• ×

08:00 مساءً , الإثنين 19 ذو القعدة 1440 / 22 يوليو 2019


التربية الأخلاقية في الإسلام «3».
■ المحور الرابع : تراجع أخلاق العمل وطرق تقويمها .
● أولاً : تراجع أخلاق العمل .
لا نريد الحديث هنا عن المشكلة العمالية في الغرب، ولا عن النظريات الاقتصادية المختلفة التي برزت لتقييم المشكلة وحلها، فليس التنظير والمقارنة من أهداف هذا البحث، ولكن سنشير إلى حقيقتين هامتين هما :
1- إن المجتمع الإسلامي في تاريخه الطويل مع ما كان فيه من أعداد هائلة من العمال سواء في الأرض، أو المصنع، وعند الدولة، أو الأفراد لم يوجد ما يسمى بالمشكلة العمالية لأن العقيدة الإسلامية والأحكام الشرعية التي سادته حرمت الظلم تحريماً قاطعاً، وأمرت أصحاب العمل كما أمرت غيرهم أن ينظروا إلى العمال نظرة إنسانية لها حقوقها المشروعة.

2- لم تكن الأحكام الشرعية التي عالجت شؤون العمل والعمال منفصلة عن بقية الأحكام الشرعية التي تعالج مشكلات الإنسان الأخرى (ذلك أن الأحكام الشرعية التي عالجت قضية العمل والعمال والعلاقات بين العمل وأصحاب الأعمال إنما عالجتها على اعتبار أنها علاقات مرتبطة بغيرها من العلاقات الإنسانية الناشئة عن حاجة الإنسان والإسلام إنما عالج الإنسان بوصفه كلا غير مجزأ).

وبناءً على ما تقدم نقول : إن الأخلاق مرتبطة ارتباطاً وثيقاً العقيدة الإسلامية، فأساسها هو العقيدة الإسلامية بل هي الدين كله كما قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الدين فقال : (الدين حسن الخلق) وقال صلى الله عليه وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فلا بد من اتخاذ العقيدة الإسلامية أساساً ومنطلقاً لكل عمل، وكل عمل لا يتصف بالأخلاق فهو عمل باطل ولو فعل صاحبه من الخير ما فعل فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا رسول الله (إن فلانه تكثر من صلاتها، وصدقتها، وصيامها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانه، قال : هي في النار) فالإسلام حرم الظلم والأذى وهذا نوع أذى فهو محرم لأنه يتنافى والأخلاق التي قررها الإسلام.
ولما كان الإنسان في نظر الإسلام كلاً واحداً لا يتجزأ فقد أمر الإسلام الإنسان بالتخلق بالخلق الحسن في شؤونه كلها ومنها قضية العمل والعمال فقد عالجها الإسلام بعدل وحكمة فأعطى كل ذي حق حقه وبين العلاقة بين العمال وأرباب العمل فلا ظلم ولا هضم ولا تعد على الإطلاق والإسلام حين يعالج هذه القضية لا يعالجها بمعزل عن قضايا الإنسان الأخرى التي لا عيش له بدونها، وهذه النظرة الشمولية للإنسان لا تجد لها نظيراً في أي تشريع أو تقنين وضعي أبداً.
وعليه "فإن مقتضى الإيمان بالله تعالى، أن يكون المؤمن ذا خلق محمود، وإن الأخلاق السيئة دليل على عدم وجود الإيمان، أو ضعفه، وعلى ذلك يمكننا أن نعرف مدى إيمان الشخص بمقدار ما يتحلى به من مكارم الأخلاق، ونعرف مدى ضعف إيمانه بمقدار ما يتصف به من ذميم الأخلاق" "فأعلم أن الدين خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين .." ولما كان الأمر كذلك فما سبب التراجع الأخلاقي ؟

♦ أسباب تراجع أخلاق العمل :
مع يقيننا أن الشريعة الإسلامية كل لا يتجزأ، وأنها منهج ونظام حياة، كما تقدم إلا أن القارئ للتأريخ يجد أن هناك من سلك سلوكاً يتنافى وأخلاق العمل إما عمداً أو في غفلة من إيمانه، ولم يلتزم التزاماً كاملاً بالمعاني الأخلاقية التي دعت إليها الشريعة الإسلامية، ولكنها لا تشكل ظاهرة، وليست هي نادرة، فذلك أمر يستحق الوقوف عنده والكشف عن أسبابه، فما هي تلك الأسباب يا ترى ؟

لا شك أن حصر كل تلك الأسباب - في هذه العجالة - أمر غير ممكن ولكن يمكن أن نجمل تلك الأسباب في الأمور التالية :
1- التلوث العقدي : نعني بالتلوث العقدي عدم الالتزام بالعقيدة الإسلامية الصحيحة، أو التخلي عن بعض مبادئها إن عمداً وأن جهلاً بسبب ما يطرأ من الانحراف بسبب الشبهات والشهوات، ووساوس الشيطان وإغراءاته ونحو ذلك.
ولا شك أن هذا التلوث العقدي يؤدى إلى تلوث الحياة إذ سلامتها تكمن في اتباع المنهج الأقوم الذي دعا إلى التمسك بمبادئ الأخلاق، ومنها أخلاق العمل، ولا جدل أن كل مخالفة لأوامر الدين تعتبر مخالفة دينيه وأخلاقية في الوقت نفسه.
وقد نستدل لذلك العنوان بما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله، فإنه من يبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله) وجاء من حديث أخر قوله صلى الله عليه وسلم : (.. اللهم نقنى من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ..)
فقد ورد في الحديثين لفظ "القاذورات" ولفظ "الدنس" وهما قريبان بل لصيقان بمعنى التلوث، ولا شك أن وصف هذه الأعمال بتلك الأوصاف فيها من التنفير من الوقوع في المخالفات ما يكفى لمن كان له لب يميز به بين الحسن والقبيح.
وعليه فإن كل مخالفة لأخلاق العمل كالسرقة، والتزوير والغش، واكل أموال الناس بالباطل، وتضيع الأوقات، وتعطيل مصالح الناس ونحو ذلك، كل ذلك سببه التلوث العقدي فلو أمن الإنسان بأن العقيدة تحرم كل ذلك لما أقدم عليه، (فما وقع من كثير من المسلمين من الغش والكذب، والخيانة في المعاملات، فإن هؤلاء المسلمين نقصوا من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا الشريعة فيه من هذه المعاملات).

2- التلوث الفكري : لقد بينت العقيدة الإسلامية علاقة الإنسان بالكون، وبخالق الكون، وبالغاية التي من أجلها خلق الإنسان، فهذا التصور الشامل لمعنى الكون والحياة يكوّن فكراً نظيفاً خالياً من الملوثات الفكرية التي تخرج بالإنسان عن هدفه وغايته فيضر نفسه ويضر غيره.
ونزيد هذا المعنى وضوحاً فنقول : إن الله خلق الإنسان لعبادته بالمعنى الواسع للعبادة، وجعله من أفضل مخلوقاته، وسخر له ما في السموات وما في الأرض لينتفع به في حدود ما شرعه الله له، وصولاً لتلك الغاية ويسر له السبل للوصول إليها، وعليها فإن المال ما هو إلا وسيلة للتحقيق تلك الغاية، فليس المال وجمعة غاية في حد ذاته.
فالإنسان إذا استحضر هذا في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها وغايته في الحياة وبالتالي سيتقبل بنفس راضية جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي، فإذا تلوث هذا الفكر بأن كان المال غاية في حد ذاته كما نسمع اليوم حيث يقال : هذا العصر عصر المادة، ونحو ذلك حتى كرّس بعض الناس حياتهم لجمع المادة فأصبحت مالكة لهم لا ماليكن لها، فأصبح بعضهم عبيد للمادة كما قيل عياذا بالله، وبالتالي قد تختلف وسائل جمع المال من حلال وحرام، ولا شك أن هذه انتكاسة فكرية ولا شك أن التلوث الفكري سببه غياب الفهم الصحيح والتصور الإسلامي للكون والحياة وفي ظل غياب هذا الفهم، الذي يؤدى إلى التلوث الفكري تتلوث الحياة بسبب السلوكيات الخاطئة، والمعاملات السيئة، وممارسة الأخلاق الفاسدة، كالسرقة والغش والتزوير وأكل أموال الناس بالباطل، وتعطيل مصالحهم ونحو ذلك من الأعمال والأقوال والأخلاق التي منعها الإسلام، ورتب الجزاء على مقترفها في الدنيا والأخرة.

3- التلوث القيمي : لا شك أن التلوث الفكري، والتلوث القيمي أحد أهم أسبابهما هو التلوث العقدي كما أن التلوث الفكري والقيمي يؤديان إلى التلوث العقدي فهي أمور متلازمة.
ومن المعلوم أن القيم الأخلاقية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير ولا تتبدل ما دامت السموات والأرض فالخير والشر، والحق والباطل ما يزال في مفهومه الأصيل منذ أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، ولن يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ولن يغير الزمن في حركته وتطوره من ثبات القيم والأخلاق الإسلامية لأنها في مواجهة الفطرة التي لا تتغير، ولكن هناك أفكاراً هدامة حاولت وتحاول عزو هذه القيم الإسلامية بتفريغها من مضامينها تارة، وبقلب معانيها تارة أخرى ساعيه جهدها إلى تحطيم القيم الخلقية، وقد استجاب لها بعض قليلي الإيمان من المسلمين حتى سمعنا مقولات لا تقبلها العقول السليمة، وتمجها الفطر المستقيمة فأصبحت الرشوة - عندهم - هدية، والنفاق مجاملة، وأكل الأموال العامة فطنة، وإيذاء الناس ونهرهم وتأخير مصالحهم قوة في الشخصية، وهكذا، فهذا بلا شك قلب للحقائق، وانقلاب في المفاهيم والقيم الأخلاقية وهو بلا شك تلوث قيمي يؤدي إلى تلوث الحياة في جميع نواحيها.

● ثانياً : طرق تقويم الأخلاق .
طرق تقويم الأخلاق بعامة، وأخلاق العمل بخاصة كثيره جداً ويطول الكلام حول حصرها واستقصائها، ولكن سنشير إلى أهمها على النحو التالي :
1- تقوية معاني العقيدة الإسلامية وترسيخها في الناشئة منذ نعومة أظفارهم داخل الأسرة قبل بلوغ سن الدراسة وذلك بتعليمهم الحلال والحرام، وما يجوز وما لا يجوز، وتدريبهم على القيم الأخلاقية إذ معظمها يتم بواسطة الاكتساب، وكما قيل فإن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، وإذ الأمر كذلك فإن من الصعوبة بمكان أن تتفلت تلك القم الأخلاقية عند الكبر، وبخاصة إذا علمنا أن أصل الأخلاق هو العقيدة، فمن نشأ على العقيدة الصحيحة لا يخشى عليه، ولكن عليه بين الفينة والأخرى أن يتعاهد تلك الأخلاق ويزيل عنها ما قد يعلق بها من كدر، وهذا الإيمان يؤدي بلا شك إلى التمسك بالقيم الأخلاقية ومنها أخلاق العمل، فيؤدى عمله بأمانة وإخلاص من خلال الرقابة الذاتية رقابة الضمير الإيماني.

2- علاج المشكلات الأخلاقية من خلال التصدي للأفكار والنظريات الهادمة والملوثة للقيم الأخلاقية وبيان القيم الصحيحة فـ "لابد من عملية تربوية شاملة تستهدف إحلال قيم واتجاهات سلوكية إيجابية، مثل : النزاهة والكفاية والفعالية، محل القيم غير الأخلاقية.
والتدليل على أن الأنماط والاتجاهات السلوكية الخاطئة ليست من الإسلام في شيء، وهذا يقودنا - كما سبق - إلى تربية أخلاقية مبناها على العقيدة الإيمانية الراسخة لا على النظريات والأفكار الوافدة المتغيرة بحسب الأزمان.

3- المحاسبة (العقوبة) : مبدأ الثواب والعقاب مبدأ أصيل في الإسلام، فلا يكفى أن نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت فقط، فكما يكافئ المحسن، لا بد أن يعاقب المسيء بحسب أحكام الشريعة، فالعقوبة في الشريعة نوعان : حدود، وتعزيرات، فالحدود معروفة وإذا نحيناها جانباً فإن ما تبقى من مخالفات للقانون الأخلاقي تستوجب عقوبة تأديبية متنوعة، ولكن الشريعة الإسلامية لم تقدم جدولاً يختلف باختلافها، ولم تحرص على تقديمه.
فعلى حين أنه بالنسبة إلى الجزاء المحدد (أو إقامة الحدود) تكون مهمة العدالة محددة تحديداً دقيقاً، بإثبات الوقائع، التي متى اتضحت تستدعي بصورة ما - عقوباتها تلقائياً، فإن اهتمام المحكمة هنا يتجه بعد ذلك إلى مرحلة ثانية ليست بأقل أهمية : هي اختيار العقوبة التي ينبغي تطبيقها، وفي هذا الاختيار سوف يتحرك ذكاء القاضي وفطنته - في الظاهر - حركة بالغة الحرية، ولكن هذه الحرية في الواقع ليست سوى مرادف للمسئولية الثقيلة، إذ لما كان هنالك اعتبارات مختلفة تجب مراعاتها، وكان على عنصر النسبية أن يتدخل فإن القاضي سوف يؤدي هنا دور الطبيب المعالج تماماً، فكما أن الطبيب يجب أن يرعى مزاج المريض، والخصائص النفسية الكيميائية للدواء، والظروف الزمانية والمكانية للعلاج قبل أن يصف الدواء الأكثر فاعلية والأقل إزعاجاً، في كل حالة تعرض عليه، فكذلك الأمر هنا، تتأثر العقوبة تبعاً لثقل الواجب المختان، وطبيعة المجرم، والظروف التي خالف فيها القاعدة، ومشاعر أصحاب الحق (حين تتصل الجريمة بأضرار ترتكب في حق الغير) إن العقوبة حينئذ يجب أن تتنوع بدقة، ابتداء من مجرد التأنيب على انفراد، أو التعنيف أمام العامة، على تفاوت في قساوته، حتى السجن، زمنا ً يطول أو يقصر، والجلد، عدداً يقل أو يكثر، ولكنه لا يصح بعامة أن يبلغ عدد الجلد المنصوص عليه في الحدود (وهذه النقطة موضع خلاف).
هذه الطرق في العقوبة لا تقتصر على كونها قابلة لمختلف الأشكال المخففة على تفاوت تبعاً للحالة المعروضة، بل إن التعنيف ذاته يمكن أن يهبط إلى درجة نصيحة خيرة، أو تعليم خالص منزه، - ليس هذا فحسب، بل إن من حق القاضي، وربما من واجبه - أن يغضي بكل بساطة عن بعض الأخطاء القليلة حين تقع من إنسان ذي خلق، وقد ورد في ذلك أثر منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يرقى إلى مرتبة الصحة العالية، قال : (أقيلوا ذوي الهيئات (أو ذوي الصلاح) عثراتهم، إلا الحدود).
image الثقافة الإسلامية : الإسلام.
image التربية الأخلاقية في الإسلام «1».
image التربية الأخلاقية في الإسلام «2».
image التربية الأخلاقية في الإسلام «3».
image التربية الأخلاقية في الإسلام «4».
image التربية الأخلاقية في الإسلام «5».
 0  0  3123

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:00 مساءً الإثنين 19 ذو القعدة 1440 / 22 يوليو 2019.
الروابط السريعة.