• ×

01:33 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ قد يُدخلُ ذنبٌ الجنةَ ! وقد تُدخلُ طاعةٌ النارَ ! (1)
أن الذنب قد يكون أنفع للعبد ـ إذا اقترنت به التوبة ـ من كثير من الطاعات : هذا معنى قول بعض السلف : "قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة ويعمل الطاعة فيدخل بها النار، قالوا : وكيف ذلك ؟!
قال : يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكره، فيحدث له انكسارا وتوبة واستغفارا وندما فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة فتكون سبب هلاكه".
فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والإطراق بين يديه منكسا رأسه خجلا باكيا نادما مستقيلا ربه، وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبرا وازدراء بالناس ورؤيتهم بعين الاحتقار.
ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المانّ بها وبحاله على الله عز وجل وعباده، وإن قال بلسانه خلاف ذلك، فالله شهيد على ما في قلبه، ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له، ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك، ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كامنا، ولهذا تراه عاتبا على من لم يعظمه ويعرف له حقه، متطلبا لعيبه في قالب حمية لله وغضب له، وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا، فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه وقال : باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود ! وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه وإكرامه إياه !! فإذا أراد الله بهذا العبد خيرا ألقاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره ويكفي به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به منه داء العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده، فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال : كما قيل بلسان الحال في قصة آدم وخروجه من الجنة بذنبه : يا آدم ! لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كَيْسِكَ، فقد استخرج بها منك داء لا يصلح أن تجاورنا به، وألبست بها حلة العبودية.
لعل عتبك محمود عواقبه • • • وربما صحت الأجسام بالعلل
يا آدم ! إنما ابتليتك بالذنب، لأني أحب أن أظهر فضلي وجودي وكرمي على من عصاني (لولم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) (م 2748).
يا آدم ! كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك.
يا آدم ! إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب، فعلى من أجود بحلمي ؟
وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي وأنا التواب الرحيم ؟
يا آدم ! لا تجزع من قولي لك : اخرج منها، فلك خلقتها.
ولكن اهبط إلى دار المجاهدة، وابذر بذر التقوى، وأمطر عليه سحائب الجفون، فإذا اشتد الحب واستغلظ واستوى على سوقه، فتعال فاحصده.
يا آدم ! ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود، وما أخرجتك منها نفيا لك عنها، ما أخرجتك فيها إلا لتعود :
إن جرى بيننا وبينك عَتْبٌ • • • وتناءت منا ومنك الديارُ
فالودادُ الذي عهدت مقيم • • • والعثارُ الذى أصبت جُبَارُ
يا آدم ! ذنب تذل به لدينا أحب إلينا من طاعة تدل بها علينا.
يا آدم ! أنين المذنبين : أحب إلينا من تسبيح المدلين.
يَا ابْنَ آدَمَ ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي.
يَا ابْنَ آدَمَ ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي.
يَا ابْنَ آدَمَ ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا؛ لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) (2).
ويذكر عن بعض العباد : أنه كان يسأل ربه في الطواف طوافه بالبيت أن يعصمه عن معصيته، ثم غلبته عيناه فنام، فسمع قائلا يقول : أنت تسألني العصمة وكل عبادي يسألونني العصمة، فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل وأجود بمغفرتي وعفوي ؟
وعلى من أتوب ؟
وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي ؟
يا ابن آدم ! إذا آمنت بي ولم تشرك بي شيئا، أقمت حملة عرشي ومن حوله يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك.
وفي الحديث العظيم الإلهي حديث أبي ذر : (يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا ..) (م 2577).
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر : 53).
ويا عبدي ! لا تعجز، فمنك الدعاء وعلي الإجابة، ومنك الاستغفار وعلي المغفرة، ومنك التوبة وعلي تبديل سيئاتك حسنات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/378 - 380) .
(2) : رواه الترمذي (5/548)، وقال : "حسن غريب" .. وحسنه الألباني في الصحيحة (1/ 199).
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  1553
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:33 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.