▼ جديد المقالات :

قصة : إنسان القرن الواحد والعشرين «4». ارتميت في أحضان جدّي ذات ليلة مقمرة،...

‏في الشريعة الإسلامية : أصول النعم ــ مكملات النعم. لما كانت الوقاية من البرد...

قراءة في ديوان "مسرى الأشواق" للشاعرة فاطمة قيسر ــ عندما تتحول القصائد لعقد...

معينات على الصبر. قد يبتليك الله في ولدك, في جسدك, في وظيفتك, في قلمك, في...

اختر سجنك أو انطلق حراً. أنت من يختار طريقةً معتقلك .. جعلك الله حراًّ فلا...

المهارة : مفهومها ــ علاقتها بالكفاية ــ أنواعها. يقصد بالمهارة، التمكن من...

مسؤوليات المبتعث السعودي. ■ وفق ضوابط الابتعاث العامة المدونة في الموقع...

في التوقيعات الأدبية : من ذاكرتي «29». ■ تقديرك لوجهة نظر الآخر .. علامة...

علم النفس المهني : التوجيه المهني ــ الاختيار المهني. علم النفس المهني فرع...

المجلس السعودي للجودة .. مسيرة عطاء. 25 عاماً من العطاءِ للمجلس السعودي للجودة...

كلمات مستخدمة في اللهجة المحلية ليست من اللغة العربية. • باغة : تركية ومعناها...

خوف السابقين. يصف الله ــ سبحانه وتعالى ــ عباده المؤمنين بصفات عظيمة، فمن ذلك...

مبادئ ومرجعيات تخطيط الدرس. ■ عند التخطيط للدرس ينبغي أن وضع النقاط التالية...

لاءات السعادة الزوجية. • لا تجرح زوجك بكلمات أو أفعال فتفقد الحب. • لا تخن...

حين تصير الأوجاع حروفا. وحين تتحول الحروف إلى أوجاع .. حين يحضر الصمت إلى...

التدين الشكلي : مفهومه ومظاهره وأضراره. التدين : مأخوذ من الدين، والدين: هو...

الكفاية : المعارف المفاهيمية والإجرائية. لا يمكن الإحاطة بمدلول الكفاية إلا من...

المسؤولية الفردية في القرآن الكريم. ■ قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه...

إنا كل شيء خلقناه بقدر : اﻟﺤﻨﺠﺮﺓ ــ اﻟﺮﺅﻳﺔ ــ اﻟﺴّﻤﻊ ــ اﻟﻠّﻤﺲ. ﻳﻘﻮﻝ اﻷﻃﺒّﺎء :...

الفنان التشكيلي رضوان جوهري : عندما تسمو اللوحة بالإنسان إلى آفاق الحياة...

المبادرة الفردية : نبضات إرشادية على الوسائل التواصلية. تقوم المبادرة الفردية...

شكر وتقدير للمنهل : قصيدة. ■ مكتبة منهل الثقافة التربوية : (الثقافة...

مهارات القائد التحويلي. القائد التحويلي يتمتع بقدرة على تحفيز العاملين كي...

ما الفرق بين أنواع الفوز يوم القيامة ؟ ■ أنواع الفوز يوم القيامة كما وردت في...

دراسة مقارنة بين قصيدتين : التجاني يوسف بشير "في محراب النيل" وإدريس جماع "رحلة...

مليكة جفتاني : فنانة تشكيلية استهواها الرسم فخلقت جسرا خاصا بها نحو عالم...

أمي يا أجمل حكاية. ليس شرطا أن يكون كل الأبطال رجال ,, فكم من امرأة كانت بطلا...

قائد المدرسة المتفاني .. ماذا قدمنا له في تعليمنا ؟ ■ قائد المدرسة المتفاني هو...

العلوم التربوية : مفهوم ومستندات الكفاءة. ■ مفهوم الكفاءة : ● هي مفهومُ عامُ...

متطلبات التكليف بمهام (وكيل مدرسة ــ قائد مدرسة ــ مشرف تربوي ــ خبير...

في ثقافة الرسائل : من قلبي لقلوبكم ! حديثُ القُلوبِ هو الحديث الذي لا يمكن أن...

هل يمكن أن نختلف دون أن نؤذي ؟ قد تمر علينا مواقف نختلف فيها مع احدهم فلا نجد...

المملكة العربية السعودية : عقوبة تغيير معالم النقود المتداولة نظاماً أو تشويشها...

الفساد الإداري : عقوبة جرائم سوء الاستعمال الإداري. أوضحت النيابة العامة أن...

نظام حماية الطفل : تنظيم حالات إيذاء وإهمال الأطفال (التعليم نموذجاً)....

قصة : الشمس تستسلم مرة أخرى

أحمد أحمد هيهات

4605 مشاهدة

◄ قصة : الشمس تستسلم مرة أخرى.
ساعة الظهيرة كان الحر ينفث شرارات لافحة كبعير أدرك متأخرا أنه يساق إلى النحر، في هذا الوقت المبكر من النهار بلغ به الجوع حداً لا يطاق حتى صار كل ما يؤكل عنده سواء، ولم يعد يوجد في نظره خبز سيئ، ومع أنه قد استيقظ لتوه من نوم ثقيل مرّت ساعاته مر السحاب الأبيض الشفّاف الذي لا يلتفت إليه، وقد اضطر لمفارقة الوسادة في هذا الوقت المبكر نتيجة المغص الذي استبد به بسبب الخلاف الكبير والصراع المحتدم بين أنواع المأكولات التي حشرها قسراً في معدته الصغيرة بشكل متتابع وبدون توقف.
ساعة الزوال خرج مغاضباً متوتراً من بيته الصغير المتواضع الذي أصبح مرتبطاً به أكثر من المعتاد، وذلك من أجل إلقاء نظرة متأنية على رحلة الشمس في مدارها الطويل، وكلما قابله أحد معارفه من الجيران أو سكان القرية وبادره بالتحية اكتفى بتحريك رقبته وابتسم ابتسامة تكلف ومرارة وأشاح بوجهه سريعاً عن صاحب التحية واشرأب بعنقه الذي لا يفتر عن الاقتراب من جسمه النحيل المهزول، ميمما لاحظيه شطر الشمس في كبد السماء وهو يحلم واقفاً بكثير من الشوق والشغف أن يرى السعادة التي يخلقها الوصال بين الشفق الثائر والأفق الحزين، وهما يتدثران بأسمال خيوط الليل الزاحفة بكسل يشي بالحزن الشديد على فراق أشعة النهار المشرقة.
عاد متثاقل الخطى إلى بيته وحيرته القاتلة تلبسه وأسئلته العبثية المفارقة للطبيعة والزمان كما يحياه كل الخلق ترهق فكره، وذاكرته الموشومة بعبق الماضي والذكريات والصور الطرية للحظات العودة إلى أحضان الليل، وشبق مباشرة الالتهام والشراهة الطارئة التي تحد من هيجانها شهوة أعظم منها وأرفع لأنها مرتبطة بمكان أرقى وجهاز أسمى، إنها رغبة استنشاق الدخان بعمق شديد وتركيز كبير يكتمل بإغلاق العينين كصوفي في خلوته المريحة وقد بلغ مرتبة الإشراق ومقام اليقين ولحظة الحلول ووحدة الوجود.
ساعة العصر عزم على الخروج مرة أخرى إلى فناء البيت الضيق كي يراقب من جديد حركة الشمس التي أصبحت من أولى أولوياته، وكأنه عالم فلك يتغيى تفنيد نظرية دوران الأرض وحركة النجوم والكواكب، ولكنه فوجئ بالشمس وقد مالت في اتجاه الغرب مسافة لا تتجاوز في نظره قيد أنملة، فأطال التحديق بقرص الشمس اللامع الحارق إلى أن بدأت تتراقص أمام عينيه الألوان، وأضحت الصورة باهتة لم يملك معها إلا أن يفر من هذا التحدي الصعب والمعركة الخاسرة التي تفرضها عليه هذه الشمس الكسولة العنيدة التي أصبحت بطيئة السير على غير - العادة - نحو الجبال المشتاقة والأفق الحزين.
عاد إلى عتبة أكبر غرفة في بيته وقد ملأها بأدوات ومعدات تهييئ حزمة القنب الهندي لحفلة الليل الذي يتماه أن يطول أكثر من الشهر كله بل يريده أن يكون سرمداً، ولكن الليل يخذله وينقضي سريعاً بالتواطؤ مع الفجر الذي يسطو على حصة الليل برضاه، كما يسطو الحكام العرب على حصص شعوبهم اليتيمة من الثروات والحياة.
ساعة الأصيل دفعته مطاردة دجاجة مشؤومة تجرأت عبور وقلب اللوح الخشبي المليء بخلاصة جذوع القنب الهندي المتمخضة عن آلاف الحركات السريعة المتتابعة والمتعاقبة والموَقَّعَة لليدين النحيفتين بالموسى الحادة التي تآكل جزؤها العلوي حتى عادت كالسفود بعد أن أخذ ثأره وحقه كاملاً من اللوح الخشبي الذي أصبح مقعراً في ثلثه الأوسط ومحدباً في ثلثيه الجانبيين، وبعد عدو سريع ومراوغات كثيرة وبذل جهد كبير من قبل الصياد وانهيار قوى الطريدة التي وجدت نفسها وحيدة في ساعة العسرة هاته كمتنبئ انصرف عنه حواريوه.
بعد كل ذلك وقعت الضحية المسكينة في يده فتبسم ضاحكا من وضعها بخبث ومكر، وعيناه تفيضان من الشر وهو يحدق في عيني الدجاجة ذات الألوان القزحية، وهو يفكر في العقاب المناسب للجريرة التي أتتها الدجاجة الإرهابية التي هددت الأمن القومي لأهل البيت جميعهم، بعد تفكير طويل لم يجد أنسب من تجريدها من ريشها دون ذبحها أو ترطيب جلدها وتفتيح مسامه بماء ساخن أو حتى ماء بارد، فقد أراد لها عاراً أو مصيبة لا يجبرها سرور الدهر كله.
ساعة العشي خرج مرة أخرى إلى فناء البيت بعد أن جمع ما تفرق من خلاصة القتب الهندي في قطع من أوراق الجرائد التي قطعت بعناية كي تلف فيها حزمة جذور القنب الهندي التي ما زالت تحافظ على لونها الأخضر الداكن ووريقاتها الحادة الأطراف، وبذورها كروية الشكل وهي مغطاة بشدة وإحكام من كل الجوانب كعروس أطلسية يحملها على بغل موكب من المشيعين إلى منزلها الأخير.
خرج هذه المرة فوجد الشمس وقد تضاعف حجمها أضعافا كثيرة، وفقدت بريقها الذي يؤذي البصر، وغطت إشراقها بدثار برتقالي يميل إلى الحمرة، وأشرعت أحضانها لتعانق الأفق وتغوص في البحار والمحيطات التي لم تمل من استقبالها بالحفاوة ذاتها منذ ملايين السنين.
ساعة الغروب تردد قليلاً قبل أن يغادر عتبة غرفته التي أصبحت نظيفة وخالية إلا من تلك الزربية التقليدية التي تظهر من ثقوبها الكبيرة الأرضية الطينية الملساء بفضل توالي مرات الكنس والرش إلى حد الإشباع من ماء البئر المالحة، وعلى حافة الزربية التقليدية وسادة مستطيلة زرقاء مصنوعة من سروال "جينز" قضى نحبه، وقد ملئت الوسادة بقماش وقمصان وسراويل ومعاطف غربية الصنع أنهكتها مقاومة عوامل الزمن والقدم وكثرة الاستعمال من جيل إلى آخر.
انتصر أخيراً على تردده وأفاق من الإطراق بعد تحريك شفتيه بكلام غير مفهوم كابتهالات راهب ضرير في معبد مهجور، وتجاوز عتبة البيت الصغير فلثمت وجهه نسمات خجولة باردة لم يطرب للانتعاش الذي تبثه في الأرواح الشجية، وركز بصره الحديد على الشمس فلم يجد إلا ذلك اللون القرمزي الذي خلفته وراءها كمأثم سيد وجيه في الدنيا كثر مشيعوه وأحباؤه، والنوارس والحساسين من بعيد ترسم بشكل جماعي في الأفق حركات تشييع وعبرات وداع حامية، وعبارات رثاء وتأبين في حق الشمس التي استسلمت أمام إصرار الرجل وعناده.
image مقالات أخرى للكاتب [8].
قصة مجتمعية : الخوف الذي يأبى الموت.
قصة مجتمعية : البوصلة التائهة.
قصة : الفرحة الحزينة.
قصة : الشمس تستسلم مرة أخرى.
قصة : مثلث البيتزا.
قصة : هل يوجد شيء اسمه السعادة ؟
قصة : وضع الكحل في عيني الأسد.
قصة : علاقات خاصة.

أزرار التواصل الاجتماعي