لغة الطفل بين الاكتساب والفطرة «1» ـ ورقة عمل

د. أحمد محمد أبو عوض
1438/08/01 (06:01 صباحاً)
3733 مشاهدة
د. أحمد محمد أبو عوض.

عدد المشاركات : «599».

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لغة الطفل بين الاكتساب والفطرة «1» ـ ورقة عمل.
■ لغة الطفل بين الفطرة والاكتساب ـ دراسة في الفكر اللغوي :
أضحى ضرورياً الربط بين الفكر اللغوي العربي, الذي يذخر بالدراسات الجادة حول هـذا الموضوع وغيره من الدراسات التي نسميها الآن مجـازاً دراسات علم اللغة الحديث, وسيتضح من خلال دراستنا هـذه أن لعلماء العربية إشعاعات نيرة على الفكر اللغوي العالمي, وقد جاءت دراساتهم وفـق أحدث المناهج العلمية التي نعرفها الآن.
إننا لا نبالغ في موقفنا فنزعم أن القدماء قد أتوا بكل شيء, وأن في تراثهم ما يغنينا عن الإطلاع على الثقافات اللغوية المعاصرة, ذلك أن أحد الأمرين لا يغني عن الآخر, ونستطيع القول ونحن مطمئنون إن كلا النوعين من الدراسات يكمل أحدهما الآخر ويتضافر معه.
فالألسنة من حيث هي علم اللغة, ليست في المقابل, بعيدة كل البعد عن الفكر اللغوي العربي, فالتراث اللغوي العربي قد أولى اللغة أكثر اهتماماتـه, وقد عُرف عن اللغويين الأوائل إلمامهم بعلم المنطق وعلم الرياضيات مما أضفى على منهجيتهم دقة وموضوعية. فالخليل بن أحمد على سبيل المثال لا الحصر عالم في الرياضيات وعالم لغوي في الوقت نفسه, وقد انطبعت تحاليله بمنهجية علمية واضحة وظاهرة, وهذا يذكرنا بعالم اللغة المعاصر ناؤم تشومسكي الذي كان عالماً رياضياً, ثم استهواه البحث اللغوي التجريدي, وكذلك على حلمي موسى الذي يعد من أبرز علماء الفيزياء, وفي الوقت نفسه هـو أول من أدخل علم اللغة الإحصائي إلى عالم الدراسات اللغوية العربية المعاصر.

■ النظرية الفطرية (نظرية تشومسكي) :
تعددت مسميات نظرية تشومسكي عند الباحثين العرب, فمنهم من أطلق عليها نظرية تحليل المعلومات، والنظرية العقلية النفسية, وقد يطلق عليها البعض النظرية التوليدية التحويلية. وكلها تدور حول ما أطلق عليه تشومسكي مصطلح (Competence) الكفاية اللغوية, أي تلك القدرة أو الموهبة الفطرية التي منحها الله للإنسان, فاستطاع عن طريقها أن ينتج ما لا يحصى من المفردات والتركيبات اللغـوية. لذا فإننا نميل إلى تسميتها بالنظرية الفطرية, لكون ذلك أقـرب إلى واقعها وأكثر اختصاراً من المصطلحات السابقة.

■ معنى الفطرة اللغوية :
يقصد بالفطرة اللغوية تلك الملكة التي منحها الله للإنسان فاستطاع عن طريقها انتاج وتوليد اللغة. حيث حاول تشومسكي أن يفسر عملية اكتساب اللغة عند الطفل من خلال ما أسماه (تحليل المعلومات), ويقصد بذلك أن ذهن الطفل يقوم باختزال المعلومات وتحليلها والقياس عليها, ومن ثم يستطيع من خلال سماعه لعدد محدود من الجمل توليد ما لا يحصى منها, وهذه المقدرة التي حباها الله للإنسان دون سائر الحيوان لا يختص بها جنس دون جنس, ولا أقوام دون آخرين, ومن ثم فإنها تأخذ طابع العالمية.

■ أسس النظرية الفطرية :
ينظر تشومسكي ومن سار على نهجه للغة على أنها عبارة عن ملكة أو مهارة مفتوحة النهايات, وكل من يستطيع استخدامها يمكنه أن ينتج ويفهم جملاً لم يسبق له استخدامها, أو سماعها من قبل, ويستطيع الطفل من خلال اتقانه للقواعد التي تحكم بناء لغته أن يولد تراكيب لغوية خاصة به, وأن يفهم كلام الآخرين ووفقاً لذلك تقوم هذه النظرية على ثلاثة أسس أو اتجاهات, (Aspects) وهي :
■ الأساس الأول : إن كل الطفل في هذا العالم يستطيع بما حباه الله من قدرة فطرية أن يكوِّن مجموعة من الافتراضات متزايدة في التعقيد, كما أن لديه جهازاً عقليًّا خاصاً يميز بالفطرة الأمور العامة التي تحكم أنظمة اللغات, أي أنه يتمكن من معرفة ما هو داخل في لغته, وما هو خارج عنها.

■ الأساس الثاني : يقتصر عمل الطفل في مراحل توليده المبكرة للغة على تحديد الإطار العام للغته وتمييزه من بين سائر الأنظمة اللغوية, أو ما يطلق عليه اللغة الكلية .. وهنا نستطيع القول بأن الطفل قد تمكن من الانتقال من مرحلة "Langage" إلى مرحلة "Langue" وفقاً لمصطلح دي سوسير, أي أنه ينتقل بذلك من اللغة الإنسانية إلى لغته المعينة, وليتم عملية الانتقال تلك يعتمد الطفل على ثلاثة نظمٍ هي :
♦ أولاً : النظم الأساسية. ويقصد بها مجموعة العناصر اللغـوية التي يستخدمها الطفل على نحو مضطرد, وذلك مثل مجموعة الأسماء والأفعال والأدوات التي تشكل الثروة اللغوية أو ما يعرف بالكنز اللغوي .
♦ ثانياً : النظم الشكلية .. وهي مجموعة القوانين والخواص العامة والمشتركة في سائر اللغات, وذلك مثل قوانين المماثلة والمخالفة, وغير ذلك من القوى التي تعمل بصورة دائمة وعامة في جميع اللغات كتكوين الجملة من الفعل والفاعل, أو من الفعل والفاعل والمفعول.
فمثل هذه القواعد العامة يمكن أن يطبقها الأطفال على اللغة التي يسمعونها, وعلى ذلك فإنهم يقومون بتجريد الملامح التي يرتبط بها بناء مقدرتهم وكفاء تهم النحوية .
♦ ثالثاً : النظم الإجرائية. ويراد بها مجموعة القواعد العامة التي ترتب كيفية تنفيذ وتطبيق القوانين السابقة, كما تقوم بتنظيم العلاقة بين المستويات اللغوية, مثل المستوى الصوتي, والمستوى الصرفي والنحوي والدلالي، وتتناول هذه النظم الإجـرائية كيفية الربط بين القـوانين بعضها ببعض, كما تنظم كيفية العلاقة بين النظم اللغوية المختلفة.

■ الأساس الثالث : يتمثل هذا الأساس في أن كل طفل يستطيع بصورة طبيعية أن يميز بين بنيتين مختلفين للغة هما : البنية العميقة "Deep Structure", والبنية السطحية "Surface Structure" كما أنه يلم بالقواعد التي تحول البنية العميقة المخزونة ذهنياً إلى تجسيد أدنى, أي تركيب سطحي "Performance"، وهذا يساعد الطفل على تكوين فرضيات عقلية, أو ذهنية يستخلصها من الكلام الذي يسمعه, والذي يتألف (عادة) من خليط غير مفهوم من الأصوات, ويبدأ بتعديل هذه الفرضيات تدريجياً.
وقد استفاد تشومسكي من أفكار فلاسفة القرنين السابع والثامن عشر أمثال "ديكارت" الذي رأى أن للإنسان قدرات فريدة لا يمكن تفسيرها آلياً (حتى) وإن صلح هذا التفسير أحياناً في ميدان الوظائف الحيوية والسلوكية للإنسان.
وأظهر هذه القدرات وأعظمها في نظره هي اللغة الإنسانية التي لا تحدها أية ارتباطات أو قوالب تعبيرية ثابتة, نتيجة لمؤثرات خارجية أو حالات فسيولوجية, ومن ثم فهي صورة للعقل البشري باعتباره أداة عامة صالحة لكي تلائم كل الحوادث والاحتمالات.
وقد انتقد تشومسكي بعض علماء اللغة المحدثين من قبله أمثال دي سوسير "Desaussur" وهوكت "Hokett" وغيرهما, ممن لم يلتفت إلى ملاحظات "دي كارت" حول العقل واللغة, أو هؤلاء الذين رأى أنهم قد فشلوا في فهم هذه الملاحظات, وخاصة بلومفيلد "Bolmfield" الذي نسب الجانب الإبـداعي إلى نظرية القيـاس في اللغـة, مما يدل على أنه لم يدرك العلاقـة بين العقل واللغة على نحو صحيح.
ومن ثم فقد صاغ "تشومسكي" هذه الأفكار صياغة جديدة عندما رأى أن للإنسان قدرة عقلية فريدة تعد عطاء للفطرة, وتتمثل في الجانب الإبداعي للعقل البشري الذي تعده اللغة أعظم معطياته.
image لغة الطفل بين الاكتساب والفطرة : كشف علمي (ورقة عمل).
أزرار التواصل الاجتماعي

أحدث المواد المضافة (للقسم) :