحب عمله الجديد إخلاصه ووفائه وصدقه وإيمانه، زوجه لابنته الوحيدة..وعاشا بسعادة وهناء.. وفي المقابل كان الملك حزينا على فقد ابنه لوحيد وعاش مهموماً كئيباً، وأصبح الرعب يلازمه لما فعل بالشعب من ظلم وتنكيل... لكن الأمير الصغير عندما علم بما جرى لوالده، عاد إليه يواسيه وينصحه بترك الظلم وان يعدل بين الناس. فاعتذر الأب من ابنه ومن الشعب وتنازل عن الملك لابنه الشاب الذي حكم بين الناس وكان الناس سعداء بحكمة العادل وعاش بينهم دون أن يشعرهم بأنه ملك عليهم... وراحت ريم تروي لصديقاتها ومدرستها كثيراً من القصص والأحلام.. وكان جميع من في الفصل مستغربات مندهشات.. لكنهن كن سعيدات بما ترويه لهن من حكايات رائعات يوما بعد يوم...

وفي أحد الأيام، جلست ريم في غرفتها بين تلال القصص الجميلة، وفيما كانت تقلب بينها وقع بصرها على كتاب كبير ضخم لم تلحظ وجوده من قبل.. قالت: ياه.. ما هذا الكتاب الكبير.. لم أره قبل الآن.. أزالت الكتب الصغيرة من فوقه.. حملت الكتاب.. كان ثقيلاً جداً.. أعادته إلى الأرض.. تأمّلت غلافه السميك الثقيل.. قرأت العنوان التالي بصوت مرتفع: (فراشة الغابة الغريبة) ثم قالت: تبدو قصة رائعة.. يا له من كتاب..

شعرت ريم برغبة شديدة في قراءة القصة.. لكن القصة طويلة طويلة.. وتحتاج إلى ساعات وساعات لقراءتها.. وموعد نومها اقترب.. نظرت ريم إلى الساعة.. الوقت تأخر.. قالت: لا بأس.. سأقرأ صفحات قليلة ثم أكملها غدا.. ومن يدري ربما عندما أنام أحلم بالفراشات والزهور.. وصارت ريم تضحك وتضحك... أمسكت ريم الغلاف الثقيل وبدأت ترفعه بصعوبة.. أحست بتيار هوائي شديد يمتصها إلى داخل الكتاب.. وقبل أن تفكر بالمقاومة اختفت ريم داخل الكتاب الضخم... وهدأت الغرفة تماماً...

لم تدرك ريم ما حدث.. كانت المفاجأة صدمة.. لم تكن تتوقع ذلك أبداً.. فتحت عينيها على ضوء قوي قوي.. نظرت حولها.. تأملت المكان، وجدت نفسها في بستان من الورود الجميلة.. والنباتات الرائعة من ألوان وأحجام مختلفة.. لاحظت ريم أن هذا البستان التي هي فيه الآن هو نفسه البستان الموجود على صفحة الغلاف.. فيما بدت الغابة العجيبة الغريبة ملاصقة للبستان.. قالت ريم: ما هذا الذي يحدث..غير معقول.. نظرت ريم حولها من جديد وتساءلت: ترى أين الفراشة؟؟ لا أراها الآن! ثم قالت: يا للعجب.. هل يعقل أنني الآن في قلب الكتاب.. ليتني أستطيع قراءة القصة لأعرف ماذا سيحدث لي الآن..

نظرت ريم تحتها.. وجدت نفسها فوق شيء ناعم.. رائحته طيبة.... ترى ما هذا الشيء؟؟ أرادت القيام لكنها لم تستطع.. اعتقدت أنها ربما تكون مكبلة.. لكنها أحست بخفة شديدة.. وبدأ المكان الذي وقعت فيه يهتز ويتراقص.. خافت ريم.. أصابها رعب شديد.. أرادت تحريك يديها والتمسك بطرف شيء ما لتتمكن من النهوض.. لكنها لم تستطع.. نظرت إلى يديها.. كانت المفاجأة الكبرى.. لقد تحولت ريم نفسها إلى فراشة الغابة الجميلة..

اكتشف ريم أنها أصبحت تشبه تماماً الفراشة التي على غلاف الكتاب.. لم تستطع ضبط نفسها.. خافت.. صارت تبكي.. سقطت دموعها عل المكان الذي كانت تستلقي فوقه فاكتشفت أنه ليس سوى وردة كبيرة جميلة.. اهتزت الوردة عندما سقطت دموع ريم عليها وقالت: لماذا تبكي يا ريم.. لقد سقطت دموعك الدافئة على وجهي.. حضنتها الوردة برفق.. مسحت دموعها بأوراقها الملونة.. قالت بصوت جميل يفوح منه العطر: لا تحزني يا حبيبتي؟ نحن نترقب وصولك منذ زمن بعيد بعيد.. صبرنا كاد ينفد.. فقصتنا تحتاج لأحلامك لتبدأ وتكتمل..

تفاجأت ريم الفراشة.. وبدا لها أن سيل المفاجآت ستتوالى ولن تتوقف.. قالت بخوف: يكفي يكفي.. أنا نائمة أليس كذلك أريد العودة إلى البيت.. أريد أن أعود فتاة صغيرة كما كنت... لا أريد أن أكون فراشة... حركت وردة كبيرة لم تلحظها ريم من قبل عنقها الطويل.. كانت تسمع هذا الحوار وقالت بصوت ساحر أجمل من صوت العندليب: أتدرين أيتها الفراشة الجميلة، أن مصير هذه الورود كلها وتلك الغابة بأسرها متوقف عليك.. فأنت جئت لتنقذينا جميعا من خطر أكيد.. جئت لتنقذينا مما نحن فيه من جمود وخمول وكسل.. أشياء تشبه الموت.. فهذه النسمة العطرية اللطيفة التي مرت منذ قليل جعلت جميع الأزهار تتراقص طربا. لم تأت إلا من أجلك فرحا بك وترحيبا بقدومك.. فنحن منذ سنين ننتظر أن تأتي إلينا وتنقذينا.. ننتظر فراشة كما أخبرنا حكماء غابتنا.. قالوا بأن يوماً ما ستأتي فراشة رائعة وتنقذنا من جمودنا وتحجرنا.. ونحن كدنا ننسى هذا الكلام ونظن أنه لن يتحقق لولا قدومك الآن أيتها الفراشة.. فلا تتركينا فهذه مسؤوليتك.. في هذه اللحظة.. اهتزت الفراشة بقوة بعدما صفقت الوردة التي تحملها بأوراقها.. لتعلن لجميع الورود إشارة الاستيقاظ من السبات والعودة للحياة.. العودة للأرض.. للحب.. للوطن.. للعطاء.. كانت الورود كلها غارقة بنوم عميق.. والطبيعة غائبة في سبات طويل.. تترقب وصول الفراشة لتوقظها وتحييها من جديد.. على الفور ابتهجت الطبيعة وسمعت ريم أصوات الطيور تغني.. والمياه تتسابق في النهر وتتدفق من الجدول.. والضفادع تنق.. والنسائم تملأ المكان سحرا وروعة.. عادت زقزقة البلابل تُسمع في كل مكان.. وغنت كما لم من قبل.. رأت ريم كل مشاهد الطبيعة السحرة.. وسمعت ألحانا لم تسمعها من قبل.. لم تصدق عينيها ولم تقتنع بما رأت وسمعت ووعت...

رفعت ريم الفراشة رأسها.. نفضت جناحيها.. كانا جميلين بديعين، تأملت منظرها البهي الرائع لأول مرة.. لم تدرك ما سر هذه الفراشة التي تأتي فجأة لتحيي الطبيعة البديعة بعد زمن سبات طويل.. أدرك طائر البجع العجوز ما يدور في رأس ريم... اقترب منها وقال لها بصوته الرخيم العريض:أيتها الفراشة الجميلة.. قصتنا كلها تدور حول فراشة.. ونحن أشياء نجمل القصة ولسنا أبطالاً لها.. الكتاب الذي دخلت إليه رسمه رسام فنان ساحر، مات قبل أن يكمل القصة كلها ويرسم الفراشة البطلة.. رسم كل الصور.. وتخيل شكل الفراشة على الغلاف.. تخيلها مثلك أنت تماماً.. لكنه لم يتمكن من رسمها في داخل الكتاب... وقد قال حكماؤنا منذ زمن طويل أن يوماً سيأتي وتدخل في الكتاب فراشة جميلة اسمها ريم تحيي قصتنا وتعيدنا إلى عالم الحياة ليقرأها أطفال العالم... فرحت ريم الفراشة لاختيارها بطلة لقصتهم.. فبعد أن كانت لا تحلم.. ولا تعرف معنى لأحلام.. صارت حلما لآخرين.. وبطلة حقيقية لقصة جميلة يحلم بها أطفال العام...

وقفت ريم تتأمل بستان الزهور، وصارت تتنقل ببصرها من مكان إلى آخر.. شاهدت الأزهار تتمايل والأشجار تهتز من الطرب.. والغصون تتشابك كأنها تتصافح، يهنئ بعضها بعضاً.. تطلعت ريم إلى البجعة الحكيمة وسألتها: "والآن ماذا علي أن أفعل..؟" قالت البجعة: "عيشي حياتك بشكل طبيعي.. وكل أبناء الطبيعة سيكونون بخدمتك...". هنا بدأت ريم تشعر بالجوع.. فدعتها الزهور لتناول وجبة شهية صحية طبيعية من رحيقها البديع.. وصارت الزهور تقول: تعالي إلي يا ريم هنا طعم الليمون قالت أخرى: لا تعالي إلي أنا لدي طعم ليس له مثيل... وصارت كل زهرة تعرض طعمها اللذيذ على ريم تطمع أن تكون أول من تأكل منها في الغابة الجميلة.. وصارت الزهور تتمايل وتتحرك وتتنافس فيما بينها لتحظى بشرف ملامسة الفراشة ريم.. استغربت ريم في البدء: كيف يمكن لي أن آكل رحيق الأزهار.. قالوا لها : الآن أنت فراشة ولست إنسانا.. تعالي اقتربي لا تخافي.. اقتربت ريم من رأس وردة قربها جربت طعمها. كان لذيذا جدا.. قالت: ما أطيب طعمك أيتها الوردة الطيبة.. وراحت ريم تتنقل من وردة إلى وردة تأكل من كل وردة قليلا وتمتص رحيقها الجميل.. لكن ريم توقفت عن أكل الرحيق ووقفت مستغربة مندهشة بحالة صدمة... وقالت: غريب حقاً.. أنا لست فراشة حقيقية وآكل رحيق الأزهار..!!! يا للعجب .. شيء غير معقول.. لا يصدق. قالت البجعة الحكيمة: أنت الآن فراشة ولست إنسانا، وطعامك طعام فراشات. لكن ريم لم تقبل هذه الفكرة... وصاحت: أريد لبنا.. أريد خبزا وقطعة بسكويت.. ضحكت الأزهار.. قالت زهرة: ماذا.. ماذا؟ بس.. بس.. بس..ك... ك..ويييييت.. ما هذه الكلمة الغريبة...؟؟؟ ضحكت البجعة الحكيمة وقالت: إنها نوع من الحلوى يحبها أطفال البشر.. قالت وردة كانت صامتة وتراقب ما يحدث: لكنك لم تعودي طفلة أيتها الفراشة الجميلة.. هيا تعالي إلي.. أنا أقدم إليك رحيقي كله وليمة لك.. فمنذ أن رسمني الفنان لم أحظ بهذا الشرف العظيم.. هيا أرجوك.. رفضت ريم الفراشة كل هذا الكلام.. ونفضت جناحيها.. حملها الريح برفق حتى بلغت الغابة القريبة...

ما أن وصلت ريم إلى الغابة.. وكانت أشجارها قد عرفت بقدوم الفراشة.. صارت تصفق بكل قوة ترحيبا بقدومها.. ومن شدة التصفيق خافت الفراشة وكادت تسقط على العشب.. فبسطت شجرة قريبة منها غصنا لينا من أغصانها والتقطتها بأوراقها الخضراء الندية.. وقالت الشجرة: مرحبا بك يا أجمل فراشات الدنيا.. نحن ننتظرك منذ زمن بعيد.. لا يليق بنا أن نتركك تقعين على أرض الغابة.. نخن هنا كلنا بخدمتك أيتها الجميلة اللطيفة.. كم اشتقنا إلى وصولك.. كاد اليأس يصيبنا بالموت.. نحمد الله على وصولك بالسلامة.. قالت الفراشة مندهشة أكثر وأكثر: يا لغرابة ما يحدث.. يا لهذا العالم الغريب.. كل شيء يتكلم ويتحرك... تحركت أغصان شجرة كبيرة مسنة.. قالت بصوت خافت: نعم يا صغيرتي.. صدقي.. أنظري إلى عمري الطويل.. وراقبي أغصاني التي شاخت.. وأوراقي التي جفت.. وتأملي جذعي الضخم وجزوري التي نبتت إلى سطح الأرض.. هل سأكذب عليك وأنا في هذه السن؟؟ تعالي يا حلوتي،، تعالي لأحضنك بين ضلوعي الطرية.. خافت الفراشة على ملمسها الناعم أن يتدحرج بين أغصان الشجرة.. تراجعت إلى الخلف.. كان جوعها يشتد وبطنها تؤلمها من الألم. صاحت: يكفي.. يكفي.. أريد طعاما.. أنا جائعة جائعة.. جائعة.. نادتها أشجار الموز والخوخ واللوز....: تعالي إلينا وذوقي طعمنا اللذيذ الشهي... تعالي لا تخافي..

نظرت الفراشة نحو ثمار الأشجار التي تتدلى كأروع ما تكون.. رغبت فعلا بالاقتراب منها.. فقد كانت شديدة الجوع.. ولما همت بالاقتراب منها اعترض طريقها طير صغير سريع الطيران.. قال لها بلهفة: لا تصدقي لا تقتربي منها .. ثمارها سامة.. ستقتلك أيتها الجميلة..هذه الأشجار سامة.. تريد قتلك والتخلص منك لأنها تحب النوم.. وتريد أن تظل كل الطبيعة نائمة ساكنة خاملة مثلها.. هي لا تحب الحياة.. ابتعدي عنها... ابتعدي.. تعجبت ريم من هذا الطائر الجميل كيف يتكلم.. قالت: لماذا تقتلني..ولماذا لا تحب أن تستيقظ الطبيعة..؟! قال العصفور: لأنها لا تحب الحياة.. ولا النشاط.. كل الأشجار كانت سعيدة بوصولك إلا تلك الأشجار الثلاث.. لم تقتنع ريم.. نادتها شجرة الموز: تعالي يا حلوتي.. هذا العصفور يريد أن يظل يأكل ثماري لوحده.. ويريد أن يبقيها للطيور أمثاله.. تعالي لا تخافي.. كانت ريم جائعة جدا.. وهذه الأشجار هي الأشجار الوحيدة القريبة منها وهي تريد أن تأكل بسرعة.. أرادت الاقتراب من شجرة الموز وتناول موزة واحدة تسد بها جوعها.. حاولت الاقتراب منها فهبت ريح قوية حالت بينها وبين الشجرة.. قالت لها لاريح: سأحملك إلى مكان جميل ملئ بالعسل الطيب الشهي.. والثمار اليانعة الرائعة الحلوة الشهية.. فنحن أحباء الطبيعة نريدك وسنحميك من الخطر..

فجأة وقبل أن تفرك ريم الفراشة بما حدث.. وجدت نفسها في ناحية أخرى من الغابة، قرب واحة جميلة يحيط بها النخيل من ل جانب..والأشجار منتشرة على ضفافها.. وقرب الماء وردة كبيرة مثل كأس ضخم ملئ بالعسل الذهبي البراق.. اقتربت ريم بسرعة ناحية العسل تريد تناوله بسرعة.. فجأة خرجت سمكة من الماء وصاحت بها: انتبهي انتبهي.. هناك أفعى خطرة دخلت منذ لحظات في العسل.. لا تقتربي منها ستقتلك.. ترجعت ريم الفراشة.. قبل لحظة واحدة من ظهور رأس الأفعي الشريرة.. كادت تفتك بها لأنها تحب الحياة.. فاهتزت البحيرة غاضبة وانقضت الطيور من كل جانب تضرب الأفعي بمناقيرها.. هربت الأفعى لكنها قبل أن تهرب بثت سمها في العسل لكي يموت من يأكل منه..

ذهلت ريم من هذا المشهد الرعب.. كادت تموت لولا السمكة والطيور.. راحت ريم تشكر السمكة والطيور على ما فعلوه من أجلها.. لكن ريم ما زالت شديدة الجوع.. التفتت فرأت شجرة جوز هند ضخمة.. رأت الشجرة تنظر إليها بلطف وحنان.. وتحرك أغصانها تدعوها إليها.. لتأكل من ثمارها الشهية وترتوي من مائها الحلو اللذيذ.. صممت ريم هذه المرة أن تصل إلى الشجرة مهما كانت الأخطار.. صارت الطيور تناديها بكل قوة.. الأشجار تهتز بعنف.. الريح لم تستطع منع ريم.. مياه الواحة تهتز بعنف.. زهور البستان صارت تصيح.. الجميع: توقفي. ابتعدي.. لكن ريم لم تعد تهتم.. فهي إن لم تأكل ستموت من الجوع...

كانت ريم في قمة جوعها.. قالت: سآكل من الشجرة مهما كان الخطر.. ولو كانت سامة من الأفضل لي أن أموت من السم وأنا شبعانه خير من أن أموت من الجوع... وصلت ريم إلى الشجرة.. ضحكت الشجرة ضحكة ماكرة.. قدمت لريم أكبر ثمارها.. وما أن فتحت ريم فمها لتأكل حتى أحست بهواء يطير بها من جديد.. ولم تستطع المقاومة.. راحت تسقط وتسقط في واد عميق عميق... ثم وقعت على أرض طرية... نامت على الفور من شدة التعب...

بدأ النور يدخل المكان قليلاً قليلاً.. سمعت ريم أصواتاً حولها. ريم .. ريم.. استيقظي.. حان وقت ذهابك إلى المدرسة.. فتحت ريم عينيها.. لم تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة.. وأنها عادت لغرفتها.. وقفت على قدميها تتأمل جسدها كله.. كانت مندهشة من كل ما حدث... بحثت عن الكتاب فوجدته لا يزال في مكانه.. تأملت غلافه فرأته كما هو ولكن الفراشة اختفت.. لاحظت أن الأشجار والزهور والطبيعة حزينة تنظر إليها بألم.. قالت ريم لأمها: إني جامعة جائعة... أكاد أموت من الجوع.. ضحكت الأم: ترى بماذا كنت تحلمين الليلة الماضية؟؟ نظرت ريم إلى يديها.. قالت: أحلم؟؟ بماذا أحلم؟؟ أحلم؟ لم أكن أحلم.. ريم لم تخبر أمها بقصتها.. لم تخبرها بقصة الكتاب.. قصة فراشة الغابة... لأنها بالتأكيد لن تصدقها.. وستقول لها بأنها صارت تتخيل أشياء لا وجود لها.. لكن ريم ظلت تحلم وتحلم وتحلم.. دون أن تقترب من الكتاب السحري.. فقد أغلقته بإحكام ووضعته في صندوق حديدي ودفنته في أعماق حديقة المنزل.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :