د. فاطمة صالح باهميم.
إجمالي المشاركات : ﴿31﴾.
1448/02/01 (06:25 صباحاً).

عاشوراء.. حين يصنع يوم واحد تاريخا - تأَملات في الشكر والنجاة.


■ عاشوراء.. حين يصنع يومٌ واحدٌ تاريخًا.
■ عاشوراء.. تأملات في الشكر والنجاة.
ليست الأيام سواء، فبعضها يمر على الناس كما تمر السحب العابرة، وبعضها يبقى أثره ممتدًا في الذاكرة الإنسانية جيلاً بعد جيل. ومن هذه الأيام يوم عاشوراء؛ يومٌ اختلطت فيه مشاعر الخوف بالرجاء، والضعف بالقوة، والأسباب المحدودة بقدرة الله التي لا يحدها شيء.
كلما تأملت قصة موسى عليه السلام في ذلك اليوم، استوقفتني تلك اللحظة الفاصلة التي بدا فيها الطريق مغلقًا من كل جهة. بحرٌ أمام قومٍ مستضعفين، وعدوٌ متجبر خلفهم، حتى قالوا في لهفة الخائف: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.
لم يكن المشهد يوحي بنجاة، ولم تكن الحسابات الأرضية تبشر بمخرج، لكن اليقين كان يرى ما لا تراه العيون، فجاء الجواب الواثق: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انشق البحر، وظهر الطريق في الموضع الذي ظنه الناس نهاية الطريق.
عبر المؤمنون آمنين، وغرق فرعون الذي ملأ الأرض صخبًا بقوته وسلطانه.
وفي لحظات قليلة تبدلت الموازين، ليتجلى درس يتكرر في التاريخ كثيرًا:
أن القوة ليست دائمًا فيما تراه الأبصار، وأن الأسباب مهما عظمت تبقى خاضعة لأمر الله.
ولعل من أجمل ما في عاشوراء أنه لا يروي لنا قصة نجاة فحسب، بل يعلمنا كيف نتذكر نعم الله ولا نعتادها حتى تغيب عن قلوبنا. ولذلك كان يومًا للشكر قبل أن يكون يومًا للذكرى.
صامه موسى عليه السلام شكرًا لله، وصامه نبينا محمد ﷺ وقال: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصار صيامه سنةً يجتمع فيها الشكر والاقتداء والتذكير بأيام الله.
وفي هذا اليوم تتجدد معانٍ كثيرة؛ منها أن الظلم وإن طال أمده لا يملك ضمان البقاء، وأن الطغيان مهما ارتفع صوته فإن له نهاية مكتوبة لا يملك دفعها.
ومنها أن تدبير الله لعباده قد يأتي من أبواب لم تخطر لهم على بال، وأن الفرج قد يكون أقرب إلينا مما نظن، لكنه يأتي في الوقت الذي يقدره الله لا في الوقت الذي نستعجله نحن.
كما يذكرنا عاشوراء أن الحق لا يموت مهما أحاطت به حملات التشويه أو الاستهزاء أو التهم الباطلة، فالعاقبة ليست لمن يملك الضجيج الأكبر، بل لمن يملك الحق الأثبت.
ويوم عاشوراء؛ رسالة متجددة لكل قلب أثقلته الهموم، ولكل إنسان ضاقت عليه السبل، ولكل أمة مرت عليها أيام عصيبة. رسالة تقول إن وراء كل بحرٍ من المخاوف طريقًا يفتحه الله لمن أحسن الظن به، وأن ما يبدو مستحيلاً في أعين الناس قد يكون عند الله بداية الفرج.
■ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.