• ×

05:53 صباحًا , الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016

◄ أي بني ! إني لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمني، وربيت تربية غير تربيتي، ونشأت في بيئة غير بيئتي.
كنتُ في زمن شعاره الطاعة، وأَنت في زمن شعاره التمرد، وتعلمتُ أول أمري في كُتّاب حقير، نجلس فيه على الحصير، مدرس جبار، يضرب على الهفوة وعدم الهفوة، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية، وأنت تعلمت في روضة الأطفال، حيث تشرف عليك آنسة رقيقة مهذبة وتقدم لك تعليم القراءة والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني.
ولو عددت لك الفروق بيني وبينك، في زمني وزمنك، وتعليمي وتعليمك، وبيئتي وبيئتك، لطال الأمر، ولكن برغم كل هذا لا يزال بيني وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر، والإنسان في جوهره والجمعيات البشرية في نزعاتها الأصلية فترجع إلى أصول واحدة، ومن أجل هذا كانت تجارب السلف تفيد الخلف، فلأقص عليك شيئاً من تجاربي التي أعتقد أنها تفيدك.

■ أهم ما جربت في حياتي :
أَني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يُكسِب الإنسان من المزايا ما لا يُقَّدر لقد استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حُسن ظنهم بما يصدرعني ولو لم يفهموا سببه، ومع هذا فقد استفدت منه ايضاً مادياً أكثر مما استفاد غيري، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل، فإذا أردت أن تنتفع بتجربتّي فالتزم الحق والصدق والعدل في جميع أعمالك مهما تكن النتيجة.

■ ومن أهم تجاربي أيضاً :
أني رأيت كثيراً من الناس يخطئون فيظنون أن المال، هو كل شيء في الحياة، يبيعون أنفسهم للمال ويحاولون أن يتزوجوا المال ويضيعون أعمارهم للمال، ويفرطون في الفضيلة للمال، وقد أقنعتني التجارب أن المال وسيلة من وسائل السعادة حقاً بشرط أن يطلب باعتدال وينفق في اعتدال، وبشرط ألا يكون ما تحصله كثيراً، وبشرط أن يبقى المال وسيلة أبداً ولا ينقلب غاية أبداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب "إلى ولدي" تأليف الأستاذ أحمد أمين ـ نشر مكتبة النهضة المصرية.

 3  0  2467
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1434-10-15 02:54 صباحًا د. أكرم مليباري :
    السلام عليك أخي خالد و بارك الله فيك فقد قرأت مقالك الثري، و أحببت التعليق على بعض ما جاء فيه إن أذنت و أذنت لي إدارة المنهل و أنا أثق في كرمها في إتاحة الفرصة لكافة الأعضاء لذلك؛ و ليس غريباً عليها هذا الكرم فجزاها و جزاك الله خيراً..
    و أبدأ باقتباس لبعض كتاباتك و من ثم أقوم بالتعليق على كل واحدٍ منها، و من الله الحول و الطول.

    "ـ أي بني ! إني لا أعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمني، وربيت تربية غير تربيتي، ونشأت في بيئة غير بيئتي.
    كنتُ في زمن شعاره الطاعة، وأَنت في زمن شعاره التمرد، وتعلمتُ أول أمري في كُتّاب حقير، نجلس فيه على الحصير، مدرس جبار، يضرب على الهفوة وعدم الهفوة، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية، وأنت تعلمت في روضة الأطفال، حيث تشرف عليك آنسة رقيقة مهذبة وتقدم لك تعليم القراءة والكتابة في إطار من الصور والرسوم والأغاني."

    التعليق:-

    أتفق معك أخي على بعض الفروق التي ذكرتها أنت في طريقة تلقي العلم بين الجيل الأول، و الجيل الحالي من حيث الأساليب التربوية المتاحة في كلٍ من الوقتين ؛ غير أن هناك الكثير من المعلمين؛ من خلال بعض الأحاديث التي حضرتها أنا شخصياً معهم؛ يتمنون أن يعود أسلوب التأديب و التعليم السابق تماماً كالذي ذكرته أنت في مقالك، و ذلك لعدم جدوى أساليب التعليم الحديثة، و التي بسببها -بطريقة مباشرة و غير مباشرة- فقد المعلم الكثير من هيبته و احترامه..

    و في أسلوب المعلّم الذي و صفته أنت ب(الجبار) فلو سألت بعضاً ممن درس في الكتّاب عن رأيه في طريقة التعليم الأولى عند أغلب معلمي الرعيل الأول؛ لربما قال لك:- كان معلم الكتّاب حريصاً على التربية قبل التعليم - و لا أريد هنا أن أعمم أو أظلم كافة المعلمين في وقتنا الراهن و أقول إنهم لا يهتمون بتربية النشأ، فهناك الكثير و لله الحمد من المعلمين الأفاضل في مدارسنا - و لكن أكاد أجزم بأن الجبروت أو القسوة التي كانت تنزل على ظهور الطلاب في الزمن الأول؛ أقول ربما تكون أفضل بشكلٍ من الأشكال من التراخي و التسيب الحاصل في هذا الزمن؛ و أنا هنا أبتعد عن التعميم مرة أخرى؛ لكي لا يساء الفهم.

    " ولو عددت لك الفروق بيني وبينك، في زمني وزمنك، وتعليمي وتعليمك، وبيئتي وبيئتك، لطال الأمر، ولكن برغم كل هذا لا يزال بيني وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر، والإنسان في جوهره والجمعيات البشرية في نزعاتها الأصلية فترجع إلى أصول واحدة، ومن أجل هذا كانت تجارب السلف تفيد الخلف، فلأقص عليك شيئاً من تجاربي التي أعتقد أنها تفيدك.
    أهم ما جربت في حياتي أَني رأيت قول الحق والتزامه، وتحري العدل وعمله، يُكسِب الإنسان من المزايا ما لا يُقَّدر لقد استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حُسن ظنهم بما يصدرعني ولو لم يفهموا سببه، ومع هذا فقد استفدت منه ايضاً مادياً أكثر مما استفاد غيري، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل، فإذا أردت أن تنتفع بتجربتّي فالتزم الحق والصدق والعدل في جميع أعمالك مهما تكن النتيجة."

    التعليق:-

    أخي خالد أعجبني أسلوبك الراقي في التقريب بين الجيل الحالي من الأبناء، و الجيل الذي من المفترض أن يكون هو المربي و الأب الرحيم العطوف... و أنا أتفق معك أن الكثير من الآباء و المربين ( و نحن منهم ) هم يعيشون حالةً مستمرة من المقارنة بين الزمن الذي عاشوه في طفولتهم، و المواقف التي عاصروها و التجارب التي خاضوها؛ بحلوها و مرها؛ و كيف كانت طريقة عقابهم التي طُبّقت عليهم من آبائهم و معلميهم حالة تمردهم أو عصيانهم؛ أو حالة طاعتهم و تنفيذهم لأوامر الآباء و المربين، و مكافآتهم التي حصلوا عليها...إلخ.
    و تلك المقارنة لا تكاد تنفك منها أسرة، لأنها في تصوري هي خارطة الطريق التي نمسك بتلابيبها طوال الوقت؛ لتدلنا على كيفية التعامل مع أبناءنا! و نحن ربما إلى حدٍ كبير غير ملومين في فعلنا لذلك. غير أني أرغب بأن أقول: إنه من الصواب أن لا نعمد إلى تلك الخارطة طوال الوقت، أو ربما من الأفضل أن ندعم تلك الخارطة ببعض الإضافات التي تواكب العصر و ربما تساعدنا على سهولة التعامل مع المعنيين مثل:-

    1- أن لا نتجاهل أن أساليب الحياة و أشكالها قد باتت منقطعة الصلة بتلك التي كانت في السابق؛ إلا ما ندر، و هنا يجب التأمل و التريث قبل اتخاذ القرارات.
    2- مع المحافظة على غرس المبادئ و الآداب في نفوس الجيل؛ من الضروري أن ننفصل قليلاً عن واقعنا السابق -و هي ليست مهمة سهلة بالضرورة- غير أنها ربما تساعدنا على أن نكون كرجلٍ للمرحلة ( إن صلح التعبير) للتعايش مع المرحلة الراهنة و نستفيد من الخبرات الجيدة.
    3- ربما إذا عاد الزمنُ بأحد منا إلى الماضي؛ قد نتمنى أن نقول رأينا في قضيةٍ ما بكل صراحة و وضوح و شفافية، من غير أن نكون (إمعةً) لا رأي لنا، أو أن نُجابه بالنقد الحاد، أو ربما بضربةٍ ساحقة!! و هذا عودٌ لما ذكرته أنت عن الطاعة المطلقة في الزمن الماضي!

    "ودلتني التجارب على أن عنصر الدين في الحياة من أهم أسباب السعادة، ولكن أصدُقك أنه لم يعجبني موقف زماننا من الدين، ولا موقف زمانك، فقد كان الدين في زماننا متزمتاً لا سماحة فيه، متشدداً لا لين فيه، مغلقاً لا عقل فيه، والدين في زمانكم متضائل لا حياة فيه، منسي لا ذكر له، موضوع على الرف لا يُؤْبه به،"

    التعليق:-

    أتفق معك في شيء، و أختلف معك في شيء آخر!
    أتفق معك فيما ذكرته عن ضرورة الدين و الالتزام بتعاليمه السمحة؛ فذلك أمرٌ مفروغٌ منه.. غير أني أختلف معك في وصفك للدين بأنه كان متزمتاً لا سماحة و لا لين فيه و مغلقاً و خالياً من العقل أو التعقل أو أنه موضوع على الرف في هذا الزمن...إلخ.

    و تلك عبارة غاية في الخطورة قلتها أنت أخي خالد، لأن الدين هو الدين لا يتغير و قد جاءنا كاملاً و تاماً؛ قال الله تعالى في سورة المائدة الآية الثالثة اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام ديناً) حيث جاء التفسير في (الجلالين) :- (أي أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام).. و لعل نقطة الخلاف هنا أنك ربما تقصد أن الالتزام و التطبيق لتعاليم الدين لم يكن بالشكل الصحيح و المطلوب.

    و أنا أرى أن في التعميم الكثير من سلب الحقوق لأهلها؛ لأن الخير لا يزال في الأمة و لله الحمد و الإنسان بطبعه و نقصه قد يصدر منه التقصير و العلة، لكن لا يمنع من وجود من هو متمسك بتعاليم الدين الحنيف، و شرعه و الله تعالى أسأل ألا يؤاخذنا فنحن بشرٌ يعترينا النقص و العيب، و الكمال لله تعالى وحده.

    أشكرك أخي خالد على مقالك الجميل، و أعتذر على الإطالة، و ما كتبتُه إن كان فيه صواب فأسأله تعالى أن يكون حسنات في صحيفتي يوم الدين، و إن كان غير ذلك فأسأله المغفرة و الصفح..
  • #2
    1434-10-15 02:13 مساءً خالد محمد الجهني :
    حياك الله أخي الدكتور / أكرم مليباري ، وشكرآ علي تعليقك الذي أثلج صدري وافرح قلبي ، وهيج مشاعر العز والنصر والغيرة على الدين فحسن الظن مطلوب ربما يقصد الكاتب ( أحمدأمين رحمه الله ) أن الالتزام و التطبيق لتعاليم الدين لم يكن بالشكل الصحيح و المطلوب.
    اشكر لك تعليقك مرة أخرى وغيرتك فكلانا لا نختلف على ماذكرته أنت ولكن حسن الظن مطلوب .

    ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    (( إنّ أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطه عنه ))

    [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة
  • #3
    1434-10-15 02:14 مساءً خالد محمد الجهني :
    حياك الله أخي الدكتور / أكرم مليباري ، وشكرآ علي تعليقك الذي أثلج صدري وافرح قلبي ، وهيج مشاعر العز والنصر والغيرة على الدين فحسن الظن مطلوب ربما يقصد الكاتب ( أحمدأمين رحمه الله ) أن الالتزام و التطبيق لتعاليم الدين لم يكن بالشكل الصحيح و المطلوب.
    اشكر لك تعليقك مرة أخرى وغيرتك فكلانا لا نختلف على ماذكرته أنت ولكن حسن الظن مطلوب .

    ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

    (( إنّ أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطه عنه ))

    [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:53 صباحًا الثلاثاء 7 ربيع الأول 1438 / 6 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.