د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
إجمالي المشاركات : ﴿38﴾.
1448/04/15 (06:01 صباحاً).

شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار - آدابه ومنطلقاته التربوية «9» : أمثلة للحوارات بين الأبناء.


■ سأتحدث عن : أمثلة للحوارات بين الأبناء.
● ها هنا أمثلة للحوارات بين الأبناء.
(1)- حوار نبوي في ترسيخ حقوق الوالدين.
في هذا الحوار أثبت النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الوالدين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال عليه الصلاة والسلام: أمك, قال: ثم من؟, قال: أمك, قال: ثم من؟, قال: أمك, قال: ثم من؟, قال: أبوك".
وفي حوار آخر يقرر تحريم عقوق الوالدين سواء كان ذلك بالقول كالسب والشتم ورفع الصوت عليهما, أو كان بالفعل كالضرب وعدم تنفيذ أوامرهما .
عن عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من الكبائر شتم الرجل والديه, قالوا: يا رسول, وهل يشتم الرجل والديه, قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه ويسب أمه".
وفي حوار آخر يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن بّر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله تعالى.
عن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – " سألت النبي صلى الله عليه وسلم أيّ العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها, قلت: ثم أيّ؟, قال: برّ الوالدين, قلت: الجهاد في سبيل الله".
وفي حوار آخر يشّدد النبي صلى الله عليه وسلم في حقوق الوالدين أثناء الحرب..
عن عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – " قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد, فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم, قال: ففيهما فجاهد".

• حوار نبوي مثير مفصّل في تربية الأبناء بالوفاء بالآباء بعد وفاتهما.
في هذا الحوار فصّل النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الوالدين بعد وفاتهما. عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل من بني سلمة, فقال: يا رسول الله, هل بقي من برّ أبويّ أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم, الصلاة عليهما, والاستغفار لهما, وإنفاذ عهدهما من بعدهما, وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما, وإكرام صديقهما"، من خلال هذه الحوارات قرر النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الوالدين وقت حياتيهما وبعد وفاتهما وحرم العقوق وهذه تربية للأبناء ليسلكوا تربية أباؤهم وأن هذه الحقوق دينّ.

(2)- استخدم مع الابن طريقة (ما منعك أن تقولها).
لنا قدوة في الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتشجيعه للحوار الإيجابي لابنه عبد الله رضي الله عنهما عندما خرج من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأبيه قلت: يا أبتاه وقع في نفسي النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كان أحب لي من كذا وكذا, قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت". وعلق ابن القيم على الحديث بقوله "وفيه فرح الرجل بإصابة ولده وتوفيقه للصواب. وفيه أنه لا يكره للولد أن يجيب بما يعرف بحضرة أبيه, وإن لم يعرفه الأب وليس في ذلك إساءة أدب عليه".
روى ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك عن عمر رضي الله عنه قال: فيم ترون أنزلت هذه الآية (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب) الآية سورة البقرة.
فقالوا: الله أعلم, فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيئ يا أمير المؤمنين, فقال عمر: قل يا بني ولا تحقر نفسك, فقال ابن عباس: ضرب مثلا لعمل, فقال عمر: أي عمل؟ فقال: العمل, فقال عمر: لرجل عني يعمل بالحسنات ثم بعث الله إليه بشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها". فليكن شعارنا عزيزي المربي: "قل يا بني ولا تحقر نفسك" "وما منعك أن تقولها" وذلك حتى نستطيع تشجيع الطفل ومن ثم دفعه نحو الأمام في الحوار بمردود جيد وكشف طاقاته الحيوية وأنواع مواهبه.

(3)- استخدم مع الابن طريقة "أما إنه نعم الغلام".
إن مدح الطفل له أثر فعال في نفسه فهو يحرك مشاعره وأحاسيسه ويجعله يسارع وهو مرتاح بكل جدية إلى تصحيح سلوكه وأعماله وهذا ما أكده لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نبه على ضرورة مدح الطفل في حوار واسع إذا أردنا منه الاستجابة والتطبيق.
أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله فتمنت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت غلاما شابا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذا بي فذهبا بي إلى النار, فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان, وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار, قال: فلقينا ملك آخر إلى أخر الحديث، قصصتها على حفصة, قصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل" فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا".
هكذا أثر مدح رسول الله "نعم الرجل عبد الله" فنبه إلى أمر غفل عنه, بأسلوب رائع محبب إلى النفس "لو كان يصلي من الليل" وهكذا المدح والثناء في حوار مناسب يكون دوره ومفعوله في أثر الطالب. ومما قاله النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق للناشئ الذي تعلم العربية والسريانية لخدمة الإسلام "أما إنه نعم الغلام". لنقتد عزيزي المربي برسول الله صلى الله عليه وسلم ولنمدح أطفالنا باعتدال في الزمن المناسب والوقت المناسب وفي حوار مناسب.
تحين الوقت المناسب لتوجيه الطفل في حوار شيق، فلنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة كان عليه الصلاة والسلام دقيق النظر على تحين الزمان والمكان المناسبين والاستفادة منهما في تلقين الطفل الأفكار وتصحيح سلوكه الخاطئ وبناء سلوك سليم صحيح في حوار مقنع.

● وقد قدم لنا ثلاثة أوقات أساسية في توجيه الطفل فما هي هذه الأوقات يا ترى ؟
1- النزهة والطريق والمركب.
فحديث ابن عباس رضي الله عنهما ـ قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار. فقال لي: يا غلام احفظ الله يحفظك......" الحديث.
أخرج مسلم عن عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إلى حديثا لا أحدث به أحدا من الناس, وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل.
ومما سبق نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استغل الطريق في غرس عقيد التوحيد وعقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره وتربيته على التفاؤل ليستقبل الحياة بشجاعة وأمل,
وليكون فردا نافعا في مجتمعه وأن الله ينجيه عند الشدائد إذا أدى حق الله والناس عند الرخاء والصحة والغنى، ولهذا نستطيع أن نقول بأن استثمار الوقت أثناء الطريق بحوار جميل وشيق يعد مرتعا خصبا لإعطاء التوجيهات ولمعالجة الأخطاء التربوية التي يتعرض لها الأطفال خلال حياتهم اليومية.
2- وقت الطعام.
ففي هذا الوقت يحاول الطفل أن ينطلق على سجيته ويضعف أمام شهوة الطعام, فيتصرف أفعالا شائنة أحيانا ويخل بالآداب أحيانا أخرى. وقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال وشاهد ولا حظ جملة من الأخطاء فقدم النصيحة بحوار أثر على عقل ونفس الطفل وقدمه إلى التصحيح السليم.
أخرج البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت يدي تطيش في الصفحة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا غلام؛ سم الله تعالى, وكل بيمينك وكل مما يليك".
3– وقت مرض الطفل.
المرض يلين قلوب الكبار القساة, فما بالك بالأطفال الذين ما زالت قلوبهم عامرة باللين وحسن الاستقبال. فالطفل عندما يمرض يجمع بين سجيتين عظيمتين في تصحيح أخطائه وسلوكه وحتى معتقده لا سيما إذا كان الحوار في وقته المناسب وكان المحاور موضع ثقة ومحبة من الجميع حتى من أعدائه, سجية فطرية الطفولة, وسجية رقة القلب والنفس في أثناء المرض, وقد وجهنا إلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزار طفلا يهوديا مريضا ودعاه إلى الإسلام..
وكانت الزيارة مفتاح عهد النور لذاك الطفل. روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده, فقعد عند رأسه فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده, فقال: أطع أبا القاسم, فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
(4)- تحدث معه وحاوره بصراحة.
تختلف عقول الأبناء ومداركهم من حيث الفهم وسرعة الاستجابة ويختلفون من حيث الانقياد والتسليم لشرع الله أمره ونهيه فمنهم من لا يأخذ بالدليل إلا إذا ظهرت له الحكمة من ذلك, ومهم من يكفيه الدليل ويقف عنده. لذا كان الحوار بين الأبناء لابد من إثارة العواطف, والـتأنيب والاسترضاء. ويظهر هذا جليا في هذا الحوار النبوي.
من ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أناس من الأنصار حين أفاء الله على رسول الله ما أفاء من أموال هوازن, فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة ناقة فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل على الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم, فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟" فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا, وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم, فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: يا رسول الله قد رضينا" "وفي هذا الأسلوب تبرز قوة النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار وإثارة العواطف, والـتأنيب والاسترضاء, فاقتنع الصحابة أيما اقتناع مما جعلهم يبكون ويرضون برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا".
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله, ولد لي غلام أسود, فقال: "هل لك من إبل؟" قال: نعم. قال: "ما لونها؟ قال: حمر. قال: "هل فيها أورق؟ "قال : نعم. قال: "فأنى ذلك؟" قال: نزعة عرق. قال: "فلعل ابنك نزعة".
فالرسول صلى الله عليه وسلم بين للرجل بأسلوب حواري عقلي سهل وميسور, وحاوره, وضرب له مثالا من بعض ما يملكه هذا الرجل ليكون أقرب إلى فهمه". وعن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفا أحج عنها؟ قال: "نعم, حجي عنها, أرأيت لوكان على أمك دين أكنت قاضيته؟" قالت: نعم. قال: "فاقضوا الذي له, فإن الله أحق بالقضاء". فالرسول استخدم أسلوب المحاورة مع هذه المرأة ليضمن وصول المعلومة إلى ذهنها, وكان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب بكلمة نعم وينتهي الأمر, ولكنه أراد صلى الله عليه وسلم من هذه السائلة الاستجابة المبنية على الفهم والاقتناع التام.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة, ويأتي وقد شتم هذ , وقذف هذا, وأكل مال هذا, وسفك دم هذا, وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته, فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار". وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يستخدم هذا المنهج في الحوار أيقاظا لانتباه صحابته, وتحريكا لعقولهم, حتى يستقبلوا هديه وتعاليمه بنفوس عطاش, وقلوب ظماء, فيستقر فيها أثبت استقرار, ويعلق بها علوق الروح بالأجسام". وفي قصة الشاب الذي أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزنا يتجلى لنا الأسلوب النبوي العظيم في محاورة الشاب ومناقشته وإقناعه, فإن هذه الطريقة تدريب للمتلقي على التفكير وتشجيعه على المناقشة, وتعويده على العطاء والمشاركة وإبداء الرأي, والحوار الهادف، لقد انتهج الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أسلوبا رفيعا في الحوار في تعليم هذا الشاب وتقويم أخطائه, إقناعه صلى الله عليه وسلم لهذا الشاب من قريش حين جاء ه، وقال: يا رسول الله, ائذن لي في الزنا؟ فأقبل عليه القوم فزجروه, فقال: "أدنه", فدنا منه قريبا, قال: فجلس. قال: "أتحبه لأمك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم" قال: "أفتحبه لابنتك؟" . قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم" وما زال النبي يسأل والشاب يجيب: لا والله جعلني الله فداءك, فوضع يده عليه وقال: "اللهم اغفر ذنبه, وطهر قلبه, وحسن فرجه" فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء، فهذا شاب عارم الشهوة, ثائر الغريزة صريح في التعبير عن نزواته فلقيه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الرفق العجيب والحوار الهادئ القائم على التعقل والمنطق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أسلوب تخلله إثارة للفطرة السليمة وإيقاظ لإيمان الروح والمشاعر, فقام ذلك الفتى مقتنعا بخطئه عازما على عدم الالتفات إليه.
image في ثقافة الحوار : شذرات وأوراق مبعثرة في الحوار.