• ×

06:45 مساءً , الخميس 6 ذو القعدة 1439 / 19 يوليو 2018



◄ نظرية تعدد الزوجات.
لا شك أن الغيرة في النساء هي صفة متأصلة في نفوس الصبايا وحتى العجائز منذ أن مصت المصة الأولى من ثدي أمها (وخاصة في موضوع تعدد الزوجات - حتى لو كانت الزوجة الأولى أو الثانية عقيماً)، وليس ذلك من باب نقص الطعام والشراب في بيتها على نفسها وأولادها، بل من باب الأثرة وحب تملك الزوج لها وحدها (حيث أنها تعتبر الزوج اصبح معرضاً عنها لعدم جمالها أو لعدم قدرتها الجسمية والنفسية على إشباع رغباته الجنسية خاصة بفترة ريعان شبابها وشدة شبقها الفطري، فكم من حالات أصبحت بها المرأة مجرمة وقاتلة للنفس وإزهاق روح زوجها بدون حق (وربما كان السبب نميمة وفتنة من منافق كاذب أراد أن يحرق المحبة والسكينة بين زوجين متحابين منذ أن أراد الله أن يكشفا على بعضهما من العورات ما لم يسبق لهما أبدا أن كشفاه على الوالدين وهما اقرب الأقربين (بل أن هذا الشاب أو الفتاة ما هما إلا من تخليق الله تعالى لهما من ماء ظهر الرجل ومن ترائب تلك الأم في ساعة لذة ومباضعة ورعشة جماع لذيذة لم ينساها كلا منهما بعد عملية القذف من الرجل واستقبال ذلك الماء المني في فرجها على شرع الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

ولنا في التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية الشريفة ما حصل في بيته الخاص عندما كان سبب نزول أول سورة التحريم بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حيث ورد بالتفاسير المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قد جامع مارية القبطية على فراش وفي بيت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وذلك في غيابها عن بيتها، مما جعل نيران الغيرة تتقد في قلب حفصة رضي الله عنها مما جعله يصالح حفصة على أن يطلق مارية القبطية - فيما بعد - وأن لا يشرب أو يأكل العسل بتاتاً ويحرمه على نفسه، مما عاتبه الله تعالى على هذا التصرف بدون وحي وأمر من الله تعالى حيث أن الله تعالى قد خلق العسل من المباحات ابدأ - بل وفيه شفاء للناس - وكما جماع الزوجة الحلال كذلك مباح ولا ضير فيه بتاتاً في أي مكان مستور عن أعين الناس وفي كل وقت (غير أوقات الحيض والنفاس) ويقول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي بتفسير سورة الأعراف : (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا) (الأعراف : 189). أن الرجل إذا جامع وغشي زوجته فحملت فللوالدين نصيب من كل حسنة يعملها المولود حتى وفاته، وإذا جامعها ولم تنجب فإن الله يخلق من تلك النطفة التي قذفها الرجل بالحلال في فرج زوجته يخلق منها غلاماً في الجنة يدعو لوالديه وينتظر قدومهما بالجنة يوم القيامة ؟ فسبحانك ربي ما أكرمك وما أزحمك.
وكذلك أراد علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) يوم أن تزوج ضرة على زوجته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، مما دفع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رفض هذا الزواج محبة في ابنته وقرة عينه (والغيرة عليها) فخيره بأن يبطل هذا الزواج أو أن يطلق ابنته فاطمة، مما دفع علي إلى إبطال الزواج والإبقاء على فاطمة إلى أن ماتت ولحقت بالرفيق الأعلى كأول متوفى وميت من بيت الرسول الكريم صلى الله وسلم. وطبعاً ذلك لا يعتبر تشريعاً نبوياً وسنة من مصادر التشريع التي تعاكس أو تبطل ما ورد بجواز تعدد الزوجات بشكل عام. وإلا كان ذلك مخالفة ظاهرة لما نزل عليه من ربه - وذلك ما كان ولم ولن يكن بتاتاً - ونشهد نحن جميعاً بأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وجاء بالمحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
وكذلك فأن تعدد الزوجات يمنع زواج المتعة المؤقت لبضعة سنوات أو اشهر أو حتى بضع ساعات بل الزواج في وقت واحد من اكثر رجل واحد - وباعتراف بعض نساء الشيعة على اليوتيوب أنهن يتزوجن زواج المتعة للرغبة الجنسية فقط (بمعنى أن عندهن شبق جنسي شديد - بل قل محنة جنسية - لا تشبع أو ترتوي من زوجها الوحيد بالحلال ولو بكل ليلة بل قل بكل ساعة) مما يجعلهن أمتعة وأوعية لنقل الأمراض الجنسية المتعددة - ومن اجل عدم وجود هذا المبدأ الفاسد بزواج المتعة من الناحية الشرعية، فقد اكتشف العلماء بأن العدة الشرعية للمطلقة بثلاثة اشهر أو بالنسبة للأرملة بأربعة أشهر وعشرة أيام بأن لقضيب الرجل بصمة خاصة في فرج الزوجة لا يمكن أن تزول من الناحية النفسية وحتى الجسمية إلا بعد انقضاء المدة تماماً كما شرع الله تعالى في كتابه الكريم - وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. فسبحان الله أحسن الخالقين.

■ يقول فضيلة الشيخ عبدالقادر عوده في كتابه (التشريع الجنائي في الاسلام) ( ♦ ) :
جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها مبيحةً لتعدد الزوجات بشرط أن يعلم الزوج من نفسه القدرة على عدل بينهن، فإن كان يعلم أنه لا يستطيع العدل بينهن أو يخشى أن لا يعدل بينهن فلا يجوز له أن يتزوج غير امرأة واحدة، وإذا كان يعلم أنه يستطيع العدل بينهن فليس له أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وذلك قوله تعالى : (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) (النساء : 3).
وقد سايرت الشريعة الإسلامية منطقها الخاص، وسايرت الطبيعة البشرية، وجاءت متفقة مع الغرض من الزواج حينما قررت إباحة تعدد الزوجات.
• فإما أن الشريعة قد سايرت منطقها الخاص : فذلك أن الشريعة تحرم الزنا تحريماً كلياً وتعاقب عليه أشد العقاب حتى أنها لتعاقب الزاني المحصن بالرجم (أي القتل رمياً بالحجارة) فوجب أن لا تحرم الزنا على الناس من وجه وتدفعهم إلى الزنا من وجه آخر، ولا شك أن التحريم تعدد الزوجات يدفع الناس إلى الزنا، ذلك أن عدد النساء في العالم يزيد على عدد الرجال، ويزداد الفرق بينهما كلما نشبت الحروب وتعددت، فتحريم الزواج إلا من واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وحرمان المرأة من الزواج مع استعدادها له معناه أن تجاهد المرأة طبيعتها، وهو جهاد ينتهي غالباً بالفشل والاستسلام وإباحة الأعراض والرضا بالسفاح، وكذلك فإن الرجل والمرأة يختلفان من حيث استعدادهما للعملية الجنسية، فالمرأة ليست مستعدة في كل وقت لغشيان الرجل إياها؛ لأنها تحيض كل شهر أسبوعاً في المتوسط، وقد تصل أيام الحيض إلى أسبوعين، وغشيانها محرم في الحيض، ولأنها عندما تلد يحرم غشيانها مدة النفاس وهي أربعون يوماً تقريباً. كذلك فإن استعداد المرأة يضعف طول مدة الحمل أو على الأقل مدة الإثقال بالحمل، أما الرجل فاستعداده واحد لا يختلف باختلاف أيام الشهر والسنة، فإذا حرم على الرجل أكثر من واحدة كان معنى ذلك حمل الكثيرين على الزنا، لأنهم لا يستطيعون أن يكبتوا غرائزهم الجنسية أيام الحيض والنفاس والإثقال بالحمل.
• وإما أن الشريعة الإسلامية سايرت طبائع البشر في إباحة تعدد الزوجات : فإنها قدرت قوة الغرائز الجنسية حق قدرها، فلم تعرض الرجل أو المرأة لامتحان إن نجح فيه عشرات سقط المئات، ولم تفرض على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تحكم على بعض النساء بالبقاء عوانس مدى الحياة، يتمنين الرجل فلا يحصلن عليه، ويحملن بالأولاد والأسرة ولا سبيل إلى تحقيق حلمهن، ويقاومن الغرائز الجنسية فلا تعود عليهن المقاومة إلا بضعف الصحة والعقل وخسارة الشرف والعفة، ولم تفرض الشريعة على الرجل أن يتزوج واحدة فقط حتى لا تعرضه للوقوع تحت سيطرة الغرائز الجنسية في فترات الحيض والنفاس أو غيرها من الفترات التي يضعف فيها استعداد المرأة للاستجابة، لأن الرجل في الغالب يخضع لسلطان الغريزة أكثر مما يخضع لسلطان العقل، شأنه في ذلك شأن المرأة، وإن كانت طبيعة المرأة تساعدها على كبت غريزتها أكثر مما يستطيع الرجل. وأما أن حكم الشريعة في إباحتها التعدد متفقاً مع الغرض من الزواج. فالأصل أن الغرائز الجنسية ركبت في الرجل والمرأة لحفظ النوع، وأن الزواج شرع للتناسل وتكوين الأسرة، فإذا تزوج الرجل امرأة عقيماً ولم يبح له أن يتزوج غيرها فقد تعطلت وظائفه الجنسية عن أداء الغرض الذي خلقت له، وتعطل الغرض من الزواج نفسه، كذلك فإن قدرة الزوج على التناسل غير محدودة أما قدرة المرأة فلها حد لا تتعداه؛ فالرجل يستطيع أن ينجب أولاداً حتى يبلغ الستين أو السبعين في المتوسط وهو في الغالب أقصى عمره، أما المرأة فتنعدم قدرتها على التناسل فيما بين الأربعين والخمسين، فلو حرم على الرجل أن يتزوج أكثر من واحدة لكان معنى ذلك تعطيل وظيفته التناسلية حوالي نصف المدة التي يستطيع فيها أن يؤدي هذه الوظيفة.
هذه هي نظرية الشريعة في إباحة تعدد الزوجات، قررتها لدفع الضرر ورفع الحرج، ولتحقيق المساواة بين النساء ولرفع مستوى الأخلاق، وظاهر من النص الذي قررها أنه نص عام إلى آخر حدود العموم، مرن إلى آخر حدود من المرونة، وهذا جعله محتفظاً بصلاحيته التي كانت له من ثلاثة عشر قرناً، وما سيجعله محتفظاً بهذه الصلاحية إلى ما شاء الله.
ولم تأت الشريعة بهذا النص لتساير به حال الجماعة، فقد كان العرب يجيزون تعدد الزوجات إلى غير حد، ولم يكونوا يستسيغون تحديد عدد الزوجات، وقد اضطر الكثيرون منهم بعد نزول النص إلى إبقاء أربعة فقط من أزواجهم وتطليق الباقيات، لكن الشريعة جاءت بهذا النص لترفع به مستوى الجماعة، ولأن وجوده ضروري في شريعة دائمة كاملة لا تقبل التغيير والتبديل.
ونظرية الشريعة في تعدد الزوجات من النظريات التي لم تعترف بها القوانين الوضعية حتى الآن، بل كانت هذه النظرية قديماً مدعاة لتندر الأوروبيين واستهجانهم، وأداة يستخدمونها في طعنهم على الإسلام، أما اليوم فإن النظرية تجد لها في نفوس علمائهم ومصلحيهم مكاناً، وفي صحفهم السيارة موضعاً، ومن يدري لعل اليوم الذي تأخذ فيه القوانين الوضعية بهذه النظرية قد أقترب، فإن الحرب العظمى التي وقعت سنة 1914 والحرب الأخيرة التي وقعت سنة 1939 قد ساعدت كلاهما على تهيئة الأذهان لهذه النظرية، حيث قتل في كل من الحربين عدد كثير من الرجال وترمل عدد كبير من النساء، وزاد عدد النساء على عدد الرجال زيادة ظاهرة.
والحق أن الحروب لم تكن هي الدافع الوحيد الذي حمل الأوربيين على التفكير في إباحة تعدد الزوجات، إنما حملهم على ذلك أسباب أخرى متعددة، منها انتشار المخاللة (الصداقة بدون الزواج الشرعي) بحيث أصبح لكل رجل عدد من الخليلات يشاركن زوجته في رجولته وعطفه وماله، بل قد يكون لإحداهن في هذه أكثر من نصيب زوجته، ومنها شيوع الزنا وما يترتب عليه من جنايات أقلها كثرة أبناء السفاح الذين يقذف بهم إلى الشوارع خوف العار، وقتل الأجنة في بطون أمهاتها، ومنها الزيادة الطبيعية في عدد النساء وحاجة هؤلاء إلى أن يكنّ زوجات وأمهات، ومنها قلة النسل قلة ظاهرة في الشعوب الأوروبية، فهذه الأسباب مجتمعة مع غيرها دعت الناس إلى أن يفكروا في إباحة تعدد الزوجات باعتباره العلاج الطبيعي لهذه الظواهر والأمراض الاجتماعية الخطيرة.

( ♦ ) «التشريع الجنائي في الإسلام مقارنا بالقانون الوضعي» ذلك الكتاب القيم الذي اكتسب شهرة واسعة، ويعد بحق الكتاب الأول في التاريخ الفقهي الذي يتناول أحكام الفقه الجنائي الإسلامي بترتيبها الذي تعرفه كتب القانون الحديثة.
وقد اكتسب الكتاب أهمية خاصة لأن الجزء الأول منه صدر قبيل استشهاده، وصدر الجزء الثاني بعد استشهاده بقليل، ولم تمض خمس عشرة سنة حتى كان الكتاب ملهما رئيسا للمشرعين والباحثين في عدد من الدول العربية والإسلامية، ثم ترجم إلى الفارسية والأردية والإنجليزية، ولا تكاد مكتبة تخلو منه.
وغيرها من الكتب والبحوث والدراسات والمقالات التي تكررت طباعتها مرات ومرات وترجمت إلى كثير من اللغات، بل إن العديد من طلبة الدراسات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي قدموا أطروحاتهم للماجستير والدكتوراه عن مؤلفات عبدالقادر عودة باعتباره الرائد في هذا الميدان، وقلما تخلو رسالة جامعية أو كتاب مؤلف في الفقه الجنائي من الإحالة إلى أحد كتبه وخصوصا كتاب «التشريع الجنائي في الإسلام».
 0  0  2418
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:45 مساءً الخميس 6 ذو القعدة 1439 / 19 يوليو 2018.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.