• ×

02:14 مساءً , الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

◄ الطلاق والتجديد الفقهي (2).
يقول النبي - صلى الله عليه وآل وصحبه وسلم - : "لا طلاق في إغلاق" أي : إكراه أو غضب، ولا طلاق بالهزل، فقد يقول الرجل كلمة الكفر في هزل، فلا يؤاخذه الله ؟ فكيف يهدم أسرته، ويغرق بها سفينته في بحر الحياة وصعابها المدجاة ؟ فهذا رجل كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي، وأنا ربك ـ أخطأ من شدة الفرح- والرجل يهزل بالنكاح، والرباط المقدس، فيقال له : هذا رباط مقدس، وأنت تهزل به، لقد حصل النكاح وهو خير، ولو هزل بالنكاح واستهزأ به عن طريق الطلاق، يقال له : هذا رباط مقدس، لا ينفك بهزلك، بل هو مصان، فهو يريد الاستهزاء بالنكاح، بلا قيد، فيقيد، ويستهزيء بالطلاق ؛ ليفك عقدة النكاح، فيجعل ما هو مصان، ورباط مقدس، محل هزل، فيكون الحكم أن لا تفك عقدة النكاح بهزله، بل تبقى مقيدة مصونة كرباط مقدس، خلافا لمراده، فهو رباط غليظ، لا ينفك بسهولة، فما بالك بكلمة هزل ؟ ! ولو انفك بكلمة هزل، لكان وصفه بالرباط الغليظ وصفا غير صحيح ؛ لأنه حينئذ لن يكون له في أحكام التشريع وواقع الحياة من نصيب.
وبالرغم من ورود الحديث الصحيح بانعقاد النكاح بالهزل، إلا أن الإمام مالك والمالكية قالوا : لا يصح نكاح الهازل ؛ لأن الفرج محرم، فلا يصح إلا بجد، قلت : لا اجتهاد مع ورود النص، ولا اتباع للآراء مع النص، بإجماع الأمة، ومستندهم في ذلك قول الله تعالى : (ولا تتبعوا من دونه أولياء) -الأعراف 3- فدل ذلك على ترك اتباع الآراء مع وجود النص. وإنما يقال : إن هدم الأسرة التي هي نواة المجتمع وأهم عوامل استقراره، وفراق الزوجة، وتشريد الأولاد، من غير أن تكون الزوجة، قد أتت بفاحشة مبينة، حرام شرعا، فلا يصح الطلاق إلا بجد.
وهل النكاح ينعقد عند الشارع بالهزل كما جاء بحديث صحيح ؛ ليصلح في المجتمع، ويكثر من حالات النكاح ثم يعود الشارع على تلك العلة من التشريع بالنقض، فيوقع الطلاق بالهزل ؛ لتنهدم الأسر ويتشرد الأبناء والأولاد وينتشر الزنا أكثر وأكثر، وهل في ذلك من خير كما هو في انعقاد النكاح بالهزل ؟
وأي حسنة تعود على المجتمع ؟
وأي حكمة في ذلك ؟
إنه سيسف بذلك التشريع الناقض لنظام الأسرة، الذي طال فيه الاحتياط، والتشريعات بالهزل، إلى عزوف الشباب عن الزواج، خشية من هذا المآب، فضلا عن خوف الآباء على البنات، من ذلك المصير الغامض، ومن ثم فرض مهور، وقوائم أثاث، وشبكة من ذهب أو ألماظ، واشتراطات لا أول لها، ولا نهاية، بل تطالب بعض الزوجات بكتابة مال وعقار، خوفا من المستقبل المجهول مع الزوج، فقد يغضب يوما ما، وقد يقع بكلمة هازلا، وحاشا التشريع الحكيم أن يدخل الهزل، سيفا قاطعا لرقاب الأسر، وقنبلة تنفجر في سفينتها فتغرقها بمن فيها.
إن المقدم على الزواج، يسمع كثيرا عبارة أن الزواج ليس بيعا ولا شراء، وأن ولي الأمر يهمه أن يكون الزوج تقيا يحسن معاملة زوجه، فتأمل كلام بعضهم عن البيع والشراء : "ولا يصح بيع الهازل" ثم هو يجيز طلاق الهازل، وحل عقدة النكاح، ذي الرباط الغليظ، مع أن الله لم يصف البيع والشراء، بالميثاق الغليظ كما وصف به النكاح.
وبعضهم يقول : الطّلاق ذو خطر كبير، باعتبار أنّ محلّه المرأة، وهي إنسان، والإنسان أكرم مخلوقات اللّه تعالى فلا ينبغي أن يجري في أمره الهزل.
قلت : وهل يوجد امتهان للمرأة أكثر من أن تدمرها وأسرتها كلمة هزل ؟
هل يصدق نفسه من يقول ذلك الكلام، الذي لو عرض على امرأة، تتعرض لهذه المشكلة، لضربت به عرض الحائط، ولردت بأن الامتهان في هدم حياتها بكلمة هزل، وليس في عدم الإعتداد بهزل زوجها، في تلفظه بلفظ الطلاق، دون عزم نية الطلاق.
وقال بعضهم : والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غير ملتزم لحكمه، وترتب الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه، شاء أو أبى ؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصد للقول، مريد له، مع علمه بمعناه وموجبه، وقصد اللفظ المتضمن، وقصد اللفظ المتضمن المعنى، قصد لذلك المعنى ؛ لتلازمهما إلا أن يعارضه قصد آخر، كالمكره والمحلل فإنهما قصدا شيئا آخر غير معنى القول وموجبه".
قلت : لو قال الرجل لزوجه التي تقول له : "ممكن يجي يوم وطلقني" فقال وهو يضحك ويمزح معها : (طب انت طالق) ألا يعني هذا أن السفه يطرأ جزئيا كما يطرأ كليا، بمعنى أن الإنسان، كما يغلب عليه السفه، فلا يعتبر له طلاق، قد يعتريه السفه في وقت ما، فلا يعتبر طلاقه، وليس كما قال آنفا، من أن الهازل قاصد للطلاق، بل هو قاصد للمزاح، والهزل بلفظ الطلاق، وليس حكم الطلاق والفراق في حد ذاته وما يترتب عليه، لا سيما لو كانت الثالثة، من رد المهر، ونفقة متعة، ونفقة حضانة، إن كان بينهم أولاد، وغير ذلك، فالمعارض هنا موجود، وهو حالة الهزل أو الاستهزاء أو السخرية، التي غلبت عليه، ولو قيل : قصد اللفظ ولم يقصد الحكم، قلت : إنما تلزم الأحكام الشرعية بناء على اللفظ والنية، والقصد للحكم، وليس على أحدهما، والحديث الذي استدلوا به : "ثلاث جد جد وهزلهن جد" موقوف على عطاء، فلا يحتج به، وحالة الهزل، أو الاستهزاء أو السخرية، التي غلبت عليه، هي حسب علم النفس، صادرة عن قوة الغضب، وليست عن الإرادة، فليس الغضب ما يعتري المرء من تغيرات كيميائية وغيرها فحسب، فالمرء يبكي من الفرح كما يبكي من الحزن، ويموت من الفرح كما يموت من الحزن، والإرادة تصدر في وقت اتزان، لا وقت يستبين فيه أن المرء كان على طرفي نقيض، مضطرب النفس، غير مستقر الإرادة، ولا عاقد العزم، ولا مستحكم النية، ومثله المكره، ينطق بالطلاق، بسبب الخوف، فشدة الخوف والفرح والحزن والسخرية، نوع من الغضب، تأخذ حكمه، فطلاق الهازل ما بين المزاح والسخرية، فأما المزاح والفرح الشديد، فيقابل الغضب كغريزة ويقاس عليه.
وأما السخرية فنوع من الغضب، وطلاق الغضبان لا يقع عند الجمهور، والمازح أشبه في خفة عقله وقتها بالصبي والسفيه، فيقاس عليه كذلك في عدم الوقوع.
والقرآن نص على أن كظم الغيظ، درجة المحسنين، فقال : (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) -آل عمران 134- والله يقول : (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) -المائدة 93- ودرجة الإحسان درجة رضا الله، وهي فوق المحبة للمتقين والقربى للصالحين، وهم في الناس قليل، فكيف يأتي التشريع مناسبا للقليل وليس في وسع الأغلب الكثير، فيسحب حكم الأقل على الأكثر ؟
إن رواية طلاق الهازل، ليست بحديث مرفوع، ولا موقوف على صحابي، بل على تابعي هو عطاء، ومن رفعها من بعد عطاء، اتفق على ضعفه ؛ بسبب رفعه تلك الرواية، فكيف يجمع أهل الاختصاص والاجتهاد من المحدثين في كل عصر، على ضعف راو بسبب رواية ؛ مما يفيد اليقين بأنها رواية لا يصح رفعها إلى النبي - صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - ثم يحصل أن يفتى بعض الفقهاء بوقوع طلاق الهازل، بناء على تلك الرواية ؟ !
والأحكام في الشريعة تدور على الألفاظ والمقاصد أو النيات وليس أحدهما فحسب. إن هذا لعمري في الفتوى عجيب، وإنما هي فتوى صادرة بسبب القصور في دراسة الأسانيد والتحقق منها، وتتبع حالة الرواة، ومن شروط المفتي كما يقول الناظم :
مع علمه التفسير في الآيات • • • وفي الحديث حالة الرواة
وقل مثل ذلك في سائر الآثار المنسوبة للصحابة، ليس فيها حديث واحد صحيح السند، مما يلقي بظلال من الريب عليها، خصوصا وأنها في أمر تتوافر الدواعي على نقله، لذا أرجح نشاط الوضاعين، في تلك الفترة لهدم الأسرة نواة المجتمع، وتحريم الحلال وتحليل الحرام، فليس صوابا قول من قال بأنه المحفوظ عن الصحابة.
وأما القول بأن الهازل بالطلاق يهزأ، والله يقول : (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) -البقرة 231- فلعمر الحق، لئن كان هزلا، فالهزل الأشد بآيات الله، وتشريع الله المستفيض والمطول في بناء الأسرة، والحفاظ عليها والتوصية بها وفرض نظام مواريث وعصبات ودرجات، ومنع القاتل والمرتد من الميراث، وغير ذلك مما لا يحصى، والتوصية باختيار الزوجة الصالحة، والمعاشرة بالمعروف وإن حدثت الكراهية، وسائر ذلك، أن يتم تدمير ذلك كله بكلمة هزل، ونقض ميثاق غليظ، بكلمة مزاح أو سخرية، وإنما السخرية منه، كما سخر، بعدم وقوع الطلاق، فالرجل سيتحلل من التزاماته، ويرتب أحواله، ويكون نفسه مرة أخرى ؛ ليتزوج بأخرى، وتبقى زوجه بلا زوج في الأعم الأغلب، كما هو حاصل في زماننا هذا، ويتشرد الأولاد، وغالبا ما يقعون فريسة للانحراف وشرب المسكرات والمخدرات، فأي الأمرين هو استهزاء وسخرية، أرى أنه لا اعتبار لقول المستهزي والمازح حتى لا يكون له ذكر، ومن ثم لا تكون له قيمة، فأما إيقاع طلاقه فذلك اعتداد بقوله، وتسجيل ذكره لهزئه، وإضرار بالمجتمع، ولا ضرر ولا ضرار.
 0  0  2217
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )