• ×

09:47 صباحًا , السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016

◄ هل صحيح أنّ الشيطان في كلّ مكان وزاوية ؟ هل هو مصدر الشر الذي ينتشر في كلّ أصقاع العالم ؟ هل عددهم يفوق عدد البشر ؟ هل لكلّ إنسان شيطانه، إن على يمينه أو يساره ؟ يقوده كما يقود الإنسان حماره ؟ أسئلة كثيرة أردت إثارتها بحثاً عن هذا التهويل والتضخيم والتعظيم للشّر على حساب الخير الذي يراه الكثيرون قد استضعف ولا يقوى المسكين على المجابهة.
للجميع انطباع بأنّ الشر قد استقوى على الخير، وأصبح سيّد القصر، يأتمر الكلّ بأوامره إلا القليل لأسباب قد تكون مرضية، قال المتنبي :

والظلم من شيم النفوس فإن ● ● ● تجد ذا عفّة فلعلة لا يظلم

نرى الشرّ في كلّ مكان، حياتنا أشبه بحياة الوحوش في الغاب، منْ لم يكن ذئباً أكلته الذئاب، نخاف من بعضنا البعض، الكلّ مكشر عن مخالبه ينتظر ساعة الانقضاض على خصمه، قال الإمام الشافعي :
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ● ● ● ويأكل بعضنا بعضا عيانا

وهل صحيح أنّ الشرّ باق ما بقي الإنسان الشرير على الأرض، لا يفنى ولا يزول ؟ أم سيتبدد بقوة الخير وإرادة أهل الخير، يقول جبران خليل جبران في مواكبه :
الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا ● ● ● والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا

كثيراً ما حاولت فهم هذه الحقيقة المرّة وهذا التصور المخيف للمجتمع الذي نحيا فيه، وهل الشر بكلّ ألوانه وأشكاله، من الكذب إلى الخداع، ومن الظلم إلى القهر والاستبداد، قد استفحل داؤه وعمّ بلاؤه إلى هذا الحدّ ؟ أم أنّ في الأمر تهويل مبالغ فيه، وترويج لسلعة كاسدة، ونشر لأفكار كثيراً ما تصطدم بالحقيقة والخبر اليقين ؟
أصدقكم القول، أنّني لم أجد أشدّ شكيمة ولا أقوى عضداً ولا أرسخ عزماً وثباتاً من الخير الذي يرفرف بجناحيه على البشرية جمعاء، وأنّ الشرّ لا يمثل عشر الخير المنتشر في أرجاء المعمورة، وأنّ قلوب الناس مهما اعتراها الغضب، وأفجعتها المصائب والمحن، تمتلئ خيراً وعواطف إنسانية نبيلة.

الحياة بخير وصلاح وستبقى كذلك، بالرغم من هذا الانطباع الخاطئ الذي يوحي بمرارة الناس وشقاوتهم، للشر القدرة على الظهور بمظهر المنتصر، له القدرة على ركوب الموجة للبروز كقائد مغوار وادعاء ما ليس له دون حياء، ليصبح وقد شغل الناس ولم يملء الدنيا، أمّا الخير، فالتواضع وخشية التباهي، يحولان دون ذلك، فيكتفي بالصدقة خفية، والمعونة سرّا، ويكون بذلك قد ملأ الدنيا ولم يشغل الناس.

الخير هواء نقي نحيا به، والشرّ غاز مميت، لا يقوى أحد على استنشاقه والحياة به، وطالما أنّ الإنسان تنبض رئتاه شهيقاً وزفيراً، فيستنشق الهواء النقي ويلقي بالهواء الفاسد لتمتصه الأشجار والنباتات ثم تعيده للإنسان وقد أصبح نقياً من جديد، فالحياة بخير وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ازرع الخير أيّها الإنسان، واملأ الأرض خيراً، فإنك ستحصده غداً لا محالة، واترك الشرّ يعضّ أصابعه غضباً وحقداً وصدق الشاعر حين قال :
ازرع جميلا ولو في غير موضعه ● ● ● فلـــــن يضيــــع جميل أينما زرعا
إنّ الجميل وإن طال الزمان بـــــــــــــه ● ● ● فليس يحصده إلا الذي زرعــــــــا

 0  0  3133
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:47 صباحًا السبت 4 ربيع الأول 1438 / 3 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.