• ×

02:52 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

◄ الأمانة : وهي ضد الخيانة، مأخوذة من الأمن والأمان والاطمئنان، ومنها قوله تعالى : (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، والأمانة تبرأت منها السموات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، لقوله تعالى : ( إنَّا عرضنا الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومَاً جَهُولاً) (الأحزاب : 72).
ومما سبق يتضح لنا بجلاء عِظم أمر الأمانة وأهميتها في ديننا الإسلامي الحنيف، ومن يتصفون بالأمانة، هم في مكانٍ رفيع ومنزلةٍ عالية، بل جاء في الحديث أنه (إذا ضيعت الأمانة، فانتظروا الساعة ! قيل : وكيف تكون إضاعتها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إذا أُسِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهلِه) أو كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأحاديث الدالة على ذلك في هذا الباب كثيرة ولا مجال لحصرها، ولكن حُسبنا من القِلادة ما أحاط بالعنق.

وفي هذا المقال وددت مناقشة قضية الأمانة من زاويةٍ أُخرى، لأن الزاوية الأولى، وهي عِظم أمر الأمانة ومنزلتها عند الله تعالى يوم القيامة، ومنزلة صاحبها في الدنيا ؛ فهذا معلومٌ لدى كثيرٌ من الناس، ولا أقول كلهم !
بيد أني وددت مناقشة موضوع الأمانة من جهةٍ، ومبررات تبرئة الذمة من جهةٍ أخرى، ذلك لأن بعض الناس ممن هم يتقلدون مسئوليةٍ ما، كرئيس دائرة أو مدير إدارة أياً كانت تلك الإدارة حكومية أو خاصة يُبالغون كثيراً في مفهوم الأمانة، ويصل الأمرُ إلى التضييق على مرؤوسيهم ومن يعملون تحت أيديهم بحجة تأدية الأمانة وتبرئةً للذمة، وينسون أو يتناسون حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال : (حرمت النار على كل لينٍ هينٍ سهل) أو كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهم لا يفقهون معنى الأمانة الحق، بل هم يتلذذون ـ إن جاز التعبير ـ في التمسك ببنود بعض الأنظمة وتطبيقها بحذافيرها، بينما تلك البنود أو التعاميم، هي تطبق بِحرفة ومُرونة إدارية، ولأن النظام بحد ذاته مطلوبٌ تطبيقه، ولا يمكن أن نقول بغير ذلك أبداً، ولكن في أحايين كثيرة يجب على المسئول الإداري (مدير أو رئيس أياً كانت مسئوليته) أن يفهم شيئاً اسمه (روح النظام)، ذلك أن روح النظام في جوهره أن تعرف كيف تدير من هم تحت إداراتك ومسئوليتك بِحرفةٍ وفن ؟
وذلك لا يعني الإخلال بالنظام بأي حالٍ من الأحوال، ولكن كما أسلفت فهم روح النظام، بحيث يُطبق النظام دون التضييق على المرؤوسين ويتم التمسك بنصوص النظام ولا يمكن أن يحيد عنها قيد أنملة، وبالمثال يتضح المقال أعرف أشخاصاً من المديرين والرؤساء، يتمسكون بنصوص وأوامر النظام بحذافيرها، ومن ذلك أن الموظف ليس له حق الاستئذان سوى مرات معدودة فقط !
ما يعني أنه مهما واجه من ظروف أو أشياء طارئة عليه، فإنه ـ بِناءً على رؤية ذلك المُدير القاصرة ـ ليس له الحق في الاستئذان البتة ! إضافةً إلى مساواة من يعمل بجد وإخلاص، بمن لا يعمل، فلذلك نجد غالباً أن التنافس بين الموظفين معدوم !
إضافةً إلى أن بعضهم يُلقي الثقة بينه وبين مرؤوسيه (وإذا انعدمت الثقة المُتبادلة، فقل على تلك المُنشأة السلام !) وذلك بناءً على تصور منه فقط، ليس إلا، ولو فتشت في هكذا عقلية لوجدت ـ غالباً ـ أن شخصية ذلك الرئيس أو المدير ـ وهذه نماذج كثيرة في مجتمعنا ـ كانت غير مُنضبطة، قبل أن تظفر بالمنصب، لأن المناصب عندنا تُظفر ـ عادةً ـ بالواسطة وليست بالكفاءة، أو بمعنى أدق هو كان مِنَ الخامِلين، وبين عَشيةٍ وضحاها أصبح مسئولاً عن عددٍ من الموظفين، فأصبح ينظر للمرؤوسين وللموظفين بمنظاره هو حينما كان خاملاً وغير مُنضبط، وبالتالي تتكون لديه هذه الصورة وعلى ضوئها يتعامل مع مرؤوسيه على ذلك النحو من الشدةِ والصرامة، تلك نوعية.
ونوعيةٌ أخرى، هي مُنضبطة وعمليه من الأساس، ولكن لديها شيئاً من الخوف والوجل في التعامل بروح النظام، أي لا يكون لديها مرونة في النظام بحيث لا يمكن أن يحيدوا عنه، ولا يحسن التصرف في الأزمات ودائما ينتظر التعليمات من رؤسائه، لأنه يخشى إذا تصرف من تلقاء نفسه سيفقد منصبه لا محالة ! ولو فتشت ونقبت عنهم جيداً، لأ يقنت أنهم يتشددون في تطبيق نصوص النظام بحذافيرها من أجل شيئاً واحداً غالباً، وهو المحافظة على الكرسي ! ذلك الكرسي والذي تنشأ منه ومن أجله العداوات، والمؤامرات، والاعتراضات، والشلليات (مأخوذة من الشللية) من أجل البقاء أكثر وقتٍ ممكن، ولا يعلم ذلك المسكين أنه لو بقيت لغيره ـ أي الإدارة ـ لما وصلت إليه أبداً ، ولكنه الجهل ولا غيره، (فكيف يصحُ أن يُدير الجاهل ؟!).
ولذلك لا تعجب حينما ترى مُديراً أو رئيساً مكث عدداً من السنوات في إدارةٍ ما، حينما يتم نقله كمدير إلى جهةٍ أخرى هي من صميم عمله الأول نجده يتذمر ويتسخط، ويقول بأنه عمل كذا وكذا، وهو بدأ في هذه المنشأة من الصفر .. إلخ، وهو ومن على شاكلته يُحاربون شيئاً اسمه التدوير، والتدوير هو من صميم عمل الإدارات الناجحة، ذلك لأن التدوير سُنةٌ كونية، فَلِمَ الضجر ؟!
بدلاً من بقاء شخصٍ في إدارةٍ ما، حتى تقاعده أو موته ؛ فهذا تعطيل وحِرمانٌ للكفاءات من أخذ حقها، ومن ايجابيات التدوير، أنه يضع كلاً منهم بصمته في الإدارة الجديدة، فأنت عملت كذا، وغيرك صنع كذا، وهذا ما نريده، ولا يُريده مُحبو الكراسي ! وذلك تأسيسٌ للعمل الجماعي، ونبذٌ للعمل الفردي.
وعلى ذلك الأساس نتمنى تقييم مَنْ هم في هرم المسئولية من قبل الموظفين أنفسهم سواءً في إدارات التربية والتعليم أو غيرها من الإدارات الحكومية عبر استمارات توزع عليهم في نهاية كل عام لتقييم رئيسهم ومن قبل مسئوليهم أيضاً، حتى يأخذ كل شخصٍ حقه دون بَخسٍ أو ظلم، ولكي نُحرر ـ عُذراً، لم أجد عِبارة أخفُ وطأةً منها ـ عِباد الله من ظلم بعض الرؤساء الإداريين الجامدين، والذين تسللوا للإدارة في ليلةٍ ظلماء عن طريق شفيعٍ أو حبيب، وألا تكون الإدارة والمنصب حِكراً على فِئام من الناس، وبالتالي لا تتعداهم إلى غيرهم، والله الموفق لكل خيرٍ سبحانه.

 2  0  2233
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1431-01-10 09:04 مساءً إدارة منهل الثقافة التربوية :
    أخي الفاضل الأستاذ / ماجد
    مبدعاً في أي حقل دوّنت .. وذلك ليس بمستغرب على شخصكم الكريم ..
    جل التقدير مع أرقى تحية .
  • #2
    1431-01-14 08:52 مساءً ماجد المحمادي :
    الأخوة الكرام / إدارة منهل الثقافة التربوية ..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
    أنتم أهل الإبداع ورعاته ..
    شكراً لكم ..

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:52 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.