• ×

04:13 صباحًا , السبت 12 محرم 1440 / 22 سبتمبر 2018



◄ في الشريعة الإسلامية : معاني وأنواع الهجرة ــ خطبة.
■ عناصر الخطبة :
● أولاً : مفهوم الهجرة وأنواعها.
● ثانياً : الهجرة إلى إخلاص النية لله تعالى.
● ثالثاً : الهجرة إلى الأعمال الصالحة.
● رابعاً : هجرة المعاصي والسيئات.
● خامساً : هجر أصحاب السوء والمعاصي.
● سادساً : الهجرة إلى الله ورسوله عند كثرة الفتن.
● سابعاً : الهجرة إلى كل عمل إيجابي.

■ المقدمة :
عباد الله : بعد أيام قلائل – إن شاء الله – نستقبل عاماً هجرياً جديداً ؛ وهذا العام الجديد يذكرنا بذكرى عزيزةٍ علينا غيرت مجرى التاريخ؛ ألا وهي هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ ومن المعروف أن كل ذكرى تمر علينا نقتدي ونهتدي بنبينا - صلى الله عليه وسلم - ؛ ففي رمضان نكثر من الجود والقيام وقراءة القرآن والاعتكاف تأسياً به – صلى الله عليه وسلم –، وفي شوال نصوم الست من شوال اقتداءً به – صلى الله عليه وسلم –، وفي الحج نحج ونقتدي به في أداء مناسك الحج حيث قال : "خذوا عني مناسككم" (مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بألفاظ متقاربة). وفي الصلاة قال : "صلوا كما رأيتموني أصلى" (البخاري).
والآن ونحن على مشارف ذكرى الهجرة النبوية المباركة ؛ فهل نهاجر اقتداءً به كما ذكر في الأمثلة السابقة ؟!! وما المراد بالهجرة؟ وما هي أنواعها؟! وكيف نهاجر إلى الله؟! هذا ما سنعرفه سوياً في هذا اللقاء من خلال العناصر التالية :
● أولاً : مفهوم الهجرة وأنواعها.
قبل الحديث عن معاني الهجرة في ضوء القرآن والسنة؛ أقف مع حضراتكم وقفة قليلة حول مفهوم الهجرة وأنواعها.
فالهجرة بمعناها العام : الانتقال من مكان إلى مكان لغرض ما، وهي أنواع ثلاثة :
♦ النوع الأول : الهجرة النبوية المعروفة.
وهي التي قام بها المهاجرون بصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة؛ وقد انتهت بفتح مكة بقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلَّم - : (لا هجرةَ بعد الفتح)، أي أنّ الهجرة من مكّة أو غيرها إلى المدينة، لم تعُد واجبةً كما كانت، لأنَّ موجب الهجرة قد انتهى، وسببها قد انتفى، فقد كانت مكّة دارَ كفر، لا يستطيع من بقي فيها أن يُظهر دينه، ولا أن يُبدي إيمانه، فكان بقاء المسلم فيها، خطراً على دينه وإيمانه، فلذا كان قد شُرع للمؤمنين أن يهاجروا من مكة وما سواها إلى المدينة، فراراً بدينهم ونُصرةً للنبي - صلى الله عليه وسلم- ، فلما فُتحت مكة، انتفى موجب الهجرة.
ولذلك لما أراد أحد الصحابة أن يهاجر بعد فتح مكة رده الرسول – صلى الله عليه وسلم – مرة أخرى إلى مكة. فعَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ : قِيلَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ : إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ قَالَ : لا أَصِلُ إِلَى مَنْزِلِي حَتَّى أَجِيءَ الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَزَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَامَ فِيهِ وَوَضَعَ خَمِيصَةً لَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَأَتَاهُ سَارِقٌ فَسَرَقَهَا فَأَخَذَهُ صَفْوَانُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللِّهِ هِيَ لَهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "فَهَلا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ" ثُمَّ قَالَ : "مَا جَاءَ بِكَ أَبَا وَهْبٍ ؟" قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لا يُهَاجِرْ، فَجِئْتُ مُهَاجِرًا فَقَالَ : "ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ، فَقِرُّوا عَلَى سَكَنَتِكُمْ فَقَدْ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (أخبار مكة للفاكهي).
♦ النوع الثاني : الهجرة غير الشرعية.
وهي الانتقال من بلد إلى بلد آخر بطريق التسلل عبر البحار أو الجبال بطرق غير مشروعة؛ وبغير إذن من البلد الخارج منها أو البلد الداخل فيها؛ وهي خطر على الفرد لأنه يؤدي بنفسه إلى المخاطرة والتهلكة. وقد قال تعالى : {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة : 195).
وقد سمعت أحد المحاضرين وهو يتكلم عن مخاطر الهجرة غير الشرعية : أن شاباً دفع مبلغاً للسمسار الذي يتعهد بسفره عن طريق البحر هجرة غير شرعية؛ فغرق أثناء سفره؛ فجاء أهله يطلبون المبلغ الذي أخذه؛ فقال لهم السمسار: المبلغ لا يرد؛ ولكن إذا أردتم الانتفاع بالمبلغ لا محالة؛ فأتوا بشاب آخر يسافر مكانه دون أن يدفع مبلغاً آخر !
♦ النوع الثالث : الهجرة إلى الله ورسوله.
وهي هجرة المعاصي والذنوب والأوثان؛ والهجرة إلى الله ورسوله بالطاعة والعبادة؛ وهذا ما سنعرفه بالتفصيل من خلال العناصر التالية :
● ثانياً : الهجرة إلى إخلاص النية لله تعالى.
فقد بين صلى الله عليه وسلم أن هناك أبواباً أخرى للهجرة مفتوحة للجميع إلى أن تقوم الساعة؛ ومن هذه الأبواب (إخلاص النية لله تعالى)؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ" (متفق عليه). يقول الإمام النووي : "قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْخَيْرِ بِسَبَبِ الْهِجْرَةِ قَدِ انْقَطَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَلَكِنْ حَصِّلُوهُ بِالْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ. وَفِي هَذَا : الْحَثُّ عَلَى نِيَّةِ الْخَيْرِ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَى النِّيَّةِ" (شرح النووي).
فباب النّية، من أوسع أبواب الخير، التي فُتحت بعد إغلاق باب الهجرة من مكة إلى المدينة، فكلُّ حركةٍ ونُقلة من مكانٍ إلى آخر، من أجل القيام بأيّ عملٍ من أعمال البرّ، يؤجر عليها المؤمن، كحال من يخرج من بيته مهاجراً لطلب العلم في بلد غير بلده، ومَن سافر لصلة رحمٍ، أو لإغاثة ملهوفٍ، أو لمرافقة مريضٍ، فكلّ واحدٍ من هؤلاء يُعتبر مهاجراً، وله من الأجر بقدر ما قام في قلبه من نيَّة الصِّدق والإخلاص.
وهذا هو أهم معنى من معاني الهجرة؛ فلا بد أن يكون عملك خالصاً لله تعالى؛ وصاحب الذكرى العطرة أول من طبق هذا المعنى على نفسه في الهجرة؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إنه ليس أحدٌ أمنُّ علي في نفسه وماله من أبي بكر" فقد كان أبو بكر الذي يؤتي ماله يتزكى؛ ينفق أمواله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الدعوة إلى دين الله. لكن السؤال هنا هو لماذا رفض صلى الله عليه وسلم أخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن ؟!
قال بعض العلماء : إن الهجرة عمل تعبدي فأراد عليه الصلاة والسلام أن يحقق الإخلاص بأن تكون نفقة هجرته خالصة من ماله دون غيره. وهذا معنى حسن، وهو درس في الإخلاص وتكميل أعمال القرب التي تفتقر إلى النفقة (كنفقة الحج، وزكاة الفطر، وغيرها من الأعمال) فإن الأولى أن تكون نفقتها من مال المسلم خاصة.
لذلك أكد – صلى الله عليه وسلم – على أهمية النية في الأعمال كلها؛ فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل ِامْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (متفق عليه)؛ فمن هاجر من أجل الدنيا أو من أجل النساء فليست هجرته خالصة لله؛ "يقول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس" (فتح الباري).
فإذا كنت تريد أن تهاجر إلى الله ورسوله فعليك بإخلاص النية في عملك؛ فنية المرء خير من عمله؛ فقد يعمل الإنسان أعمالاً كثيرة كلها رياء؛ وقد يعجز المرء عن العمل لعذر أو مرض أو غير ذلك ويكتب الله له الأجر كاملاً دون نقصان لصدق نيته مع الله تعالى؛ فعن أبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ" (أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح).
وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ : "إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ ؛ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" (أبو داود والحاكم وصححه).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ : "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ"، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ : "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ" (البخاري).
فهؤلاء جميعاً رزقوا بصدق نياتهم مع أنهم لم يعملوا.
لذلك عد العلماء حديث (إنما الأعمال بالنيات) أحد الأحاديث الثلاثة التي يدور عليها الدين الحنيف؛ وجعله الإمام البخاري الحديث رقم واحد في صحيحه ليبعث لك رسالة قوية أن أخلص نيتك في العمل قبل البدء فيه.
● ثالثاً : الهجرة إلى الأعمال الصالحة.
وهذا باب عظيم من أبواب الهجرة ؛ وهو الهجرة إلى الأعمال الصالحة؛ فَعَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ؛ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْهِجْرَةِ؟ فَقَالَ : "وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ؛ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا" (مسلم).
يقول النووي ما نصه : "قَالَ الْعُلَمَاء : وَالْمُرَاد بِالْهِجْرَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا هَذَا الْأَعْرَابِيّ مُلَازَمَة الْمَدِينَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْك أَهْله وَوَطَنه، فَخَافَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَقْوَى لَهَا، وَلَا يَقُوم بِحُقُوقِهَا، وَأَنْ يَنْكُص عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ : إِنَّ شَأْن الْهِجْرَة الَّتِي سَأَلْت عَنْهَا لَشَدِيد وَلَكِنْ اِعْمَلْ بِالْخَيْرِ فِي وَطَنك، وَحَيْثُ مَا كُنْت فَهُوَ يَنْفَعك، وَلَا يُنْقِصك اللَّه مِنْهُ شَيْئًا. وَاَللَّه أَعْلَم" (شرح النووي على مسلم).
فعمل الخير والحفاظ على الوطن وبناء المجتمع باب عظيم ومعنىً كبير من معاني الهجرة.
وَعَن مُجَاشِع بْن مَسْعُودٍ السُّلمِىّ، قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ: "إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا؛ وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ" (مسلم).
يقول الإمام النووي : "مَعْنَاهُ : أَنَّ الْهِجْرَة الْمَمْدُوحَة الْفَاضِلَة الَّتِي لِأَصْحَابِهَا الْمَزِيَّة الظَّاهِرَة إِنَّمَا كَانَتْ قَبْل الْفَتْح، وَلَكِنْ أُبَايِعك عَلَى الْإِسْلَام وَالْجِهَاد وَسَائِر أَفْعَال الْبِرّ، وَهُوَ مِنْ بَاب ذِكْر الْعَامّ بَعْد الْخَاصّ، فَإِنَّ الْخَيْر أَعَمّ مِنْ الْجِهَاد، وَمَعْنَاهُ : أُبَايِعك عَلَى أَنْ تَفْعَل هَذِهِ الْأُمُور" (شرح النووي على مسلم).
● رابعاً : هجرة المعاصي والسيئات.
وهذا أيضاً باب من أبواب الهجرة الدائمة ؛ وقد صرحت به السنة النبوية في أكثر من موضع ؛ فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ؛ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (البخاري). وفي رواية (ابن حبان) : “المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
قال ابن حجر : "خُصَّ الْمُهَاجِر بِالذِّكْرِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُهَاجِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِفَوَاتِ ذَلِكَ بِفَتْحِ مَكَّة، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ كَانَ هُوَ الْمُهَاجِرَ الْكَامِلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْمُهَاجِرِينَ أَنْ لَا يَتَّكِلُوا عَلَى الْهِجْرَة فَيُقَصِّرُوا فِي الْعَمَل. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُوتِيَهَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّه أَعْلَم" (فتح الباري).
ويقول المناوي : "أي ليس المهاجر حقيقة من هاجر من بلاد الكفر؛ بل من هجر نفسه وأكرهها على الطاعة وحملها تجنب المنهي؛ لأن النفس أشد عداوة من الكافر لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير؛ فالمجاهد الحقيقي من جاهد نفسه واتبع سنة نبيه واقتفى طريقه في أقواله وأفعاله على اختلاف أحواله؛ بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلا على السنة؛ وهذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام" (فيض القدير).
وعَنْ أُمِّ أَنَسٍ، أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ : "اهْجُرِي الْمَعَاصِيَ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ، وَحَافِظِي عَلَى الْفَرَائِضِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَأَكْثِرِي مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّكِ لا تَأْتِي اللَّهَ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَثْرَة ذِكْرِهِ" (الطبراني بسند ضعيف).
وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَنْ الْمُسْلِمُ؟! مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ؛ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ؛ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ؛ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (أحمد والطبراني والحاكم بسند صحيح).
فهذه الأحاديث كلها تثبت أن الهجرة الحقيقة والدائمة إلى يوم القيامة هي هجرة الذنوب والمعاصي.
● خامساً : هجر أصحاب السوء والمعاصي.
فإذا كنا تكلمنا في عنصرنا السابق عن هجرة الذنوب والمعاصي نفسها ؛ ففي هذا العنصر نؤكد على هجر أصحاب المعاصي؛ وهذا مستمد من قوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم- : {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا} (المزمل : 10). يقول الإمام ابن كثير : "يقول تعالى آمرًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على ما يقوله من كذبه من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلا وهو الذي لا عتاب معه" (تفسير ابن كثير).
فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل : الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه. قال الشاعر :
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ • • • فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي
وقال آخر :
واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ • • • يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ - اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : " الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" [أحمد والبيهقي والحاكم وصححه]. قال العلماء : يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيا في دينه ومذهبه.
وقد صور النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك فقال : "مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً" (متفق عليه) يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع لك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد، كذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال.
حتى أن أثر الصحبة – صالحة أو طالحة – تعدَّى من عالم الإنسان إلى عالم الكلاب. قال تعالى : {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} (الكهف : 22) فقد استفاد الكلب من صحبة الأخيار، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم،كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة وارتفع شأنه بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب، قال تعالى : {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} [المائدة : 4]، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها.
أحبتي في الله: والله إن الصاحب ساحب؛ فإذا كان صالحاً سيأخذ بيديك إلى الجنة، وإن كان طالحا يجرك إلى جهنم جرا، وسأضرب لكم مثالين :
• الأول : لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (متفق عليه).
فوجود أبي جهل والصحبة السوء جعلت أبا طالب من أصحاب الجحيم، وحزن عليه النبي حزناً شديداً.
• المثال الثاني : عن ابن عباس قال : «كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . فقال : أطعم يا ابن أخي. قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول . . . فشهد بذلك وطعم من طعامه. فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ - وكان خليله - فقال: لا والله ما صبوت. ولكن دخل عليَّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له، فطعم. فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه. ففعل عقبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره» (الدر المنثور , للسيوطي) وفي ذلك نزل قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)} (الفرقان).
فتخيل أنه فضل رضا صاحب السوء على رضا الله ورسوله؛ وكانت النتيجة جهنم وبئس المصير.
فهذه رسالة أوجهها لآبائي وإخواني وأبنائي وكل فئات المجتمع أن يحسنوا اختيار الصحبة؛ وأن يتجنبوا أصحاب المعاصي لشدة تأثير الصحبة على صاحبها كما ذكر.
● سادساً : الهجرة إلى الله ورسوله عند كثرة الفتن.
وهذا نوع آخر من أنواع الهجرة ؛ وهو الهجرة إلى الله ورسوله عند كثرة الفتن واختلاط الأمور؛ فكلما كثرت الشهوات والفتن وتغلب العبد عليها كلما كان مهاجراً وأكثر أجراً عند الله، ويدل على ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم – : ”الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ” [مسلم]. يقول الإمام النووي: ”المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد”.
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى : "إن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف الدين ويقل الاعتناء به، ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاشه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة".
فهنيئاً لكل من يصبر عن المعاصي وسط هذه الفتن والشهوات؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ”يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ” (أحمد والترمذي).
بل إنك إذا فعلت ذلك – مع ما يحيط بك من فتن ومغريات – فسيكون لك أجر خمسين من صحابة النبي العدنان - صلى الله عليه وسلم -؛ فعن عتبة بن غزوان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن وراءكم أيام الصبر، المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم»، قالوا : يا نبي الله، أو منهم ؟ قال : «لا، بل منكم»، قالوا : يا نبي الله، أو منهم ؟ قال : «لا، بل منكم» ثلاث مرات، أو أربعا"، وفي رواية بزيادة : "إنكم تجدون على الخير أعوانا وهم ولا يجدون" (أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه والطبراني واللفظ له).
فنحن في هذا الزمان تحيط بنا أعوان المعاصي والشهوات؛ وكلما تمسك الإنسان بدينه وصبر عن المعاصي في وسط هذه الشهوات؛ أصبح مهاجراً وتضاعف له الأجر حتى يصل إلى أجر خمسين من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم-!
وقد جمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا النوع من الهجرة والنوع الذي قبله بقوله : ”إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ. وَالْأُخْرَى: أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتْ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ، طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ“ (أحمد والبيهقي).
أحبتي في الله : اعلموا أن الشيطان يقف لكم بالمرصاد في كل طرق الخير؛ ليتحول بكم إلى طرق الشر والخراب والمعاصي والمنكرات والفساد؛ فلا تستلموا له؛ وهاجروا من كل معصية وسيئة؛ إلى كل طاعة وعبادة وقربى؛ إنكم إن فعلتم ذلك كان حقاً على الله وتفضلاً منه أن يدخلكم الجنة. فعَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ : تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ : تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ، وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ : تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ، فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ" (النسائي وابن حبان بسند صحيح).
أيها المهاجرون إلى الله : عليكم أن تهاجروا بقلوبكم ونياتكم وأعمالكم إلى الله ورسوله؛ والإكثار من الأعمال الصالحة؛ إنكم إن فعلتم ذلك دخلتم الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي ؟» قال : الله ورسوله أعلم فقال : «المهاجرون يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة، أو قد حوسبتم، فيقولون بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله، حتى متنا على ذلك، قال : فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاما قبل أن يدخلها الناس» «البيهقي والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
● سابعاً : الهجرة إلى كل عمل إيجابي.
وهذا النوع من الهجرة يجمع كل ما سبق ؛ حيث الهجرة من كل شيء سلبي وقبيح وسيئ إلى كل شيء إيجابي وجميل وحسن. أي الهجرة من الحالة المتردية التي نحياها إلي استشراف المستقبل بأمل كله ثقة في الله.
• الهجرة بترك المعاصي والذنوب إلي المجاهدة في التقرب إلي الله سبحانه وتعالى.
• الهجرة من الأحقاد والضغائن إلي الصفاء والنقاء.
• الهجرة من الكسل والخمول إلى العمل والاجتهاد.
• الهجرة من الكذب إلي الصدق ومن الخيانة إلي الأمانة.
• الهجرة من التقرب إلي العباد إلي التقرب إلي رب العباد.
• الهجرة من اعتناق الأفكار الغريبة والمغلوطة والمتطرفة إلي الاعتدال والتوسط والإمساك بجوهر الدين الصحيح.
• الهجرة من أخلاق توارثناها إلي الإمساك بسنة النبي صلي الله عليه وسلم.
• الهجرة من الإيقاع بالآخرين وإلحاق الضرر بهم إلي الأخذ بأيديهم إلي الخير.
• الهجرة من أمراض اجتماعية قبيحة جنينا جميعاً ثمارها إلي التعاون في أوجه الخير.
• الهجرة من الإمساك بالدنيا إلي الحرص علي الآخرة والعمل علي كل ما يقربنا منها.
• الهجرة من الغيبة والنميمة إلي التحري في كل كلمة تنطق بها أفواهنا.
• الهجرة من إيقاظ الفتن إلي لم الشمل ورأب الصدع وخلق جسور التواد والتحاب بين أبناء المجتمع.
وبالجملة هجرة وتغيير وتحويل شامل جمعه الله في قوله : {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد : 11)، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف : 96).
أسال الله أن يصلح حال البلاد والعباد ؛ وأن يرد المسلمين إلى دينهم مرداً جميلاً !
د. خالد بدير بدوي.
 0  0  1023
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:13 صباحًا السبت 12 محرم 1440 / 22 سبتمبر 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.