• ×

04:45 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ التقاعد هو أصلاً ظاهرة جديدة نجمت عن التحول إلى المجتمع العصري الصناعي، كان يتوخى أن تكون وسيلة لرفع الظلم والقسوة عن الموظفين والعمال، الذين كانوا يعملون طوال حياتهم، من دون أي ضمانات أو حقوق.
فالتقاعد أصلاً عملية إيجابية فيها احترام وتقدير (لشيبة الإنسان)، تحفظ له كرامته وإنسانيته، وتؤمن له حياة كريمة عزيزة ليعيش سنوات حياته الأخيرة بأمان واطمئنان. إلا انه، ونتيجة للتغيرات في شتى مجالات الحياة، فقد برزت جوانب سلبية متعددة : فالتقاعد يشكل ضغطاً كبيراً وحاداً في حياة كل إنسان، تغيرات تتناول الوقت والعمل، والالتزامات والمسؤوليات. ويؤدي التقاعد إلى انخفاض الدخل والمقدرة المالية، كما ان الفراغ بالنسبة للمسنين المتقاعدين حاد وقاتل، لأنه يأتي فجأة، وبعد سنوات طويلة من العمل المتواصل. وليس هذا فحسب، بل ان التقاعد يحدث في فترة كثيراً ما يتدهور الوضع الصحي فيها بشكل ملحوظ.

■ والتقاعد في الوظائف الرسمية في الدولة :
لحظة مهمة في عمر الإنسان، وهي في سن الستين، وأحياناً حالات خاصة في سن الخامسة والستين، وهي لحظة مهمة مثل لحظة الالتحاق بأول عمل، وغيرها من الوظائف المهمة. والتقاعد له جوانبه وآثاره على الشخص والمجتمع، قد يصبو الإنسان قبيل تقاعده إلى أن يحقق ما حرم منه خلال فترات حياته السابقة إلى أن يستريح من عناء العمل، والارتباطات، والالتزامات. لكن سرعان ما تنتهي حفلة التكريم والتوديع فيجد نفسه فجأة وقد فقد السلطة والكيان، والهيبة والتأثير في الآخرين. وإذا لم يكن هناك تخطيط مسبق، وإعداد لمرحلة التقاعد، فإن المتقاعد يجد نفسه في خواء، ومن دون هدف. وربما يحاول أن يعوض ذلك بالتدخل في ما لا يعنيه، وقد تكثر طلباته في البيت، وقد يضيق به أحياناً باقي أفراد العائلة، يودون لو يخرج من المنزل لقضاء بعض أمره، أو الترويح عن نفسه.

وبالمقابل، فإن الإنسان الذي تسلح بالعقيدة، ورسخ إيمانه منذ صغره وخلال فترة شبابه وما بعدها يشعر في وقت التقاعد أن أمامه رسالة لم تتم، ويتذكر دائماً أنه مراقب من الله عز وجل، ويتذكر القول : «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا» يشعر أن هناك إحساساً بالحياة وحافزاً لها، ويجعل الآخرين ينظرون إليه على أنه مرغوب، ويتسامى بدينه، وقيمه وأخلاقه، ومعاملاته وعطائه، يعطي كل شيء حقه، يعتني بنفسه وغذائه ورياضته، وأمثلها المشي في الهواء الطلق.
وإذا قدر الله وفقد أحد الزوجين الزوج الآخر فقد ينتاب الشخص في تلك الفترة شعور بفقد الأنيس والأليف، وشعور بالوحدة والخوف والحزن، وقد تتدهور حالته الصحية، ويجافيه النوم ويرفض الطعام، وقد يلحق بصاحبه بعد فترة وجيزة من فراق صاحبه، وكثير من هؤلاء يفضل عدم الزواج حتى لو عاش في وحدة قاسية.

■ وهناك أمور تساعد على نجاح خوض مرحلة التقاعد بنجاح، وتتفاوت تلك الأمور من إنسان إلى آخر تبعاً لـ :
1 ـ قدرة الإنسان على الاعتماد على نفسه في الحركة.
2 ـ قدرته على المشاركة في الأمور بحكمة، والتآلف مع أقاربه واصدقائه.
3 ـ إحساسه بأن الآخرين ما زالت لديهم نفس الثقة فيه، وبأنه ما زال مرغوباً فيه، وفي خبرته السابقة.
4 ـ الانطلاق في الحركة والنشاطات والسفر كلما اقتضى الأمر.
5 ـ الشعور بأن العائلة أصبحت تميل إلى حمايته أكثر من ذي قبل.
6 ـ درجة ونوعية تعليمه وثقافته.
7 ـ مستوى دخله، ودخل الأسرة.
8 ـ درجة تفهمه لمرضه، إن كان مريضاً، وتقبله لخطة العلاج.

وفي السنوات الأخيرة كانت هناك ثورة على القوانين التي تحدد سناً للتقاعد، خرجت جماعات كثيرة تقول : كيف نحدد سن العمل وسن التقاعد ببلوغ عمر بذاته، وليس بفقدان القدرة ؟ كيف نعتبر حاجز الستين سداً منيعاً يحول دون تدفق الراغبين في العمل والقادرين عليه ؟ كيف يكون هناك قانون إلزامي يحد من حرية البشر في العمل ؟
وفي هذا الاتجاه، تشكلت في الولايات المتحدة منظمة للمدافعين عن حقوق المسنين في مواصلة العمل، واصدرت هذه المنظمة بياناً في سبتمبر (أيلول) 1997، أكدت فيه رفضها لقوانين التقاعد مطالبة بأن يكون التقاعد اختيارياً، ووصفت الإلزام في هذا المجال بأنه عمل غير أخلاقي، وأنه حرمان للشخص من حق كسب العيش.
وفي الوقت نفسه، ألغت كندا الإحالة للتقاعد على أساس السن، وتركت المشتغل ليعمل ما دام قادراً على العطاء، وكانت نتائج ذلك إيجابية، فقد قلت الأعباء التأمينية، وزاد المساهمون في الاقتصاد القومي. وفي اليابان، تم رفع سن التقاعد إلى الخامسة والستين، وتجري معاقبة الشركات التي لا تتعاون في هذا المجال. إذن هناك ثورة على القوانين التي تجعل السن سيفاً مسلطاً، وأداة تحكمية تفصل بين حالة العمل واللاعمل، وتبقى كبرى الخرافات ان المسنين عاجزون عن تقديم شيء للمجتمع، رغم ان الانتاج في المجتمع بات ذهنياً ومعتمداً على الآلة، أكثر مما يعتمد على عضلات الإنسان.
أن نظام التقاعد يجب أن يكون متطوراً متجدداً يلبي الاحتياجات والمطالب، ويتلاءم مع المتغيرات الحضارية والاجتماعية والاقتصادية، كما لا بد أن يكون النظام قادراً على تحقيق العدالة والمساواة، وأسوأ أنواع القرارات هي النوع الإجباري الذي يفرض على الإنسان من دون الأخذ برأيه. ان قرار التقاعد يجب أن يقوم على أسس علمية مدروسة وليس فقط على أسس رقمية مجردة، فبلوغ الإنسان سنوات عمر معينة لا يكفي أن يكون مبرراً للتقاعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( قسم الروابط الإلكترونية ) .

 0  0  3780
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:45 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.