• ×

09:01 مساءً , الثلاثاء 24 ربيع الأول 1439 / 12 ديسمبر 2017

◄ أحلام تربوية لا تموت : الحصول على الشهادة الجامعية ولو بعد حين.
أحلام مؤجلة لكنها ليس ملغية، هي تلك التي يحملها الطلاب ممن يلتحقون بالجامعات في مراحل عمرية متأخرة للحصول على درجة البكالوريوس وربما أكثر في المجال الذي طالما تمنوه.
هؤلاء (الطلبة الكبار) عمراً وإنجازاً آمنوا بحديث النبي : (اطلبوا العلم ولو في الصين) ونفضوا عن أذهانهم موروث الأمثال الشعبية السلبية على غرار : (بعد ما شاب راح الكتاب).
وبرغم أنهم يشكلون ظاهرة جماعية إيجابية، إلا أن لكل منهم حالة منفردة، أحدى هؤلاء هي نسرين الريان (42 عاماً) التي التحقت بإحدى الجامعات الخاصة منذ ثلاث سنوات لدراسة الأدب الإنجليزي بعد أن زوجت ابنتيها وتفرغت للالتحاق بدراستها الجامعية.
تقول : (زوجني أهلي وأنا بنت 17 عاماً، وبقيت الشهادة الجامعية حسرة في نفسي، حتى بعد أن تخرجت زميلاتي وعدن ليصبحن ربات منزل مثلي).
وتسترجع عقرب الساعات طويلاً باستذكارها الحزن الذي أصابها في حملها الأول الذي تزامن مع التحاق قريناتها بالجامعة الأردنية.
وحول ردة فعل زوجها تجاه عودتها للجامعة، تقول : (رفض الموضوع بداية لكنه ذعن لرغبتي في نهاية الأمر، والحقيقة أنني لم أعد أكترث لتجاوبه مع الموضوع).
وحول الهدف من دراستها تؤكد الريان أنها ستكمل الماجستير ومن ثم الدكتوراه، قائلة : (إذا مد الله في عمري سأعمل في التدريس الجامعي، لا أتخيل أنني سأتوقف عن السعي بعد هذا الانفراج الذي غير حياتي).
وفي الوقت الذي تواجه فيه بعض النسوة صعوبات لا لتحقاهن بالجامعة في فترات متأخرة، تجد أخريات تشجيعاً من قبل عوائلهن.
وترى ميساء غنيمات (37 عاماً) طالبة الحقوق للفترة المسائية في إحدى الجامعات الخاصة أن رغبة المرأة في هذا الصدد هي التي تفرض نفسها، وليس رغبة المحيطين بها.
وقررت غنيمات التي لم تلتحق بالجامعة عقب الثانوية لأن أباها "لم ير فائدة ترجى من تدريس البنات"، أن تحصل على الشهادة الجامعية قبل أن تحتفل بعيد ميلادها الأربعين.
واستجمعت هذه السيدة قواها في بداية العام الدراسي الحالي، وقررت أن تكون محامية ولا شيء آخر، وبطبيعة الحال اضطرت إلى مواجهة ردات فعل مجتمعها الصغير والكبير بما فيه من لوم واستخفاف وإلقاء النكات أحياناً تجاه تعليمها المتأخر.
تقول : (كنت صغيرة آنذاك ولا حول لي ولا قوة، لكن لا شيء يجعلني اليوم وأنا امرأة ناضجة أن أسمح للآخرين بالتدخل وتسيير حياتي بأي شكل).
مؤكدة أن زوجها وأولادها أبدوا تجاوباً كبيراً بل وفرحة لرغبتها، إلا أن أهلها وبحسبها عارضوا بشدة بل وحاولوا إقناع زوجها "بأن لا يضحك الناس عليهم على كبر".
وتقول غنيمات : (أول كلمة سمعتها من أمي كانت المثل الشعبي (التعليم في الكبير..)، لكنني مصرة، والحمد لله زوجي مقتدر ومتكفل بأقساط الدراسية كافة وحتى تخرجي).
من جهته يرى أستاذ كلية الحقوق في جامعة فيلادلفيا د. باسم الطراونة أن الأشخاص الذين يلتحقون بالجامعة في فترات متقدمة من العمر، يُقبلون على الدراسة برغبة أقوى وحماس أكبر.
ويشير إلى دور الخبرة والنضج في استيعاب هؤلاء الطلاب للمواد التي يدرسونها من حيث سهولة إسقاطها على الواقع.
يقول الرواشدة : (الطلاب الكبار في السن يقدرون قيمة الأشياء وأبعادها أكثر من طلاب الثامنة والتاسعة عشرة)، منوها إلى أن الإنسان الذي يحصل على دخله يتمتع بحس أعلى من ذلك الذي يأخذ مصروفه من والده.
ويؤكد أن حماسهم تجاه الدراسة أكبر من طلاب الجيل العشريني "يشعرون أنهم فقدوا شيئا في مرحلة ما وهم على وشك استعادته".
نموذج آخر إيجابي وساطع يقدمه تاجر الخردوات فيصل يغمور (38 عاماً) وهو طالب في فصل التخرج من كلية الاقتصاد في واحدة من الجامعات الخاصة أيضاً.
وهنا لا بد للاعتراف بالانفراج الذي صنعه التعليم الجامعي الخاص والتعليم المسائي في الأردن في أواخر التسعينات من العقد الماضي.
إذ أيقظت الجامعات الخاصة أحلام الكثيرين ممن لم تتأتى لهم الفرصة لإكمال تعليمهم نتيجة المعدل المتدني الذي لم يحقق لهم قبولا في الجامعات الحكومية آنذاك، أحد هؤلاء كان يغمور.
على صعيد آخر يرى اختصاصي علم الإنسان أحمد أبو خليل أن الحلم بالحصول على الشهادة الجامعية لا يقتصر على فكرة الشهادة بقدر ماهو مرتبط بالمركز الاجتماعي وأحياناً برفع مستوى الدخل.
ويربط الإصرار على هذا الحلم بعد مرور سنوات طويلة عليه بالشخصية المتجددة التي ترفض التجمد في مرحلة أو إنجاز محدد، مشيراً إلى أهمية الأخذ كل حالة على حدة وحسب ظروفها.
ويثير أبو خليل نقطة أن يكون السعي وراء الشهادة الجامعية خصوصاً للنساء توفير بديل لزواج مهدد بالانهيار في أي لحظة.
يقول : (الأهداف تختلف إلا أن إثبات القدرة على العطاء هو بالتأكيد عامل مشترك، ومقدر أيضاً).
وهنا يستذكر الطراونة أحدى طالباته المميزات في كلية الحقوق (نوال) التي تخرجت منذ فصلين.
تقول : (نوال كانت جدة ولديها أحفاد، وقد حصلت على كل تقديرنا واحترامنا نتيجة جهدها في متابعة دراستها).
مشيراً إلى أن المفارقة تكمن في كون الطالب العشريني (يحتاج لجهد أقل للدراسة لكنه غالباً لا يبذله، بينما يحتاج الطالب الأكبر سناً إلى جهود أكبر ويحققها وبهذا يكون تحصيله الدراسي أفضل).
يقول لسان حال هؤلاء الطلاب الكبار أن الأحلام قد تؤجل لكنها لا تلغى تماماً، ومع تغير ظروف حياة الإنسان قد يمسي ما كان مستحيلا بالأمس واردا وسهل المنال اليوم.
■ جمانة مصطفى ـ عمان.
 0  0  2929