د. محمد الصفى بن عبدالقادر.
إجمالي المشاركات : ﴿65﴾.
1448/02/18 (03:32 صباحاً).

حوار مع الأستاذ والباحث في التاريخ عبدالغني لزرك حول تاريخ العبيدِ السودِ في المغرب.


■ عبدالغني لزرك باحث في سلك الدكتوراه في التاريخ، وأستاذ مادة الاجتماعيات بالسلك الإعدادي، له مساهمات علمية على المستوى الوطني، ويهتم بتاريخ المغرب، ولاسيما التاريخ الاجتماعي والعسكري، مع اشتغال متواصل على قراءة المصادر والوثائق التاريخية.

● تقديم :
من بين القضايا التي ما تزال تثير اهتمام الباحثين في تاريخ المغرب، يبرز موضوع العبيد السود باعتباره أحد الملفات التي تراكمت حولها تصورات كثيرة، بعضها ارتبط بالذاكرة الجماعية أكثر مما ارتبط بما ترويه المصادر التاريخية. وبين الروايات المختلفة، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة علمية تستند إلى الوثيقة والتحليل النقدي، لفهم الدور الذي اضطلعت به هذه الفئة في سياق بناء الدولة المغربية.
في هذا الحوار، يفتح الباحث في سلك الدكتوراه في التاريخ وأستاذ مادة الاجتماعيات بالسلك الإعدادي عبدالغني لزرك هذا الملف، مستعرضاً أهم النتائج التي توصل إليها، ومقدماً قراءة تاريخية لدور العبيد السود في العهدين السعدي والعلوي، بعيداً عن الأحكام المسبقة والقراءات الاختزالية.

● بطاقة تعريف :
عبد الغني لزرك باحث في سلك الدكتوراه في التاريخ، وأستاذ مادة الاجتماعيات بالسلك الإعدادي، له مساهمات علمية على المستوى الوطني، واهتمام خاص بتاريخ المغرب، ولاسيما التاريخ الاجتماعي والعسكري، مع اشتغال متواصل على قراءة المصادر والوثائق التاريخية.
image

● محمد الصفى: بداية، ما الذي دفعكم إلى اختيار موضوع العبيد السود، وهو من المواضيع التي ما تزال تثير نقاشاً بين المؤرخين؟
● عبدالغني لزرك: انطلقت من قناعة علمية مفادها أن كثيراً من القضايا التاريخية لا تزال في حاجة إلى إعادة قراءة تستند إلى المصادر الأصلية، بعيداً عن الأحكام المسبقة. وموضوع العبيد السود من بين هذه القضايا، إذ غالباً ما يُتناول من زاوية اجتماعية ضيقة، في حين تكشف المصادر التاريخية أنهم أدوا أدواراً سياسية وعسكرية واقتصادية كان لها أثر واضح في تطور الدولة المغربية. لذلك سعيت إلى مقاربة هذا الملف بمنهج تاريخي نقدي، يهدف إلى فهم الوقائع في سياقها الزمني والسياسي، بعيداً عن إسقاط تصورات الحاضر على الماضي.

● محمد الصفى: هل يعني ذلك أن الصورة المتداولة عن العبيد السود تحتاج إلى مراجعة؟
● عبدالغني لزرك: بالتأكيد. فالتاريخ لا يُبنى على الانطباعات، وإنما على الوثائق والروايات التي تخضع للنقد والمقارنة. وقد تبين لي من خلال البحث أن العبيد السود لم يكونوا مجرد فئة هامشية، بل تحولوا، في ظروف تاريخية معينة، إلى عنصر فاعل في مشروع الدولة، خاصة خلال العهدين السعدي والعلوي، حيث أسندت إليهم مهام عسكرية وإدارية ساهمت في تعزيز سلطة المخزن وحماية البلاد.

● محمد الصفى: يربط كثير من الباحثين بداية هذا التحول بعهد السلطان أحمد المنصور السعدي، إلى أي حد تتفقون مع هذا الرأي؟
● عبدالغني لزرك: صحيح أن وجود السود بالمغرب سابق للعهد السعدي، لكن التحول النوعي في مكانتهم ارتبط بسياسة السلطان أحمد المنصور. فقد كان يمتلك رؤية استراتيجية لبناء دولة قوية، وأدرك أن تحقيق هذا الهدف يقتضي إنشاء مؤسسة عسكرية أكثر تنظيماً، قادرة على مواكبة التحولات التي عرفها العالم آنذاك. ومن هنا بدأ الاهتمام بتكوين عناصر جديدة وإدماجها في الجيش، في إطار مشروع سياسي متكامل، لا باعتباره إجراءً ظرفياً.

● محمد الصفى: هل كانت حملة السودان الغربي سنة 1591 جزءاً من هذا المشروع؟
● عبد الغني لزرك: لا يمكن فهم تلك الحملة بمعزل عن المشروع السياسي للسلطان أحمد المنصور. فهي لم تكن مجرد توسع عسكري، بل حققت للدولة مكاسب سياسية واقتصادية وبشرية مهمة. وقد انعكس ذلك على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، حيث جرى الاستفادة من عدد من السود في خدمة الدولة، بعد إخضاعهم للتكوين والتدريب، وهو ما شكل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجيش المغربي.

● محمد الصفى: إذا كان السلطان أحمد المنصور قد وضع اللبنات الأولى للاستفادة من العبيد السود داخل المؤسسة العسكرية، فإن اسم المولى إسماعيل يظل الأكثر ارتباطاً بهذا الموضوع. كيف تفسرون ذلك؟
● عبدالغني لزرك: يعود ذلك إلى أن المولى إسماعيل لم يكتف بالاستفادة من تجربة سابقة، بل عمل على تطويرها وتحويلها إلى مؤسسة عسكرية قائمة بذاتها. فقد وجد البلاد تعيش أوضاعاً معقدة، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع التهديدات الخارجية، وكان مقتنعاً بأن استقرار الدولة يمر عبر إنشاء جيش دائم، محترف، يخضع مباشرة لسلطة السلطان، بعيداً عن الولاءات القبلية أو الحسابات المحلية التي كانت كثيراً ما تؤثر في تماسك الجيوش التقليدية.

● محمد الصفى: ما الذي يميز مشروع المولى إسماعيل عن التجارب العسكرية التي سبقته؟
● عبدالغني لزرك: أهم ما يميز هذه التجربة هو طابعها المؤسساتي. فقد حرص السلطان على تنظيم الجيش وفق أسس واضحة، بدءاً بإحصاء العناصر التي ستلتحق به، مروراً بتكوينها العسكري، ووصولاً إلى توزيعها داخل وحدات منضبطة. وكان الهدف هو خلق مؤسسة دائمة قادرة على حماية الدولة وضمان استمراريتها، وليس مجرد تجميع للمقاتلين عند الحاجة.

● محمد الصفى: تشير بعض المصادر إلى أن عملية جمع العبيد السود كانت واسعة النطاق، كيف تنظرون إلى هذه الروايات؟
● عبدالغني لزرك: المصادر تختلف في التفاصيل، وهذا أمر طبيعي في الكتابة التاريخية، لكن أغلبها يجمع على أن المولى إسماعيل أولى هذا المشروع أهمية كبيرة، وكلف مسؤولين بالإشراف على إحصاء العبيد السود الموجودين في مختلف جهات المغرب، ثم إدماجهم في المؤسسة العسكرية وفق تنظيم دقيق. والمؤرخ لا يتوقف عند اختلاف الروايات بقدر ما يحاول فهم ما تتفق عليه، وما تعكسه من توجه عام في سياسة الدولة.

● محمد الصفى: هل اقتصر اهتمام السلطان على التجنيد فقط؟
● عبدالغني لزرك: إطلاقاً. فنجاح أي مؤسسة عسكرية لا يقوم على العدد وحده، وإنما على حسن الإعداد. ولهذا اهتم المولى إسماعيل بتكوين الجنود، وتعليمهم فنون القتال، واستعمال الأسلحة، وركوب الخيل، والانضباط العسكري. وتشير المصادر إلى أن السلطان كان يتابع أحوال الجيش بنفسه، ويحرص على الرفع من كفاءته، إدراكاً منه بأن قوة الدولة ترتبط بقوة مؤسساتها.

● محمد الصفى: اشتهر هذا الجيش باسم "عبيد البخاري". ما خلفية هذه التسمية؟
● عبدالغني لزرك: ارتبط الاسم بالقسم الذي أداه أفراد الجيش على صحيح الإمام البخاري، في دلالة رمزية تؤكد الالتزام بالطاعة والوفاء للدولة. وقد اكتسب هذا القسم بعداً سياسياً وأخلاقياً، إذ كان يراد منه ترسيخ روح الانضباط وربط أفراد الجيش بمشروع الدولة، وليس فقط بالعلاقة الشخصية مع السلطان. ومن هنا اشتهر هذا التنظيم العسكري في المصادر باسم "جيش عبيد البخاري".

● محمد الصفى: هل أثبت هذا الجيش فعاليته في الواقع؟
● عبدالغني لزرك: بالنظر إلى ما تذكره المصادر، فقد لعب دوراً مهماً في دعم سلطة الدولة، وتأمين عدد من الجهات، والحد من الاضطرابات، والمساهمة في استرجاع بعض الثغور المحتلة، فضلاً عن حماية الطرق والمنشآت العسكرية. لذلك لا يمكن الحديث عن مرحلة المولى إسماعيل دون استحضار الدور الذي اضطلعت به هذه المؤسسة العسكرية في تحقيق قدر مهم من الاستقرار.

● محمد الصفى: يذهب بعض الباحثين إلى أن الجيش الأسود كان مجرد أداة لفرض السلطة، في حين يرى آخرون أنه كان ضرورة فرضتها ظروف المرحلة. كيف تقرؤون هذا الجدل؟
● عبدالغني لزرك: من الطبيعي أن تختلف القراءات، لكن المؤرخ مطالب بالنظر إلى الوقائع في سياقها التاريخي. فالدول في تلك المرحلة كانت تواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة، وكان امتلاك جيش منظم يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها. لذلك فإن تقييم هذه التجربة ينبغي أن ينطلق من معطيات عصرها، لا من تصورات لاحقة. والمهم في النهاية هو أن نفهم كيف ساهمت هذه المؤسسة في بناء الدولة المغربية، وما الذي تركته من أثر في تاريخها السياسي والعسكري.

● محمد الصفى: من خلال اشتغالكم على هذا الموضوع، ما أبرز الخلاصات التي توصلتم إليها؟
● عبدالغني لزرك: لعل أهم نتيجة انتهيت إليها هي أن تاريخ العبيد السود بالمغرب يحتاج إلى إعادة قراءة علمية بعيدة عن الأحكام الجاهزة. فالمصادر التاريخية تؤكد أنهم لم يكونوا مجرد فئة اجتماعية هامشية، بل تحولوا، في ظروف تاريخية محددة، إلى مكون أساسي داخل المؤسسة العسكرية، وأسهموا في ترسيخ سلطة الدولة وحماية وحدتها. كما أن دراسة هذا الموضوع تكشف أن بناء الدولة المغربية لم يكن نتاج عامل واحد، بل ثمرة تفاعل مؤسسات وقوى متعددة، كان للجيش الأسود مكانه ضمنها.

● محمد الصفى: اعتمدتم في دراستكم على عدد من المصادر التاريخية، لكنها لا تقدم دائماً الرواية نفسها. كيف تعاملتم مع هذا الاختلاف؟
● عبدالغني لزرك: اختلاف الروايات يمثل جزءاً من طبيعة البحث التاريخي، ولذلك لا ينبغي اعتباره عائقاً، بل مدخلاً للتحليل والنقد. فقد حرصت على مقارنة الروايات المغربية والأجنبية، وربطها بسياقها التاريخي والسياسي، مع مراعاة ظروف تأليفها وخلفيات أصحابها. فالمؤرخ لا يكتفي بنقل الأخبار، وإنما يعمل على تمحيصها، وموازنة معطياتها، حتى يقترب من الحقيقة التاريخية قدر الإمكان.

● محمد الصفى: يلاحظ أنكم تتعاملون مع الموضوع بعيداً عن الأحكام الأخلاقية التي قد تُسقط على الماضي. هل هو اختيار منهجي؟
● عبدالغني لزرك: بالتأكيد. فوظيفة المؤرخ ليست إصدار الأحكام، وإنما تفسير الوقائع وفهمها في سياقها التاريخي. لا يمكن قراءة أحداث القرن السادس عشر أو السابع عشر بمنطق القرن الحادي والعشرين، لأن لكل مرحلة شروطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك سعيت إلى تحليل الظاهرة كما تقدمها المصادر، مع إخضاعها للنقد العلمي، دون تمجيد أو إدانة، لأن الموضوعية هي أساس البحث التاريخي.

● محمد الصفى: إلى أي حد يمكن أن تسهم مثل هذه الدراسات في تجديد الكتابة التاريخية بالمغرب؟
● عبدالغني لزرك: أعتقد أنها تسهم في فتح آفاق جديدة أمام الباحثين، لأنها تدعو إلى العودة للمصادر الأصلية، وإعادة فحص عدد من القضايا التي استقرت حولها تصورات لم تُراجع منذ سنوات طويلة. كما أنها تؤكد أن تاريخ المغرب ما يزال يختزن موضوعات تحتاج إلى قراءات جديدة تستفيد من المناهج الحديثة، وتجمع بين التحليل التاريخي والنقد العلمي، بما يسهم في تطوير المعرفة بتاريخ الدولة والمجتمع.

● محمد الصفى: ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الباحثين الشباب؟
● عبدالغني لزرك: أدعوهم إلى التحلي بالصبر العلمي، والابتعاد عن النقل والتكرار، والاعتماد على الوثيقة التاريخية باعتبارها أساس البحث الرصين. كما أشجعهم على الانفتاح على المناهج الحديثة، لأن تجديد الدراسات التاريخية لا يتحقق إلا بإعادة مساءلة المصادر، ومناقشة الروايات، وتقديم قراءات علمية رصينة تعزز المعرفة بتاريخ المغرب.

● محمد الصفى: أنتم اليوم باحث في سلك الدكتوراه، وأستاذ لمادة الاجتماعيات، ولديكم مساهمات علمية على المستوى الوطني. كيف توفقون بين التدريس والبحث الأكاديمي؟
● عبدالغني لزرك: أعتبر أن التدريس والبحث العلمي يكمل أحدهما الآخر. فالعمل داخل المؤسسة التعليمية يجعلني على تماس دائم مع أسئلة التاريخ وقضايا التربية، بينما يمنحني البحث الأكاديمي فرصة التعمق في الوثائق والمصادر وإنتاج معرفة جديدة. ورغم ما يتطلبه هذا التوفيق من جهد، فإنه يشكل حافزاً للاستمرار في البحث وخدمة التاريخ المغربي.

● محمد الصفى: هل من مشاريع بحثية جديدة تعملون عليها؟
● عبد الغني لزرك: أواصل اشتغالي على عدد من القضايا المرتبطة بالتاريخ المغربي، وخاصة تاريخ الوثائق والأرشيف المحلي، لما تمثله هذه المادة من أهمية في إعادة كتابة التاريخ من داخل الوثيقة، كما أعمل على إنجاز أبحاث تسهم في إبراز جوانب ما تزال في حاجة إلى الدراسة والتحليل.

● محمد الصفى: في ختام هذا اللقاء، ما الرسالة التي تودون توجيهها لقراء «منهل الثقافة التربوية»؟
● عبدالغني لزرك: أشكر موقع منهل الثقافة التربوية على اهتمامها بالقضايا التاريخية والفكرية، وأتمنى أن يسهم هذا الحوار في تشجيع القراء، ولاسيما الشباب، على الاهتمام بتاريخ المغرب وقراءته قراءة علمية واعية، لأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها التاريخية وتعيد دراستها بعين النقد والمعرفة تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها.

● محمد الصفى: شكراً لكم الأستاذ عبد الغني لزرك على هذا الحوار، ونتمنى لكم كامل التوفيق في مسيرتكم العلمية والبحثية.
● عبدالغني لزرك: شكراً لكم، ولموقع منهل الثقافة التربوية على هذه الاستضافة الكريمة، وعلى إتاحة الفرصة للاقتراب من موضوع يظل من القضايا الجديرة بالمزيد من البحث والنقاش العلمي.