نار القلوب .. اْلْمَـَرضُ اْلمُـزْمـُن «2»

د. أحمد محمد أبو عوض.
3131 مشاهدة
نار القلوب .. اْلْمَـَرضُ اْلمُـزْمـُن «2».
حكي أن رجلاً من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمة، وصار يدخل على حريمه من غير استئذان، وكان له وزير حاسد، فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه : إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله، أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه، فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله، فطبخ له طعاماً وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي منه قال له : احذر أن تقترب من أمير المؤمنين فيشم منك فيتأذى من ذلك، فإنه يكره رائحته، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلاً به وقال : يا أمير المؤمنين ! إن البدوي يقول عنك للناس : إن أمير المؤمنين أبخر، وهلكت من رائحة فمه، فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين، جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة الثوم.
فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال : إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح، فكتب أمير المؤمنين كتاباً إلى بعض عماله يقول فيه : إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله.
ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له : امض به إلى فلان، وائتني بالجواب، فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين، وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال : أين تريد ؟ قال : أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه : إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل، فقال له : يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك، ويعطيك ألفي دينار، فقال : أنت الكبير، وأنت الحاكم، ومهما رأيته من الرأي أفعل، قال : أعطني الكتاب فدفعه إليه، فأعطاه الوزير ألفي دينار، وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير، فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي، وسأل عن الوزير، فأخبر بأن له أياماً ما ظهر، وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب من ذلك، وأمر بإحضار البدوي فحضر، فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال له : أنت قلت عني للناس إني أبخر ؟ فقال : معاذ الله يا أمير المؤمنين أن اتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكراً منه وحسداً، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه، فقال أمير المؤمنين : قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي، واتخذه وزيراً، وراح الوزير بحسده، وقال المغيرة شاعر آل المهلب :
آل المهلب قوم إن مدحتهم • • • كانوا الأكارم آباء واجداداً
إن العـــــرانين تلقاها محسدة • • • ولا ترى للئام الناس حساداً
وقال عمر رضي الله عنه : (يكفيك من الحاسد، أنه يغتم وقت سرورك).
وقال مالك بن دينار : (شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنهم أشد تحاسداً من التيوس).
وعن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه : (إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) حديث ضعيف.
وقال منصور الفقيه :
منافسة الفتى فيما يزول • • • على نقصان همته دليل
ومختار القليـــل أقـــــل منه • • • وكل فوائد الدنيا قليل
يقول الله عز وجل بالحديث : (الحاسد عدو نعمتي، متسخط لفعلي، غير راض بقسمتي التي قسمت لعبادي).
قال الشاعر :
أيا حاسداً لي على نعمتي • • • أتدري على من أسأت الأدب
أسـأت على الله في حكمه • • • لأنك لم ترض لي ما وهب
فأخــزاك ربي بـــأن زادنـــي • • • وسد عليك وجوه الطلب
وقال الأصمعي : رأيت أعرابياً قد بلغ عمره مائة وعشرين سنة فقلت له : ما أطول عمرك ؟ فقال : تركت الحسد فبقيت.
وقالوا : لا يخلوا السيد من ودود يمدح، وحسود يقدح.
نسأل الله أن يطهر قلوبنا من الحسد والحقد والغل، وأن يجعلنا أخوة متحابين متعاونين، إنه على كل شيء قدير.

■ مضار الحسد :
للحسد مضار كثيرة، ومساوئ خطيرة منها :
1- اكتساب سخط الله تعالى لعدم الرضا بقضائه، بل ولأنه لا يرى أن قضاء الله عدلاً.
2- كسب الأوزار لمخالفة أمر الله تعالى، لأن الحاسد لا يرى لنعم الله من الناس أهلاً.
3- حسرات النفس التي لا يجد لها انتهاءً.
4- مرض الجسد الذي لا يجد له شفاءً.
5- انخفاض المنزلة، وانحطاط المرتبة.
6- مقت الناس للحاسد، حتى لا يجد فيهم محباً ولا صديقاً، فيصبح بالمقت مزجوراً.
7- عداوة الناس للحاسد، حتى لا يرى فيهم ولياً، فيصير بالعداوة مأثوراً.
8- الحسد يجلب النقم، ويزيل النعم.
9- الحسد منبع الشرور العظيمة، والعواقب الوخيمة.
10- الحسد يورث الحقد والظغينة في القلب، وهي أسباب دخول النار والعياذ بالله.
11- الحسد معول هدم في المجتمع.
12- الحسد دليل على سفول الخلق، ودناءة النفس (نظرة النعيم 10/4429).

■ دواء الحسد :
هذا المحور خاص بالمحسود، فلا يجزع ممن حسده، وليعلم أن لكل نعمة حاسد، فإن لك صديق، فاعلم أن لك عشرة من الحساد، فما أعظم الالتجاء إلى الله والتعوذ به من شر الحاسد والعائن، فهو سبحانه الكفيل بذلك.
فالمحسود لا يجزع بل يصبر ويحتسب الأجر عند الله تعالى، ويحاول دفع الحسد بأمور ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول : (ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب :
• أحدها : التعوذ بالله تعالى من شره، واللجوء والتحصن به، والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه.
• السبب الثاني : تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره.
• السبب الثالث : الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه.
• السبب الرابع : التوكل على الله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه، أي كافية، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه.
• السبب الخامس : فراغ القلب من الاشتغال به، والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له، فلا يلتفت إليه ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره.
• السبب السادس : وهو الإقبال على الله، والإخلاص له، وجعل محبته وترضيه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبيب الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب والتقرب إليه.
• السبب السابع : تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه فإن الله تعالى يقول : (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى : 30).
• السبب الثامن : الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء، ودفع العين، وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا تجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به، فما يكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته، عليه من الله جُنة واقية، وحصن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سبباً لزوالها، فما حرس العبد نعمة الله تعالى عليه بمثل شكرها ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم.
• السبب التاسع : وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقها عليها، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذىً وشراً وبغياً وحسداً، ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة، وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاطاه، فاسمع الآن قوله عز وجل : (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ • وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ • وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت : 34-36).
• السبب العاشر : وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه آلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه، فهو الذي يحسن عبده بها، وهو الذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه، قال تعالى : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس : 107).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما : (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك).
فالتوحيد حصن الله الأعظم، الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف : (من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء).
فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر، وليس له أنفع من التوجه إلى الله، وإقباله عليه، وتوكله عليه، وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجوا سواه، بل يرجوه وحده، فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه، ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه، وخذل من جهته، فمن خاف شيئاً غير الله سُلط عليه، ومن رجا شيئاً سوى الله خُذِلَ من جهته، وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً (بدائع الفوائد ج2، ص463 وما بعدها).

■ علاج الحسد :
هذه المحاور تذكير للحاسد بأن يعلم أن ما أصابه من خير فمن الله، وما أصابه من شر فمن نفسه، وأن قضاء الله وارد لا محالة، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، فربما كان عطاؤه استدراجاً، فليُعْمِلُ عقله العاقل، وينظر للعواقب بمنظار الحكماء العقلاء.
وبما أن الحسد خلق ذميم، وأصل لئيم، حالق للدين، مفرق للأصحاب، فيه تشبه بالكافرين، من النصارى واليهود والمشركين، وجب على كل مسلم الحذر منه وعدم التخلق به، بل من وجد في نفسه شيء من ذلك فعليه أن يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء والتضرع ليزيل ما به من حسد.
لأن الحسد تسخط على قضاء الله تعالى، واستدراك على الله تعالى في حكمه وقدرته، والله تعالى حكم عدل، لا يظلم مثقال ذرة، يعطي ويمنع، فمن أعطي شكر، ومن مُنع صبر، والصبر منزلة عظيمة لا يؤتاها أي إنسان، بل هو سبيل إلى الجنة ورضا الرحمن جل جلاله.
ولا يوجد أحد يحسد غيره ابتغاء مرضاة الله، بل في ذلك سخط الله تعالى، فكل حاسد لا يرجو إلا الدنيا وزينتها، وما يوهب له منها، من رفعة، وذكر، وضياع صيت، ولقد أوتي قارون وفرعون وهامان وأبو لهب وأبو جهل من الصيت ما لم ينله أحد من العصاة، لكنه ذكر سيء، عندما حسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله، فالحسد طريق إلى النار والعياذ بالله.
الحسد لا يكون إلا من أجل الدنيا، إلا ما استثني في الأحاديث السابقة، وإلا فالحسد جله من أجل الدنيا، ولو علم الحاسد أن الدنيا لا تبقى، وإن بقيت فهو فانٍ لا محالة، الدنيا ليست لحي مستقراً، بل دار مفر ومعبر، إلى دار الخلود، في جنات النعيم، هناك المقام الذي لا يحول ولا يزول.
لقد حذرنا الله تعالى من الدنيا فقال سبحانه : (أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) (البقرة : 86).
وإليك هذه الآية التي فيها من البلاغة ما لا يفهمه إلا العقلاء الفطناء، حيث قال الله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران : 14).ٍ
وقال تعالى : (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ • أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (يونس : 7-8).
وقال تعالى محذراً من الركون إلى الدنيا وزينتها : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ • أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (هود : 15-16).
فإذا كانت هذه نتيجة حب الدنيا، وحب المقام فيها، وترك الآخرة والسعي إليها، فحري بكل عبد أن يتق الله تعالى في نفسه، وأن يحذر الركون إليها، فهي وسيلة للعذاب والسخط والعياذ بالله.
ولقد جاء التحذير من الدنيا، وعدم استيطانها، والعلم بأنها غدارة ماكرة، ما لجأ إليها أحد إلا خذلته وأهانته، فهي سجن للمؤمن، وجنة للكافر، يتمنى المؤمن متى يأتي أمر الله، ليعود إلى ربه، ويتمنى الكافر عدم الخروج منها، لأنه سيلقى أهوالاً عظاماً، وأخطاراً جساماً.
بعد هذه المشوار القصير، المليء بالدليل الكثير، نصل إلى نهاية هذه النصيحة، المقدمة في رسالة صغيرة المحتوى، كبيرة المعنى، فالإنسان حسيب نفسه ورقيبها بعد الله عز وجل، فما أجمل أن يموت الإنسان، ويقول الناس له : (رحمه الله - غفر الله له - أدخله فسيح جناته - وأبعده عن النار - لقد كان رجلاً طيباً - مثالاً يحتذى به - يحب للناس ما يحب لنفسه) وغير ذلك من الكلام الطيب المحبوب المقبول للنفوس.
وإن كان غير ذلك فلن يناله إلا السباب واللعن والطعن، وكل ذلك من ضعاف النفوس، لأن الدين لا يأمرنا بذلك، بل يأمرنا بذكر محاسن موتانا، لكن لا شك أن إنساناً آذى خلق الله فلن يكون نصيبه من ألسنتهم إلا ذكر عيوبه والعياذ بالله، والدعاء عليه، والتسخط وعدم الرضا عنه.

■ خاتمة الرسالة :
ذاك هو الحسد, مرض لا يعالجه الأطباء بالعقاقير والسكاكين, ولا يحدد مصدره هل من القريب أم من البعيد, هل من الصديق أم غير الصديق, فكلهم عنده سواء, لا يعرف له أسباب, فحيناً يأتي من شدة المحبة, وحيناً بأسباب الكره والحقد, وهو أشد فتكاً من النار التي تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله, وصدق المثل القائل عند العرب : (قاتل الله الحسد ما أعدله, بدأ بصاحبه فقتله).
الميادين التي يهاجمها الحسد, أكبر وأعرض وأطول من ميادين الحروب, وأوسع من رقعتها الجغرافية, وأعرض من جبهتها الأمامية, وأكثر عمقاً من مسارحها القتالية, فقد يكون المحسود فرداً واحداً, غمس بصفات الخير والعطاء والإنسانية, أو حزباً قوياً متماسكاً, شعاره العدالة والتقوى, هدي إلى الرشد, وألهم أعضاؤه الصواب, وصار حليفه النجاح, وأصبح الحديث عنه ملء الفم, وموضع إشارة البنان, ويخشى جانبه هيبة ووقارا.
وقد يكون المحسود أمة, حباها الله قيادة حكيمة واعية, أنقذتها من النكبات والعثرات, وأبحرت بها إلى بر الأمان, رغم تلاطم الأمواج واشتداد الريح، ورغم قلة المال والحال, والفقر المدقع الذي أصاب الرجال, مع غزارة علمهم, وعلو همتهم, وسداد رأيهم, وصلابة موقفهم, فأتاهم وباء الحسد من الذين كانوا شباعاً مترفين مالاً, ولكنهم جياع للعلم والمعرفة والتقوى, فأمطروا مكرهم ودسهم وخبثهم وحيلهم, فسرت سمومهم بالأوردة والشرايين.
هل يأتي الحسد من الغيرة أم من الشعور بالنقص ؟ الذي يراه مكتملاً عند غيره, ويلبسه أثواب الحرير, ويجمله بألطف الكلام وأعذبه, ويذيقه طعم المن والسلوى, وتحت اللسان طعم المر والعلقم, ويخبئ في مكنون النفس البغض والكراهية, ويصر على تنفيذ منهج الانتقام المدروس, بحنكة ودهاء في عتمة من الليل مع إغماض لجفن العين وشدّ على النواجذ التي أحدثت سرسكة بالأسنان والأضراس.
الحسد والغيرة نراها في مجتمعنا, وبين ظهرانينا, تقتل كل نجاح, وتعيق كل مسيرة هادفة نبيلة, الحسد استشرى حتى أصبح نداء الفشل لكل عمل, وأضحى مدعاة للشك في ولاء كل مسؤول ووسيلة لحربه وإفشاله قبل أن يبدأ ممارسة مسؤولياته, الحسد أكل كل المؤسسات وأجهزة الدولة, من سوء ظنوننا في بعضنا, وإشاعة ثقافة المحسوبية والجهوية بين الكبار والصغار, وجعلها تفسد اللحم وتنخر العظم, وكأن الفساد وانتشاره منبثق من الحسد وحتى التنوع بالفساد وأسبابه, حين تكون ثروة الفاسد انتقاماً من ثروة الغني الناجح.
من الذي زرع بنا هذا كله, وفرق أبناء رب الاسرة عن بعضهم, حتى غدا الأبن ينافس أباه, والأب يحسد ابنه, إنه الحسد وأهله, نعم إلى هذا الحد وأبعد من ذلك, وظهر بالمال وبالجاه والمنصب, ولم يسلم منه الذي شق طريقه الى المسجد ايماناً واحتساباً.
هذا المرض ليس له إلا علاجٌ واحد أوحد لا سواه, لا يعالجه الأطباء, وإن استخدموا السماعات المعلقة على رقابهم, ولا بأجهزة الضغط, وإن أحكمت حبالها على العضد والذراع, هذا المرض يعالجه تقوى الله وشدة الخوف من الحساب في يوم الآخرة.
فنسأل الله السلامة والعافية من سوء الخلق، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال والأدواء، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأًصحابه أجمعين.
■ كتبه يحيى بن موسى الزهراني ـ إمام جامع البازعي ـ بتبوك.
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :