• ×

11:10 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ درج كثير من المفكرين والباحثين في شؤون التربية والتعليم - في العالم العربي على وجه العموم - على تشبيه التربية بالصناعة، فحينما يتحدثون في مناسبة تربوية عن المدرسة أو المعهد أو الكلية أو الجامعة يصفونها بـ(مصانع الرجال)، وكذلك الحال في كتاباتهم التي تزخر بمصطلحات اكتسب مدلولاتها من الميدان الصناعي مثل الرأسمال البشري، الاستثمار في الإنسان، تنمية القوى البشرية، والتي تعبر عن قناعات لدى أولئك بأن التربية في مضمونها صناعة تحتاج إلى بناء مؤسسات وتمويل، حساب تكاليف، وإدارة .. إلخ، من أجل الاستثمار وجني المزيد من العوائد الربحية على المدى البعيد في مجال الإنسان.
مثل هذه الرؤية للتربية لها ما يبررها من الوجهة الاقتصادية البحتة، أما إذا نظرنا إلى التربية كنظام وحللناها إلى مدخلات ومخرجات وتشغيل وفقاً لنموذج تحليل النظم نجد أن الكل فيها من الناس وإلى الناس ومع الناس، فمن الأنسب والحالة هذه أن نميل في تشبيهنا للنظام التربوي بالمزرعة والتربية بالزراعة منطلقين في هذا التصور من منظور (إحيائي) باعتبار التلميذ - وهو محور العملية التعليمية في التربية - إنساناً قبل كل شيء له شخصيته التي تحمل بعداً وجدانياً، وله مشاعر وأحاسيس، وقبل ذلك يمتلك إرادته وحريته في الاختيار، وهذه كلها معطيات إنسانية لا يمكن تعليبها أو تجميدها في عمليات تحويلية داخل المصانع وشركات الأعمال.
إن كل ما يرى في التربية صناعة إنما يتكئ في نظرته على بعد فلسفي يرى فيه مؤيديه، وإن المجتمع بنظمه المختلفة ومنها النظام التربوي يشبه الآلة الضخمة التي تتكون من عدة أجزاء متكاملة ومتفاعلة يؤثر كل جزء منها في الآخر، وإن هذه الآلة في حركتها الدائبة وتفاعل أجزائها إنما تتحرك وتتفاعل وفقاً لقوانين علمية يمكن تفسيرها من منظور الآلة، والمؤسسة، والفعل ورد الفعل، ومن هذه النظرة ربما دخل مفهوم (التربية كصناعة)، وأصبح ينظر إلى المدرسة كمؤسسة، وأصبح إصلاح النظام التربوي يخضع لقوانين التشريح والتشخيص والتحليل الميكانيكي لأي جانب من جوانبه المختلفة كالمنهج الدراسي، والسلم التعليمي، ونظام الاختبارات .. إلخ، والآن - ننتقل - بعد هذه التوطئة - إلى موضوعنا (الشجرة التعليمية).
لاشك أن طرح قضية تربوية كهذه سوف يفتح الشهية والفضول لدى البعض لإثارة السؤال حول ما إذا كان هناك أوجه شبه بين التربية من ناحية والزراعة من ناحية أخرى ؟ فمن الواضح أن لهذا السؤال أهمية تتعدى التشابه من حيث الجذع اللغوي بين الكلمتين (التربة والتربية)، فتشبيه التربية بالزراعة والمدرسة بالمزرعة يستتبع جملة من التوجهات والرؤيا المستقبلية حول النظام التربوي ليس من حيث جزئية السلم التعليمي فحسب، بل تتعداه إلى البيئة التعليمية والمناخ التربوي العام وفروع وتخصصات التعليم نفسه.
فإذا نظرنا إلى التربية وأمعنا التحليل في منظومة النظام التربوي وجدنا - بدون شك - أن عملية التربية والتعليم أقرب إلى العملية الزراعية منها إلى العملية الصناعية؛ نظراً للطبيعة الإحيائية التي تجمع بين الفسيلة في المزرعة والتلميذ في التربية، فكلا العنصرين ذو طبيعة إحيائية يحتاج كل منها إلى رعاية وإلى تربية صالحة ومناخ ملائم حتى ينمو ويستمر حياً.
وحتى من حيث التخطيط التربوي نلاحظ أنه كان يهتم من خلال الستينيات والسبعينيات من هذا القرن بضرورة ربط التعليم باحتياجات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، ويقدم التعليم كما لو أنه صناعة والنظام التربوي باعتباره مصنعاً مهمته إنتاج العمالة اللازمة وفقاً لاحتياجات سوق العمل كما يراه المخططون، بينما نجده يتجه خلال الفترة الأخيرة إلى الاهتمام بنوعية التعليم وبيئته، وبمشاركة الأهالي والمربين في الميدان مع رفع شعار (الإنسان أولاً) وكما كان يقول المرحوم بإذن الله الملك / الحسين بن طلال (الانسان أغلى ما نملك) ويقول الملك / عبدالله الثاني (الطالب محور العملية التربوية والمعلم جوهر العملية التربوية) فالعملية التربوية والتعليمية عبارة عن مثلث له ثلاثة رؤوس هي : المعلم - فالطالب - فالمنهاج المقرر - فالمعلم يتعامل ويعمل بالمدرسة مع الطالب والمنهاج المقرر، والطالب لا يستطيع أن يشتري علامة واحدة بمليون دينار من اية بقالة او سوبرماركت او حتى من بيت والديه، فهو لا بد له أن يتعامل مع المعلم ومع المنهاج المقرر، وكذلك المنهاج المقرر ليس له فائدة بتاتاً إذا لم يقرؤه ويفهمه الطالب من المعلم - بل سيبقى اسطرا سوداء على اوراق بيضاء - لا يعرف ما بين دفتي هذا الكتاب او ذاك المجلد - من الجلدة الى الجلدة الا من قرأه وفهمه - بل وطبق المعلومات الواردة بين صفحاته، وبذلك تنطبق جميع رؤوس المثلث بعضها على بعض ويصيح الشكل شكلاً هندسياً معروفاً 100%، وذلك هو العلم الكامل (لمستوى عمر وسن هذا الطالب).
إذ بدأ يركز في برامجه المختلفة على قضايا كيفية مثل (الانتماء، الاتفاق، والإنجاز) ومن المهم في هذا السياق هو تطوير النظرة إلى التعليم ونحن على حدود القرن الحادي والعشرين بإرادة جديدة وعزم أكثر صلابة إذا ما أردنا أن نسهم بحق في تحقيق نهضة الأمة وتلبية شعار من رفع (وراء كل أمة عظيمة تربية عظيمة) بل لقد قال حكماء التربية العالمية (من ملك التربية ملك المستقبل) فنحن نرى حرص بعض الاحزاب في عدة دول - ومنها العربية - على ضرورة تمثيل الحزب بالحكومة الجديدة ان يكون وزير التربية والتعليم من اعضاء الحزب بالحكومة - سواء أكان هذا الحزب محافظاً ام معرضاً - كما حدث في الجمهورية اليمنية الشقيقة عام 1997م عندما كان وزير التربية من اعضاء حزب الاصلاح، ولكن الوزير قد اتجه صوب حزب المؤتمر العام الحاكم لرئيس الجمهورية مما دعى حزب الاصلاح الى اجبار وزير التربية والتعليم إلى تقديم استقالته من وزارة التربية والتعليم وكذلك من حزب الاصلاح نظراً لانضمامه إلى حزب المؤتمر العام الحاكم.

«الشجرة التعليمية بدلاً من السلم التعليمي متطلب ضروري آخر في نظر البعض لمستقبل تربوي مشرق».
بالفعل ! لقد أدى السلم التعليمي دوره في الماضي، وبتطور العلوم والتقنيات الحديثة وتطور المجتمعات، أصبح الانتقال من مفهوم السلم التعليمي إلى مفهوم الشجرة التعليمية مستقبلًا تعليميًا مثاليًا ومطلوبًا من الناحية التعليمية الفنية فكرة الشجرة التعليمية تنطوي على مجاز لغوي يتمثل في أن يحتوي التعليم على جذع أساسي واحد يمر به كل الطلبة في مراحل تكوينهم الأولى، وهذه المرحلة هي مرحلة التعليم الأساسي، التي أقرها المؤتمر العالمي حول التربية للجميع جومتين (تايلاند) عام 1990م، وحاجات المرحلة التعليمية الأساسية تشمل كل من وسائل التعلم الأساسية، كالقراءة والكتابة والتعبير الشفهي وحل المشكلات والحساب والمضامين الأساسية للتعلم، كالمعرفة والمهارات والقيم والمواقف التي يحتاجها البشر من أجل البقاء, وتنمية كافة قدراتهم للعيش والعمل بصورة كريمة والمشاركة الكاملة في عملية التنمية وتحسين نوعية حياتهم واتخاذ قرارات مستنيرة لمواصلة التعليم ثم بعد الجذع تأتي الفروع والأغصان, وهي تمثل أنماطا من المعارف المتنوعة، فكل طالب داخل النظام التعليمي، وفق مفهوم الشجرة التعليمية، غير مجبر على دراسة معرفة معينة، بل إن لديه الحرية في اختيار صنوف المعرفة التي تتوافق مع ميوله واهتماماته؛ وعلى ذلك فإن مفهوم الشجرة التعليمية يراعي التنوع بين الطلبة في الحاجات والاهتمامات والميول وفي أسلوب التعلم الذي يناسب كل طالب (ولكن وبكل اسف فاننا نلاحظ الاصابع الخفية قد اصبحت تساهم بكل قوة في (قتل اللغة العربية - لغة القرآن الكريم - وهو أصلاً الذي حفظ لنا هذه اللغة الراسخة بأقوى من رسوخ الجبال) سواء من رغبة الاهل او من مشرفي وموجهي مادة اللغة العربية يطلبون من المعلمين تحديد بل تخصيص المطلوب من الفرع المطلوب تدريسه بالوحدة المقررة من الكتاب المدرسي - فمثلاً عدم الاهتمام بالاعراب أو الاملاء في حصة القراءة - بل حتى ان التعبير قد فارق نصاب مادة اللغة العربية سواء كتابياً أو شفوياً في مدارس وزارة التربية والتعليم الاردنية - وذلك جعل كتابة طلاب الكليات العليا والجامعات - لا يصدق من يقرؤها أنها من طالب قد نجح من المرحلة الابتدائية او المتوسطة او الثانوية، ففي حصة القراءة يكفي - عند معظم المشرفين للغة العربية ان يقرأ بعض الطلاب بالفصل الواحد ممن يتألف من 40-50 طالباً لبضعة اسطر بل حتى لبعض الكلمات منفردة ومنهم من يحرص على نسخ الموضوع لطلاب الصف الخامس والسادس او حتى السابع والثامن (وليت ان يكون نسخه سليماً او صحيحاً او حتى بخط جيد) فإذا ما حاول معلم مخلص ربط جميع الفروع بعضها ببعض - كمعلمي الجيل السابق - ويجعل الطالب في عداد الراسبين للعام الدراسي الحالي، فإنه سيواجه المعيقات والجبال في وجهه من نجاحه في امتحان اكمال الدور الثاني او حتى إذا كان معيداً باكثر من 4 مواد مجتمعة بالفصل الدراسي الثاني - حسب القوانين السارية المفعول حالياً بالاردن - فان الطالب سوف ينجح بالعام القادم نجاحا تلقائيا ولو كان لا يعرف التمييز بين الالف والباء (فهل هذه القوانين سوى تدمير للغة العربية خاصة وجميع المواد الدراسية عامة بل قتل اللغة العربية بعينها - وقس على ذلك جميع المواد الدراسية فحسبنا الله ونعم الوكيل).
فبعد ذلك كيف سينجح هذا الطالب وبهذا المستوى بامتحان الثانوية العامة او الجامعة سوى الترفيع التلقائي بالمدرسة الاساسية او بالغش بالثانوية العامة، وبعد الحصول على كرتونة الشهادة الجامعية سيطلب بكل قوة من ديوان الخدمة المدنية والنائب الفلاني والوزير العلاني والشيخ المبجل ضرورة تأمين (الوظيفة الحكومية شرطا) فما هو مخزونه العلمي - بل الثقافي - ممن لا يعرف إعراب جملة واحدة فقط مثل (مات الرجل).
ولكنني من واقع الميدان التربوي أرى بوجوب ان تتبنى وزارات التربية والتعليم بالدول العربية خاصة والاجنبية عامة الشجرة التعليمية التي تعني الثقافة العامة بكل شئ واطالة عدد ساعات مكوث الطلاب بالمدارس لأطول وقت من الزمن ولا اقصد زيادة عدد حصص المعلمين او جدول الحصص الاسبوعية بل ايجاد حصص نشاط مثمرة كيوم كامل لجميع طلاب المدرسة من ريادة المكتبة ونظافة المدرسة وزراعة حديقة المدرسة .. الخ، وذلك مما يجعل الطالب عضو نافع بالمدرسة - ولا يعتدي على الممتلكات العامة بها كالاثاث ولمبات الاضاءة والابواب والشبابيك ودهان الجدران والابواب والاسوار (بدلا من تخريب وتكسير 200 مقعد بعام واحد وثمن المقعد الواحد 55 ديناراً بمجموع 11000 ديناراً اردنياً - أي ما يعادل 15510 دولاراً امريكياً أو 58162.5 ريالاً سعودياً بمدرسة واحدة في عام واحد) وللأسف أن اولياء الامور لا يعترفون بشقاوة اولادهم بالمدارس - حتى عن المشاكل اليومية بين بعضهم البعض لأتفه الاسباب - لأن وجود بعضهم بالمدرسة عبارة عن اخراجهم من البيت وكأن المدرسة أصبحت مأوى فقط لا غير - وذلك مما سبب تعمد (بعض المعلمين) لاهمال وقتل رسالة مقدسة اسمها (التربية والتعليم).

«لا مستقبل تربوي مشرق بدون الشراكة بين المجتمع المدني والدولة في الشأن التربوي» .
نعم ! لقد أصبحت الشراكة بين الدولة والمجتمع أمرًا ضروريًا في الشأن التربوي، فإخفاق التعليم في كثير من الدول النامية يرجع إلى ضعف الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني في هذا الخصوص، ولذلك وعلى سبيل المثال أصبحت لدينا مفارقة عجيبة تتمثل في ظاهرة بطالة الخريجين في مجتمع يستقدم العمالة من الخارج ! ويمكن تحقيق الشراكة بين الدولة والمجتمع عندما نربي الأجيال تربية مستقبلية واعية تأخذ في الاعتبار احتياجات المستقبل للدولة وللمجتمع وللأفراد معًا، ويدعم ذلك أن يتحول التعليم نحو المستقبل؛ في أساليبه وطرقه وأدواته ومحتواه، وأن نرسم صورة مستقبلية متسقة نرجو أن يكون عليها وطننا ومجتمعنا وأبناؤنا.

«إصلاح قمة الهرم التعليمي (التعليم العالي)، أم إصلاح قاعدته (التعليم العام) مسألة هامة يتوقف عليها المستقبل التربوي العربي» .
وبعبارة أخرى هل نبدأ بمنبع التعليم (التعليم العام) أم بمصبه (التعليم العالي) ؟ على العموم وبعيدًا عن التعبيرات البلاغية المختلفة فلا شك بأن إصلاح قاعدة التعليم مطلب أساسي، ولكن في الوقت نفسه يجب أن يتم الإصلاح في قمة الهرم، لأن التطورات في العلوم والتقنية سريعة ويجب مسايرتها، ولا يمكننا الانتظار حتى يتم الإصلاح في القاعدة، وإلا فإن التعليم العالي سوف يكون متأخرًا عن نظيره في الدول المتقدمة، والمشكلة التي تحدث في كثير من الدول النامية، أن الإصلاح في التعليم جزئي وليس بشكل متكامل، وليس ضمن خطة إستراتيجية مستقبلية شاملة للتعليم العام والتعليم العالي، ولذلك يوجد ضعف في مستويات طلبة المستويين، مع وجود فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية من ناحية، ووجود فجوة مقابلة بين التعليم العام والتعليم العالي من ناحية أخرى، ولذلك تحاول بعض الجامعات ردم تلك الفجوة باستخدام السنوات التحضيرية الخلاصة أنه من الواجب الإسراع والاستمرار في الإصلاح التعليمي في قاعدة الهرم التعليمي وفي هرمه في آن واحد، لأنه من صفات الإصلاح التربوي التعليمي الجوهرية أن يكون عملية شاملة كما يجب أن يكون عملية مستمرة.

«تعليم الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين : الكارثة أو الأمل (عنوان تقرير تربوي شهير عن مستقبل التعليم العربي - 1991م كمثال على الدول النامية بالعالم)» .
البحوث والدراسات والتقارير وهيئات الاعتماد الدولية تفيد بأن التعليم في العالم العربي متأخر عن نظيره في كثير من الدول المتقدمة، وترجع ذلك إلى أسباب عديدة لا يمكن حصرها في هذا المجال، ولكن من أبرزها تدني مستوى أداء الإدارة التربوية العربية، فالإدارة التربوية في البلدان العربية لم تستوعب التغييرات السريعة، وهي بطيئة في اتخاذ القرارات التربوية الهامة والحاسمة، علاوة على محدودية الصلاحيات الممنوحة لها، وغياب التنسيق بين الإدارات المختلفة في وزارات التربية والتعليم العربية.
أنت تشير إلى البعد التربوي في مستقبل العملية التعليمية مشكلات الشباب لا تكمن فقط في التدخين والمعاكسات، وإنما توجد مشكلات سلوكية لا حصر لها في مدارس البنين والبنات تتراكم على مر السنين، فمظاهر بعض الشباب قد تغيرت ولا تعكس مظاهر الشباب في مجتمع مسلم، لذلك لا بد من وجود خطط تربوية جديدة لتطوير المناهج تركز على التربية والإرشاد الطلابي في المدارس، نعم فما يمارسه شباب اليوم هو ترجمة لفشل المؤسسات التعليمية في تربيتهم، فالمؤسسات التعليمية لدينا تركز على التعليم وتهمل التربية.

«11 سبتمبر كان من الواجب أن تكون نقطة تحول في التفكير بمستقبلنا التربوي محليًا» .
يجب أن نستفيد من الأزمات والكوارث والحروب في إعادة النظر في مناهجنا التعليمية، فقد مرت بالمنطقة عدة حروب وأزمات؛ حروب مع إسرائيل وحروب الخليج الأولى والثانية وحرب العراق وأفغانستان، وإطلاق إسرائيل لقمرها الصناعي، وكوارث وأزمات مثل 11 سبتمبر، ومع كل ذلك فإن المناهج التعليمية العربية صامدة أمام تلك الكوارث والأزمات، وإن حصل فيها تطوير فهو تطوير جوانب شكلية وجزئية، ولم تتطور المناهج التعليمية بالسرعة الكافية ولم تتجاوب مع تلك الأزمات في عملية التطوير، إن التنافس في العالم يعتمد إلى حد كبير على الاستفادة من الأزمات والكوارث والحروب لتحقيق جودة التعليم والتدريب واستخدام التقنيات الحديثة مع إيجاد الخطط والاستراتيجيات المستقبلية، صحيح أن عملية التطوير يجب أن تكون مستمرة ونابعة من داخل المجتمع، ولكن الأزمات تساعد على الإسراع في عملية التطوير، إن كل أزمة تواجه بعض الدول المتقدمة، تكون مثار اهتمام في طرق التغلب عليها من خلال تطوير التعليم؛ فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، ركزت على تطوير مناهج العلوم والرياضيات عندما أطلق الاتحاد السوفييتي (سابقًا) قمراً صناعياً في الفضاء، وبعد عشر سنوات وضعت أمريكا رجلًا على القمر.

«سياسة التعليم في المملكة رغم استقرارها لحوالي أربعين سنة، إلا أنها ما زالت تشكل إطارًا واسعًا لصنع مستقبل تربوي أفضل» .
صدرت وثيقة سياسة التعليم في عام 1390هـ / 1970م، (وكما مارست تنفيذها 100% بمدارس المملكة العربية السعودية من عام 1973 حتى عام 1994) لتكون وثيقة علمية تربوية لنظام التعليم وأهدافه في المملكة العربية السعودية؛ وبالرغم من أنه مر على سياسة التعليم أكثر من أربعين سنة إلا أنها ما زالت تحتوي على مواد يمكن الاستفادة منها، كما أنها تحتوي على بعض المواد التي لم يتم تطبيقها بشكل فعال؛ كربط التربية والتعليم في جميع المراحل بخطة التنمية العامة للدولة، ورفع مستوى الصحة النفسية بإحلال السكينة في نفس الطالب، وتهيئة الجو المدرسي المناسب، وغرس حب العمل في نفوس الطلاب، والإشادة به في سائر صوره، واكتساب القدرة على التعبير الصحيح في التخاطب والتحدث والكتابة بلغة سليمة وتفكير منظَم، فسياسة التعليم ما زالت تشكل إطارًا عامًا لشيء من مستقبل التعليم في المملكة، ولكن هذا لا يعني أن تبقى سياسة التعليم لأربعين سنة بدون تطوير وتغيير في موادها، فقد اتفقت التوجهات العامة للسياسات التعليمية في معظم دول العالم على وجوب التفاعل مع المستجدات العالمية مثل العولمة والإنترنت والتعليم الإلكتروني والتعليم عن بعد الاتصالات الحديثة وإدارة الجودة الشاملة في التعليم والاعتماد الأكاديمي والتربوي وغيرها من المستجدات، لذا يجب أخذ هذه المستجدات وغيرها في الاعتبار عند إعادة صياغة السياسة التعليمية في المملكة، لذلك أرى أن إعادة صياغة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية أصبحت ضرورة ملحة.

«الحل السحري لمعضلة التخلف العلمي يكمن في المبادرة إلى تعريب التعليم العالي .. لا في تدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية» (بعض التربويين السعوديين) .
أوافق من الناحية العاطفية على تعريب التعليم، وإن كان حلما يصعب تحقيقه، فعواطفنا وأحلامنا التربوية في العالم العربي تفوق قدراتنا، لكن من الناحية العملية لا أوافق على تعريب التعليم العالي - خصوصًا - لأن العالم العربي متخلف عن ركب الحضارة الإنسانية، ففي أوج الحضارة الإسلامية كان طلاب الغرب يتعلمون العربية ويفتخرون بها عندما كان المسلمون يحتضنون العلم والمعرفة، فإذا كان الباحث العربي في الوقت الحاضر لا يستطيع الحصول على الدراسات والبحوث العربية الموجودة في المكتبات الجامعية والمكتبات العامة بسهولة، لعدم وجود قواعد معلومات مترابطة، ولعدم وجود قاعدة معلومات عربية موحدة يمكن الاتصال بها، فكيف يمكن تعريب الكم الهائل من العلوم والبحوث التي تصدر يوميًا في مختلف مجالات المعرفة ؟ بالمناسبة أرى أن اللغة الإنجليزية أصبحت من ضرورات الحياة، ليس فقط لتدريسها في المرحلة الابتدائية أو التعليم العام، وإنما أصبحت مرتبطة بمجالات العمل في القطاع الخاص ومرتبطة بالدراسات العليا والبحث العلمي الذي لا غنى له عنها، غني عن القول بأن تعلم اللغة الإنجليزية لا يكون على الدوام على حساب اللغة العربية أو التقليل من شأنها.

«مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود هل يمثل فرصة مواتية لصياغة مستقبل تربوي محلي أفضل ؟» .
بالرغم أن مشروع الملك عبدالله ما زال في بدايته، إلا أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن أهداف مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم، لم تتحقق كما أراد الملك عبدالله تحقيقها وإحداث نقلة نوعية في التعليم في المملكة العربية السعودية، فالنتائج الأولوية تشير إلى أنه تم إنفاق أكثر من بليون ريال على المشروع، بينما مستوى الطلبة في مدارس المشروع (50 مدرسة) أقل من مستوى الطلبة في بعض المدارس الأخرى التي لا تتوفر لها الإمكانات المالية والتقنية التي توفرت لمدارس المشروع، ومهما حصل من تغيير في الأشخاص والإدارات، وهذا هو المتوقع، فإن لم يرتكز المشروع على خطة إستراتيجية قابلة للتنفيذ واختيار خبرات تربوية مؤهلة (ضمن معايير موضوعية دقيقة)، مع التركيز في الاستثمار على الإنسان، فإن مشروع الملك عبدالله سوف يموت كما ماتت بعض المشاريع التربوية السابقة سواءً كان المشروع تحت مظلة وزارة التربية والتعليم أو تحت مظلة شركة قابضة.

«مر الإشراف التربوي بعدة مراحل، فما هو البديل المستقبلي للإشراف التربوي في ظل التطور الهائل في التعليم ؟»
لقد أدى الإشراف التربوي دوره في الماضي في تطوير العملية التعليمية، ولكن مع التغيرات السريعة الناجمة عن التقدم العلمي والتكنولوجي وتقنية المعلومات، فإنه أصبح من الضروري مواكبة الإشراف التربوي لهذه التغيرات لمواجهة العديد من المشكلات المستجدة؛ كانفجار المعلومات، وتزايد المدارس، وازدياد عدد المعلمين والطلاب، وبُعد المسافات، وقلة عدد المشرفين لمواكبة التوسع الكبير في التعليم، وقلة الزيارات الإشرافية للمعلم في العام الدراسي .. إلخ، ولمسايرة التطورات والمشكلات التربوية والتقنية، فإن نمط الإشراف التربوي يجب أن يتطور لتحقيق جودة ونوعية من ناحية، ولتقديم الخدمات الإشرافية المتواصلة لجميع المعلمين من ناحية مقابلة، وتحقيقًا لذلك أقترح الأخذ بنمط الإشراف التربوي الإلكتروني، وذلك كحل لمواجهة هذه التغيرات، وهذا النمط الجديد من الإشراف ليس صعب المنال، فمن الممكن تحقيقه من خلال إيجاد موقع إلكتروني تفاعلي للإشراف التربوي، يحتوي على دروس نموذجية في مختلف التخصصات، ومعلومات وبحوث ودراسات لمختلف الموضوعات، ومنتديات خاصة لكل مادة دراسية بحيث يشرف على كل منتدى مشرف تربوي متخصص، ولتفعيل الإشراف التربوي الإلكتروني يجب تخفيض نصاب المعلم ساعتين أسبوعياً، بحيث يستغلها المعلم في التواصل أسبوعيًا بموقع الإشراف التربوي الإلكتروني، ويتفاعل مع المشرف التربوي في مادته إلكترونيًا، سواءً من خلال منتدى خاص أو من خلال البريد الإلكتروني .. إلخ، وبحيث تكون الساعتان المخفضتان من نصاب المعلم جزءًا مكملًا لنصابه التدريسي في المدرسة. وتطبيق الإشراف الإلكتروني لا يعني عدم وجود لقاءات بين المشرفين التربويين والمعلمين، وتقتصر هذه اللقاءات على المعلمين الذين هم في حاجة للتطوير من خلال عقد دورات تدريبية لهم من قبل المشرفين، بحيث يكون الإشراف التربوي عبارة عن مركز استشاري تدريبي للمعلمين، ومع تطبيق الإشراف الإلكتروني يجب تفعيل دور المدير كمشرف تربوي مقيم في المدرسة .

«قناة تربوية سعودية متخصصة، تبث الخبرات التربوية الناجحة .. خطوة هامة في سبيل مستقبل تربوي مشرق».
أصبح الفضاء العربي مليء بالفضائيات الموجهة للشباب والشابات والتي تهدف إلى كسب المال بشتى الوسائل والطرق، والأدهى من ذلك أنها تحتوي على برامج هدم للأخلاق والمثل العليا، إذا كان بإمكان أي فرد أو مؤسسة صغيرة اليوم أن تنشئ فضائية، فإنه من الواجب على مؤسسات التعليم العام والعالي إنشاء فضائيات تربوية، وفق أسس تربوية وإعلامية علمية، تنقل فعاليات الندوات واللقاءات والمؤتمرات واللقاءات مع الخبراء ومناقشة البحوث والدراسات والمناشط والمنافسات الطلابية المختلفة، وهي بذلك - وبالفعل - سوف تكون خطوة هامة في سبيل مستقبل تربوي مشرق.

«الخصخصة واضمحلال مجانية التعليم محليًا (خصوصًا التعليم العالي) مستقبل تربوي نسير إليه شئنا أم أبينا».
الكليات والجامعات الأهلية في تزايد مستمر، ومستقبلها يوحي بمزيد من تزايدها وازدهارها، ولا أرى محذورًا في تشجيع خصخصة التعليم العالي، بشرط أن يكون التعليم العالي الخاص مساندًا للتعليم العالي الحكومي في تلبية الطلب الاجتماعي على التعليم، لا أن يحل محله ! وبذلك لا تكون خصخصة التعليم على حساب اضمحلال مجانية التعليم؛ فالتعليم حق للمواطن يجب أن توفره له الدولة بالمجان، وقد كانت المملكة العربية السعودية سباقة في إتاحة مجانية التعليم، بل إنها تزود الطلبة في التعليم العالي وبعض المدارس في التعليم العام بمكافآت شهرية، وكان لهذه المكافآت دور في مواصلة كثير من الطلبة تعلمهم والتغلب على تكاليف الدراسة ومتطلباتها، أرى أن تقوم الدولة بدفع رسوم التعليم العالي عن الطالب الذي ليس لديه القدرة المالية في الالتحاق بالكلية الأهلية، إذا ثبت أحقيته لهذه المساعدة، وفي حالة لم يتم قبوله في مؤسسا ت التعليم العالي الحكومية، بالمناسبة أنا من المؤيدين لاستمرار المكافآت لطلبة التعليم العالي، وأرى أن لها دورًا هامًا في ازدهار مستقبل التعليم العالي في المملكة، فهي في كل الأحوال مساعدات لأبناء الوطن.
إذا توفر من لديه حرص ووطنية ومصداقية ويفكر بعمق وجدية في سبل تطوير التعليم ثق تماماً أنه سيتطور، وفي اعتقادي أن ما أطرحه في هذا المقال حول مفهوم (الشجرة التعليمية) ما هو إلا خطوة جادة نحو التطوير ومحاولة لاستكشاف كنه احتمالات تعليم المستقبل والذي لا يخرج في ظني عن إطار التعليم الإحيائي الذي يعتمد في مضمونه على تفجير الطاقات الكامنة وانبعاثها لدى الكائن الحي المتعلم، ولعل هذا التوجيه المستقبلي للتعليم وتشبيه عملية التربية والتعليم بالشجرة ككائن حي بحاجة إلى مزيد من التوضيح فنقول : إن النظام التعليمي في المجتمع ما هو إلا عملية حية يتولى أمر رعايتها وتوجيهها مزارعون مهرة حتى تبلغ مرحلة اليناع والنضج، وإن المدرسة التي نطمع في تأسيسها في القرن الحادي والعشرين هي أقرب ما تكون إلى حقل يموج بالأحياء ذات الحركة والطاقة، المعلمون فيه مثل المزارعين المهرة الذين يتولون رعاية أشجار الحقل بالملاحظة والري منذ أن جذرت بذورها في الأرض إلى أن تنمو وتصبح خضراء نضرة تمتد أغصانها رأسياً وأفقياً وفي مختلف الاتجاهات نحو الفضاء بلا حدود.
إن مفهوم الشجرة التعليمية من المفاهيم الجديدة في عالم التربية وأدبياتها حيث لم أجد أي إشارة إليه سوى بالتقرير الذي أعده منتدى الفكر العربي تحت عنوان (تعليم الأمة العربية : الكارثة أو الأمل) إذ ورد مفهوم الشجرة التعليمية في سياق الحديث عن ركائز الاستراتيجية المقترحة التي اقترحها أصحاب التقرير لتعليم المستقبل، كما أوردها أيضاً الدكتور (حامد عمار) في ورقة عمل قدمها عام 1988م إلى لجنة الحكماء في منتدى الفكر العربي بعنوان (هيكل النظام التربوي)، ولعله اختص بسلم التعليم التربوي دون غيره من منظومة النظام التربوي في تشبيهه بالشجرة كما هو واضح من موضوع الورقة.

● وعلى أي حال فإن الشجرة التعليمية كمفهوم ينطوي على عدد من العناصر نوجزها فيما يلي :
1 - الارتباط العضوي بين التعليم من جهة، وبين البيئة والمناخ التربوي العام من جهة أخرى.
2- التعليم يفيد البناء المستمر، أي ديمومة الحركة والنمو لدى المتعلم طيلة حياته.
3- للعملية التعليمية جذع رئيس واحد يمر به أو يتسلقه كل أبناء الأمة يمثل في الشجرة مرحلة التعليم الابتدائي أو الأساسي كمرحلة أساسية في سلم التعليم كله.
4- تشمل العملية التعليمية فروعاً وأقساماً متعددة يمكن للطالب أن يتسلق أي فرع منها حسب قدراته وإمكاناته.
5- تتيح العملية التعليمية للطلاب وفق هذا المفهوم فرصة الارتقاء إلى أعلى فروع العلم والمعرفة، كما تتيح لهم فرصة التوسع الأفقي أيضاً من خلال تنويع التخصصات والفروع في الشجرة التعليمية دون أي صعوبات تذكر.

ومما ينبغي الإشارة إليه أن مفهوم الشجرة التعليمية في هذا السياق لا تعني فقط جانب السلم التعليمي بتميز الأخير ببداية محددة وتسلسل محدد ونهاية محددة، بينما للأول بداية غير أنه مرن، ومتنوع في تسلسله، وليس له سقف محدد ينتهي عنده بل نهايته مفتوحة تسمح للطالب بالامتداد والنمو تبعاً لشعب العلوم والمعارف ونموها، والأكثر من ذلك أن مفهوم الشجرة التعليمية من حيث شموليتها تتميز بهيكلية منفتحة تسمح بتعدد نقاط العبور فيستطيع طالب العلم من خلالها أن يتأهل أو يعيد تأهيله مرة أخرى متى شاء وفقاً لقدراته وميوله وإمكاناته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● علي أحمد العمري ـ جدة.

 0  0  3176
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:10 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.