طارق يسن الطاهر.
إجمالي المشاركات : ﴿91﴾.
1448/02/15 (08:22 مساءً).

حين يكون الحزن قصيدة : تأملات في قصيدة "أريكة الجمر" للشاعر السعودي شيخ بن علي الصنعاني.


■ سكب شاعرنا الكبير شيخ بن علي صنعاني عصارة مشاعره في هذا النص المكثف المركز، وحشد فيه كل طاقاته الإبداعية الكامنة، وجمع فيه كل قدراته اللغوية، فقدم لنا نصا وجدانيا رومانسيا شجيا يؤثر في النفس الإنسانية، ويشجي القلوب.
اختار شاعرنا لنفسه معرّف "الناي الجريح"، ومن يقرأ هذه القصيدة يؤمن إيمانا بالغا بأن الشاعر فعلا هو الناي الجريح، فقد خرجت القصيدة حزينة، كما تخرج الألحان من الناي.
لو توقفنا عند عتبة العنوان نجد أنه أسمى قصيدته "أريكة الجمر"، وياله من عنوان موحٍ ودلالاته موجعة!، فهذه الأريكة التي من الطبيعي أن تكون مصدرا للراحة والاتكاء، صارت هنا مؤلمة مفجعة موجعة؛ لأنها صُنعت من جمر!! وقد أورد الشاعر ذلك في بيته:
آه لقلب على جمرٍ أريكته • • • يكابد البين، في أعماقه اغتربا

عنوان" أريكة الجمر" تركيب إضافي بإضافة نكرة إلى معرفة، ويدل ذلك- نحويا- على التعريف.
يحكي شاعرنا في هذه القصيدة معاناة المحب وشوق الملتاع، ويبرز عاطفة المشتاق ولهفته للقاء من يحب، ويذكر لنا أن الهجر قتّال حين ينسكب، وحينها يغدو المحب طفلًا ضاعت خطاه في الطريق، فتاه على غير هدى، ففارقه السعد وزادت الظروف من حر قلبه وتشظِّي ذاته، فلم يزل يغالب الشوق ويكابد البين حتى غلبته الغصة فارتحل مغادرا الديار، والموت مخيم فوقه.

عبّر شاعرنا عن كل تلك المشاعر، وترجم جميع تلك الأحاسيس عبر صور بلاغية راقية ورائعة، منها:
الصور الممتدة التي امتدت لبيتين، أو أكثر، كما في قوله:
أما رأيت بأني في الحياة كما • • • طفل صغير قلاه الدرب فارتعبا
وتاه من قسوة الأيام منكسرا • • • من بين جفنيه نبض السعد قد سلبا

وكذلك الكناية، ومنها في قوله: نبض السعد قد سلبا.
وهي كناية عن صفة، تدل على كثرة شقاء هذا الطفل الذي شبه الشاعر نفسه به.

ومن أروع الصور قوله: آه لقلبٍِ على جمر أريكته.
بدأها بالتوجع والتفجع مستخدما اسم الفعل المضارع "آه"، ثم ذكر أن القلب يتكئ على أريكة من جمر، وهنا بيان واضح لشدة الألم وقسوة الحرقة.

وإلى صورة بلاغية عجيبة احتوت على المبالغة، لكنها مبالغة محمودة، فجراحُه استشرت وتمددت ووصلت إلى السحب من قوة انتشارها وشدة إيلامها:
بالله رفقا، أما شاهدت في كبدي • • • من التجافي جراحا أدمت السّحبا؟!

أما بيته:
كأنه غصة في ثغر مرتحل • • • عن الديار ومنه الموت قد قربا
فيمكن أن يُكتب عنه كتب، من ثرائه وتنوعه وبراعته، ولكنني أكتفي ببعض الإشارات التي تفسر ما ورد في البيت:
ففيه تشبيه بديع من الشاعر ورد في صورة ممتدة على بيتين، وكذلك المفاجأة المدهشة للقارئ هي خروج البيت عن النمطي المألوف؛ حيث جعل الغصة في الثغر، وليست في الحلق كما هو معروف ومردَّد دائما، ثم وظف الشاعر فن الإرصاد المحبب والإرصاد فن بلاغي جميل، مضمونه أن يستدعي المتلقي نهاية البيت استرشادا بأوله، وقد حدثت معي وأنا أستمع للقصيدة فحينما قال شاعرنا عن الديار ومنه الموت، أكملت أنا: قد قربا، مصطحبا القافية مسترشدا بالمعنى الذي ورد من قبل، وقيمة الإرصاد هو أن يجعل الشاعرُ المتلقي شريكًا له في الإبداع الجمالي.

أكثر الشاعر من توظيف الاستفهام، وأخرجه إلى أغراض بلاغية، من أهمها التعجب وإظهار الحزن وإبراز التحسر، وذلك في عدة مواضع في قصيدة قصيرة، ومنه المطلع الذي بدأه بالنداء ثم الاستفهام:
يا ألف حب لماذا الهجر قد سُكبا • • • على المروج وذاك الود قد صُلبا؟
وهو استفهام تعجبي يبرز فيه الشاعر تعجبه واندهاشه من تكاثر الهجر وانتزاع الود.

تمكُّن الشاعر من أدواته اللغوية واضح جدا، ومن ذلك دقة استخدام الكلمات، فتبدو قدراته خارقة في استخدام الكلمات ذات الظلال والإيحاءات، مثلا كلمة "سكبا"، تدل على الكثرة والسرعة في التدفق؛ مما جعلها قادرة على التعبير عن كثرة الهجر وشدته.
وفيها جمال آخر، وهو أن السكب يكون للسوائل، فنزع الشاعر منه هذه الخاصية، ووسع دلالة المفردة، وجعلها للهجر، فحولها من المادي للمعنوي باقتدار.

ولأن النص رومانسي حزين معبر عن مشاعر الشاعر الصادقة وعاطفته الحقيقية، فقد أكثر فيه من حشد الحقول الدلالية لهذا الغرض، مثل: "الشوق الهجر، الحب، كبد، التجافي، البين...".
ولبيان معاناة المحب وحرقته أورد تلك الحقول الدلالية: "النار ، الجمر ، اللهب، ...".
ولأن الطبيعة من عناصر الرومانسية والوجدانية، فقد وردت الحقول الدلالية للطبيعة كما في: السحب، الشمس، الشطآن، الريح، ...

جاءت قصيدة الشاعر على بحر البسيط بتفعيلاته المزدوجة:
[مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن]ز
والبسيط بحر رقيق عذب، يتسع لحشد عدد كبير من الصور والمعاني؛ لذا كان اختيار الشاعر له موفقا؛ لأنه استطاع عبره أن يأتي بعدد مقدر من الصور والأخيلة.
أما حرف الروي فهو الباء المطلقة، وإن كان صوت الباء صوتا مجهورا قويا قد لا يراه بعض النقاد ملائما لغرض الحزن والحنين والشوق، لكن شاعرنا تمكن من إزاحته فانزاحت دلالات الحرف ونجح في التعبير عن مضمون القصيدة وموضوعها؛ حيث وظفه ضمن كلمات عبّرت عن ذلك: سُكبا، ارتعبا، انتحبا...

وظف الشاعر الحذف بمهارة فائقة، والحذف فن بلاغي يجسد تميز اللغة العربية، فكما قال البلاغيون: حذف ما يُعلم جائز؛ حيث استغل شاعرنا الكبير ذلك الفن، وابتعد عن التكرار، وعن ذكر المعلوم، ومن ذلك حذف الفاعل ببناء الفعل للمجهول في قوله: سُكبا، صُلبا.
وأيضا حذف عامل المفعول المطلق رفقًا، في قوله: بالله رفقا، أما شاهدت في كبدي...
فالطبيعي ارفق رفقًا

يبدو التناص جليا وأنيقا في القصيدة، ومن ذلك التناص مع قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى) [سورة الضحى 3].
في قوله: طفل صغير قلاه الدرب فارتعبا

وتناص بديع آخر بين شاعرنا وبين أبي الطيب المتنبي وذلك في قوله:
إذ يقول المتنبي: أغالب فيك الشوق والشوق أغلب
فيقول شاعرنا: يغالب الشوق يغدو نبع أمنية

■ إنه شيخ صنعاني، الناي الجريح، شيخ الشعراء الذي يقدم لنا شعرا رصينا رقيقا نسيج وحده، تخرج قصيدته مكتملة متزنة دالة موحية مؤثرة.