• ×

12:39 مساءً , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ وقفات مع التائبين (1) .
● الوقفة الأولى : أن يكون المقصود من التوبة تقوى الله : وهو خوفه وخشيته والقيام بأمره واجتناب نهيه . فيعمل بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله.
لا يريد بذلك عز الطاعة، فإن للطاعة وللتوبة عزا ظاهرا وباطنا، فلا يكون مقصوده العزة، وإن علم أنها تحصل له بالطاعة والتوبة، فمن تاب لأجل العزة فتوبته مدخولة. فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا. وكثير من الصادقين قد يلتبس عليهم حال نفوسهم في ذلك، ولا يميزه إلا أولو البصائر منهم.

● الوقفة الثانية : هل يجب على التائب نسيان ذنوبه الماضية أم يذكرها لتحفزه على الاستمرار في الطاعة ؟
الجواب : من أهل العلم من قال : أن الاشتغال عن ذكر الذنب والإعراض عنه صفحا والاشتغال بصفاء الوقت مع الله تعالى أولى بالتائب وأنفع له، ولهذا قيل : ذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء.
ومن أهل العلم من قال : الأولى أن لا ينسى ذنبه، بل لا يزال جاعلا له نصب عينيه يلاحظه كل وقت، فيحدث له ذلك انكسارا وذلا وخضوعا أنفع له من جمعيته وصفاء وقته، قالوا : ولهذا نقش داود الخطيئة في كفه وكان ينظر إليها ويبكي، قالوا : ومتى تهت عن الطريق، فارجع إلى ذنبك، تجد الطريق.
ومعنى ذلك : أنك إذا رجعت إلى ذنبك انكسرت وذللت وأطرقت بين يدي الله عز وجل خاشعا ذليلا خائفا. وهذه طريق العبودية.
والصواب التفصيل في هذه المسألة وهو أن يقال : يكون تذكر الذنب أنفع للتائب : إذا أحس من نفسه حال الصفاء مع الله العجب ونسيان منة الله وفضله، وخطفته نفسه عن حقيقة فقره ونقصه.
ويكون نسيان المعصية والإعراض عن الذنب أولى به وأنفع : إذا كان في حال مشاهدته منة الله عليه وكمال افتقاره إليه وعدم استغنائه عنه في ذرة من ذراته، وقد خالط قلبه حال المحبة والفرح بالله والأنس به والشوق إلى لقائه وشهود سعة رحمته وحلمه وعفوه، وقد أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات، فإنه متى رجع إلى ذكر المعصية، توارى عنه ذلك، ونزل من علو إلى سفل، ومن حال إلى حال بينهما من التفاوت أبعد مما بين السماء والأرض.
وهذا من حسد الشيطان له، أراد أن يحطه عن مقامه وسير قلبه في ميادين المعرفة والمحبة والشوق إلى وحشة الإساءة وحصر الذنوب.

● الوقفة الثالثة : المراد من قولهم (التوبة من التوبة) :
وكيف تكون التوبة من التوبة ؟!
التوبة من أعظم الحسنات وهي من أغلى الأمنيات : فلعل مرادهم : أن يتوب من رؤية التوبة في نفسه وغروره بها، فإن التوبة إنما حصلت له بمنَّة الله ومشيئته، ولو خُلِّيَ ونفسه لم تسمح بها ألبتة، فإذا رآها وشهد صدورها منه وغفل عن منة الله عليه، تاب من هذه الرؤية والغرور والغفلة.
ومرادهم أيضا : أنه قد يكون في التوبة علة ونقص وآفة تمنع كمالها، وقد يشعر صاحبها بذلك وقد لا يشعر به، فيتوب من نقصان التوبة وعدم توفيتها حقها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) : المدارج (1/ 275 - 278) .
للمزيد : عبدالرحمن بن قاسم المهدلي ـ رياض التائبين ـ الطبعة الأولى (الرياض : دار القاسم ـ 1409هـ).

 0  0  2311
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:39 مساءً السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.