• ×

08:53 مساءً , الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016

◄ الشرك بالله نوعان : أكبر، وأصغر (1) .
● القسم الأول من الشرك (الشرك الأكبر) : لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار : (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {97} إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء : 97 - 98)، مع إقرارهم بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة.
كما هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم، يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله ! وكثير منهم، بل أكثرهم، يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله ! ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده ! ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين ! وإذا انتقصت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم، غضبوا غضب الليث إذا حَرَدَ، وإذا انتهكت حرمات الله، لم يغضبوا لها، وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد وإن عثر وإن مرض وإن استوحش ... فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده ووسيلته إليه !
وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون حسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر.
قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين : (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر : 3)، ثم شهد عليهم بالكفر والكذب وأخبر : أنه لا يهديهم، فقال : (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر : 3)، فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله.
وما أعز من تخلص من هذا ! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره ! والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله ! وهذا عين الشرك.
وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد، الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه سبحانه يأذن لمن شاء في الشفاعة لهم حيث لم يتخذهم شفعاء من دونه، فيكون أسعد الناس بشفاعة من يأذن الله له صاحب التوحيد الذي لم يتخذ شفيعا من دون الله ربه ومولاه.
والشفاعة التي أثبتها الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم هي : الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده.
والتي نفاها الله هي : الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء. فيعاملون بنقيض قصدهم من شفعائهم ويفوز بها الموحدون.
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه، وقد سأله : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : (أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله خالصا من قلبه) (خ 1/193)، كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله.
فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب وأخبر أن سبب الشفاعة هو تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
ومن جهل المشرك : اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا، أنه يشفع له وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم! ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الأول : (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة : 255).
وفي الثاني : (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء : 28).
والثالث : وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين، كما قال أبو العالية : كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون : ماذا كنتم تعبدون ؟ وماذا أجبتم المرسلين ؟
فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها : لا شفاعة إلا بإذنه، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله، ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.
فالله تعالى : لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى : (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) (الأنعام : 1)، وأصح القولين : أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة والمحبة، كما في الآية الأخرى : (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ {87} يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) (الشعراء : 97 - 98)، وكما في آية البقرة : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة : 165).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/418 423) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1641
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:53 مساءً الجمعة 3 ربيع الأول 1438 / 2 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.