د. عماد الدين قرشي محمد حسن.
إجمالي المشاركات : ﴿5﴾.
1448/02/14 (06:10 صباحاً).

المستَوياتُ الأُسلوبيَّةُ وتجلِّياتُ الحزن في "ثلاثيَّةِ الفَقْد" للشاعر طارق ياسين.


■ المُسْتَوَيَاتُ الأُسْلُوبِيَّةُ وَتَجَلِّيَاتُ الحُزْنِ فِي "ثُلَاثِيَّةِ الفَقْدِ" للشاعر طارق ياسين.
يُعد الفقد من أعمق الجراح التي تترك أثرًا في الوجدان الإنساني، وهو من أصدق المشاعر الإنسانية التي تذكي قريحة الشَّاعر، فتحول لوعته الذاتية إلى دفقات إنسانية؛ فالشعر في جوهره محاولة واعية من الشَّاعر لترميم الانكسارات النفسية، وحين يتناول الشَّاعر طارق ياسين "ثلاثية الفقد"، فإنَّه لا يقف عند حدود البكاء العابر، بل يرسم جغرافيا شعورية متكاملة تتدرج عبر ثلاث محطات شعرية:(انتظار، وقاب قوسين، وبوح)؛ شكَّلت بذلك ما يمكن تسميته بـ "ثلاثية الفقد"؛ حيث وجدتُ أنَّ هذه القصائد تمثل بمجموعها تدرجاً شعورياً يبدأ من قلق التَّرقب والوقوف على جمر الوقت في (انتظار)، ليفيض متدفقاً بالاعتراف والمكاشفة الوجدانية في (بوح) قبل أن يصل إلى غايته التي يرى من خلالها الغائب في (قاب قوسين)، بيد أن القيمة الإبداعية لهذه الثلاثية لا تكمن في طبيعة التَّجربة الوجدانية فحسب، وإنَّما في كيفية تحويل هذه الشحنات العاطفية المعتملة في النفس إلى "بنية لغوية" قادرة على التأثير، ويبدو أنَّ هذه القصائد الثلاث قد نُظمت متواترة ولا أدري إن جاء نظمها على الترتيب السابق أم لا؛ لذا لزم تأريخ النصوص، ومن هذه الحيثية تنهض هذه الدراسة المعنونة بـ "المستويات الأسلوبية وتجليات الحزن في ثلاثية الفقد للشَّاعر طارق ياسين".
تعتمد هذه الدراسة على الأسلوبية الحديثة؛ بوصفها منهجاً ذا قدرة عالية على كشف التفاعل بين الشعور والشكل التعبيري، وتفكيك الأدوات الشعريّة التي جعلت من تدرجات الحزن الذاتي حقيقة فنية معيشة داخل النص، وتتأسس هذه الدراسة التطبيقية التحليلية على تتبع أربعة مستويات أسلوبية رئيسة تضافرت في بناء جماليات الفقد لدى الشَّاعر؛ بدءاً من المستوى المعجمي الذي يميّز بين أبعاد الألفاظ ومعانيها الموزعة بين ألم الغياب ودفء الذكريات، وصولاً إلى تركيبها في المستوى النحوي الذي يحلل حركة الجمل وبنيتها النَّحوية كأداة للتعبير، ومرورًا بـالمستوى البياني الذي يتتبع قوة المجاز، متخذاً من أنسنة الأشياء مرآةً تُجسد حجم الانكسار النَّفسي، وانتهاءً بالمستوى الإيقاعي الذي يرصد دقات الحزن الداخلية من تآلف الكلمات وتجانسها وتكرارها.
● المستوى المعجمي:
إنَّ المفردة المعجمية في هذه الثلاثية لا تؤدي وظيفة إخبارية محايدة، بل تُشحن بطاقة عاطفية تنقل تجربة الفقد من مستواها الإنساني العام إلى مستواها الوجدي والروحي الخاص، ويتجلى ذلك في الجمع بين الألفاظ الدَّالة على الوجع، مثل:( جوى، ألم، حزن، لوعة، كمد، أرَّقني، أثخن)، وألفاظ الطبيعة، مثل:( سحب، الرعد، جمر، اشتعال)، في نص (قاب قوسين)، ولعل هذا الدَّمج يشير إلى أنَّ الشاعر يحاول أن يشرك الطبيعة والكون في معاناته، فعندما تضيق به نفسه من لوعة الفراق يستعين بالطبيعة؛ لتكون شاهداً على معاناته، كما جسَّد الألم في صورة حسية ملموسة، مثل قوله:" واستمطرت سحب التفريق بالرعد" فهنا جسّد الفراق والقطيعة بصورة سوداء ممطرة مصحوبة بالرعد، فأعطي الألم بعدًا ماديًا.
ونلاحظ في قصيدة (انتصار) احتوى المعجم الشعري في هذا النص على تنازع لغوي حيث انحصرت مفردات النَّص في اتجاهين: اتجاه يحمل المعاناة والألم وتعبِّر عنه الكلمات:( أغالب، دهرًا، قاتم، حالك، ارتعاش، هالك، الغدر)، واتجاه آخر يحمل الفتح والرجاء وتعبِّر عنه الكلمات:(الحب، الألق، ينهل، فيض، طائر الأحلام، سعدًا، الوقار)، ولعل هذا التناقض خلق في النَّص صراعًا دراميًا؛ حيث انتقل الشَّاعر من قمة المعاناة والألم إلى تجدد الأمل والرجاء.
● المستوى النحوي:
لا تقف التراكيب النَّحوية في هذه الثلاثية الشعرية عند حدود القوالب المعيارية الجافة، بل تتحول إلى أدوات أسلوبية مشحونة بالطاقة الوجدانية، التي تعكس بدقة حركة النفس وتأرجحها بين وعثاء التَّرقب، ولوعة البوح، والتَّماهي المطلق مع الغائب.
في قصيدة(بوح) وُظِّفت البنية النَّحوية والتَّركيبية لخدمة الدلالة الشعورية؛ فاستهلَّ النَّص بجملة اسمية "بعض الحنين تعمقت سطوته"؛ ليرسخ معنى الثبات والاستقرار في حين جاء الخبر جملة فعلية "تعمقت سطوته"؛ ليدلَّ على أنَّ هذه السطوة لم تكن جامدة، بل هي متجددة كلَّما استيقظت الذكرى في خاطره، كذلك توفق الشَّاعر في اختيار الفعل الماضي "تعمقت" حيث جاء ليؤكد حتمية هذا التغلغل وثباته داخل النفس.
وفي قصيدة (انتصار) جاءت كلمة "دهرًا" في قوله: "وبِتُّ أغالبُ الأشواق دهرًا" نكرة منصوبة على الظرفية الزمانية لتفيد الاستغراق أي لم تكن حالة عابرة، وإنَّما جاءت بغرض التهويل فالشَّاعر لا يقصد "الدهر" بمعناه المعجمي وإنَّما أراد أن يعبر عن الزمن النفسي.
أما في قصيدة (بوح) من الناحية الصَّرفية فقد اختار الشَّاعر وزنين من جموع القلة: (أهدابا، أعينا) في قوله:" ‏أرتاد أهدابا وأسكن أعينا"، "أهداب" على وزن "أفعال"، و"أعين" على وزن "أفعل"، والمعروف أن جموع القلة تُستخدم في اللغة للمعدود الذي يتراوح من الثلاثة إلى العشرة، لكن اختيارها هنا يحمل لفتة عميقة تخدم المعنى، فالشَّاعر لا يتحدث عن أعين كثيرة مُشاعة للناس بل يتحدث عن أهداب وأعين لشخص محدد هو "المحبوب" فالقلة هنا تفيد حصر الاهتمام، كذلك استخدام الفعل المضارع:( أرتاد، أسكن) للدلالة على الاستمرار المتجدد فهو في حالة وجدانية دائمة ومتجددة.
ولعل بناء الفعل للمجهول "يُبنَى" في قصيدة (انتصار) في قوله:
"وبِـــتُّ أغالـبُ الأشـــواق دهرًا • • • فقَصرُ الشوق يُبنَى في منالِكْ "
يحمل دلالة فنية عميقة وهي تفخيم وتعظيم "المنال"؛ فلا يمكن أن يشيد هذا القصر إلا في رحاب المحبوب.
● المستوى البياني:
تنزاح الصورة البيانية في الثلاثية عن الإطار الوصفي التقليدي لتعتمد على "التشخيص الحركي"، محوّلةً المشاعر المجردة إلى كائنات ناطقة تشارك الشَّاعر وظيفته الدرامية في النص، وفي قصيدتي:(قاب قوسين و انتظار) يعمد الشَّاعر إلى تنوع الأساليب الخبرية والإنشائية، كالنداء الاستهلالي في الأبيات:
"يا قاب قوسين من روحي ومن خَلَدي • • • أنتِ المـــرامُ، فكيف الوصل؟ فاتئدي"
فكلمة "قاب قوسين" تعني في اللغة مقدار قوسين، و"القاب" هو المسافة بين مقبض القوس وطرفها، وهو نداء الغرض منه بيان شدة قرب المحبوب، والتعبير فيه تناص مع القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ) سورة النَّجم الآية (9)، وهو استعارة تصريحية حيث شبَّه الشَّاعر القرب الروحي بالقرب المكاني أي المعنوي بالحسي، فصرَّح بلفظ المشبه به الدال على المسافة "قاب قوسين" وحذف المشبه "شدة القرب"، وسرُّ بلاغة الاستعارة هنا أنَّ الشَّاعر أراد أن يعطي حبَّه قيمة عالية؛ فالمحبوب ساكن في باله "يا قاطن البال"، وهنا وقفة تأملية: هل يصلح استعارة تعبير قرآني يصف اللِّقاء الإلهي وتطبيقه على وصف المحبوبة؟
وفي قصيدة (بوح) التي تمثل لحظة التَّخلي عن الصَّمت وإعلان ذلك الفيض الوجداني والاعتراف بضعف الذات أمام عاصفة الفقد، وتبرز الاستعارة المكنية في قوله: "بعض الحنين تعمقت سطوته" حيث شبَّه الحنين بإنسان يملك القوة والسلطان، فحذف المشبه به وأبقى صفة من صفاته وهي (سطوته)، ولعل هذه الاستعارة أضفت على الصورة طابعًا إنسانيًا(أنسنة)؛ ليبرز شدة الشوق، كما وُظِّفت الصورة البيانية لجعل الذكريات إنسانًا "تطامنت" سريرته، ولعل من أسرار هذا التركيب تقديم المبتدأ على الخبر بغرض لفت انتباه المتلقي وتشوقه لمعرفة الخبر وبيان أهميته.
وفي قصيدة (بوح) يستهل الشَّاعر هذا المقطع تتجلى براعة الحذف في قوله:
"بوحٌ تسرَّب في مسام الروحِ • • • يجتاح السحيق مـــن الدنى"
حيث استهل الشَّاعر هذا المقطع بجملة اسمية حُذف مبتدؤها جوازًا تقديره "هذا بوحٌ"، ليأتي الخبر (بوحٌ) نكرة مقصودة الغرض البلاغي منه هو التركيز على الخبر لتعظيم شأنه وإعلاء قيمته.
وتتآزر الحواس في تقديم مشهد الفقد، لاسيما في قصيدة (قاب قوسين):
"فرّت بقية صبرٍ كنت أخزنها • • • حتى أهيِّئَ نفسًا للهوى الأبدي"
استعارة مكنية شخّصت الصَّبر في صورة كائن يلوذ بالفرار والهروب أمام زحف الشوق، والصُّورة توحي بنفاذ طاقة الشَّاعر النفسية، وكذلك الاستعارة المكنية في قوله:
"قلبي كساه جوىً قد زاده ألمًا • • • إني أروم لقـــاء الحب والسعد"
حيث تحول الجوى إلى ثوبٍ يرتديه القلب، وهي صورة تضفي صفة إحاطة الشوق للقلب.
● المستوى الإيقاعي:
الموسيقى في هذه الثلاثية هي الصدى الصوتي لآهات الشَّاعر، وخاصة الداخلية التي نشأت من رعاية التآلف والتناسب بين الكلمات مع بعضها البعض، والمحسنات البديعية والهندسة الحرفية لتشكيل إيقاع شجي يخدم الدلالة المكلومة.
وإذا تتبعنا نص (انتظار) نجد النَّص قد حفل بأنواع كثيرة للجناس مثل قوله:
"فيا وقتًا تطــاولَ حيــــن غابتْ • • • فيومي قاتمُ الأوقات حالِكْ
وعقلي في ارتعاشٍ صار يهذي • • • ويسأل مُدنَفًا عن كُنه حالِكْ"
فقد جانس الشَّاعر جناسًا تامًا بين كلمتي (حالِكْ)التي جاءت في عروض البيت الأول، و(حالِكْ) التي جاءت في عروض البيت الثاني، وحالك الأولى بمعنى:(الظلمة)، وحالك الثانية بمعنى:(شأنك)، وتتجلى في هذا الجناس قيمتان فنيتان: الأولى في المعنى؛ فقد أراد الشَّاعر أن يدمج بين سواد حاله وظلمته، وبين سؤال المحبوب عن شأنه، والثانية في اللفظ؛ فقد أضفى الجناس على موسيقى البيت نغمات إيقاعية متناظرة.
وكذلك في قوله:
"وأعـــلم أنَّ بــوحًا يرتجيني • • • فروحُ الغدر ليست من شِمالِكْ
وأدَّرع الوقار، وصوتُ قلبي • • • يُقَلّــــــِبُ لي جنوبي في شَمالِكْ"
فقد جانس بين" شِمالِكْ" التي في عروض البيت السَّادس، وبين" شَمالِكْ" التي في عروض البيت السَّابع، وهذا النوع من الجناس يطلق عليه الجناس الناقص "المُحرَّف" لأنَّه وقع على شكل الحروف، و(شِمالِكْ) الأولى بمعنى الطباع والخصال، و(شَمالِكْ) الثانية بمعنى الاتجاه الجغرافي.
وفي قصيدة(بوح) استخدم الشَّاعر جرسًا موسيقيًا خفيًا نلمسه في البيت التالي:
"‏بوحٌ تسرَّب في مسام الروحِ • • • يجتاح السحيق من الدنى"
فقد اتكأ هذا البيت على نغم موسيقي خفي نشأ من تآلف الحروف، كحرف (السين) بصفيره الرَّشيق في الكلمات:( تسرَّب، مسام، السحيق)، وحرف(الحاء) بهمسه الدافئ المتكرر في الكلمات:(بوح، الروح، يجتاح)، مما أضفى على البيت تناغمًا موسيقيًا ساعد في تعميق المعنى.
وفي نفس النَّص خلق الشَّاعر نغمًا داخليًا متسقًا في التناظر الصَّرفي بين:
"أرتاد أهدابا" و"أسكن أعينا" الذي جاء في قوله:
‏"وبقيــــت وحــــدي هـــاهــــنا • • • أرتاد أهدابا وأسكن أعينا"
كما نجد التناص التَّركيبي في قوله:
"شيءٌ من الوله القديم تجددا • • • جازَ المرافئ والوهاد ليقطنا"
مع الشَّاعر محمد عبدالباري في قوله:"شجر من الحدس القديم هززته"، فالنَّصان يتقاطعان في استدعاء أفكار قديمة وإعادة إحيائها في الحاضر.
كذلك من الأدوات التي ساعدت في تذكية الإيقاع الموسيقي تكرار النداء "يا قاب قوسين" في النَّص ثلاث مرات؛ مما جعله لازمة موسيقية تُعيد المتلقي إلى مركز الصراع، وتُعيد الشَّاعر إلى القرب المعنوي كلَّما "شطتْ مسافة وصلٍ" أو " إنَّ البعد أرّقني والشوق أثخن في روحي".
كذلك يتجلى أثر التَّضاد في المعنى بين "قاب قوسين" التي تشير إلى القرب الشديد، و"شطت مسافة" التي تشير إلى البعد الشديد، فقد أحدث نوعًا من التوازن القائم على التقابل، وساعد على إيضاح المعنى وتأكيده، "والشيء يظهر حسنه الضد".
وبقدر ما تتجلّى في هذه الثلاثية حرارة العاطفة وصدق المكابدة، فإن القراءة التحليلية المتأنية لبنيتها الأسلوبية تفتح في النص أفقاً لرصد بعض اللفتات التشكيلية التي أطّرتْ هذا التَّدفق الوجداني، ويمكن إيجازها في إشارتين:
• الأولى: اتكاء نص (انتظار) على مجازات كلاسيكية مستقرة في الذاكرة الأدبية مثل: (مغالبة الأشواق، طائر الأحلام، فيض الوصال، وجه المرايا)؛ وهي تركيبات تفتقر إلى الدهشة التخييلية، وتجعل القصيدة أسيراً للمحاكاة التقليدية.
• الثانية: النصوص بشكل عام تميل إلى التقريرية والمباشرة.

■ وفي الختام:
نجحت "ثلاثية الفقد" في تطويع المستويات الأسلوبية المختلفة لتكون مرآة عاكسة لتجليات الحزن العميقة، ولم تكن هذه الأدوات الأسلوبية مجرد زينة لفظية، بل تحولت إلى قنوات تعبيرية جسَّدت لوعة الفراق وصدمة الغياب، مما أضفى على النصوص أبعاداً جمالية ونفسية مؤثرة.