• ×

03:32 مساءً , الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016

◄ وتذهب الأيام وتمر السنوات ..
ولا تنتظر أحداً على الرصيف ..
حين أجابت دولة فقيرة مثل سنغافورة قبل ثلاثة عقود على هذين السؤالين الكبيرين بمصداقية عالية
وحينها قرر قادتها تنظيف البلد من الفساد ..
وتمعنوا طويلاً أثناء الإجابة عن السؤال الأول ..
من نحن ؟
فإذا هم دولة فقيرة .. بدون بترول ولا زراعة ولا ..
إذا هم أخلاط من أجناس شتى ..
وثقافات متباينة ..
لا يجمعهم تاريخ .. ولا هوية ..
لكنهم ينتمون إلى مكان واحد ..
وجمعتهم الحياة ضمن حدود واحدة وفقاً للتعريف الجديد للدولة ..
ووجدوا أنه من العار عليهم أن يبنوا بلادهم من فتات الدول الكبرى التي ستتحكم لاحقاً في كل شيء ..
وانتقلوا للسؤال الثاني مباشرة ..
ماذا نريد ؟
وكانت الإجابة واضحة المعالم ..
لكنها في التفاصيل تحتوي على الكثير .. والخطير ..
إنهم أرادوا تحديدا أن يكونوا دولة قوية .. مؤثرة .. مستقلة ..
وأن يعيش أبناؤهم بكرامة ..
وأن يكون وطنهم منتجاً .. وأن يتميزوا ..
ولم تكن منصة الانطلاق من فوهة بئر .. ولا فوهة بندقية .. ولا فوهة على الإطلاق ..

خرجت سنغافورة دولة قوية .. وصفت بجانب اليابان وماليزيا وكل الدول المنتجة ..
أصبح اقتصادها خلال ثلاثة عقود لا غير من أقوى الدول ..
ولم تعد تحسب دولة نامية ..
ولم يتنقل مواطنوها بين مطارات العالم ليحولوا عملة صعبة عبر العمل في مهن وضيعة ..
باختصار فإن سنغافورة خرجت كعملاق ضخم ..
من بين جدران مدارسها ..
لم تستهلك وقتاً طويلاً ..
ولم يختلق العاملون في التربية والتعليم هناك أية أعذار ..
لكنها وبحق لم تتأخر ..
ولم تتهاون مع المخذّلين ..
ولم تتوقف لتستمع للأصوات التي تريد التوقف لا لشيء .. إلا لالتقاط الأنفاس !
لم تتسامح مع الفاسدين ..
ولم تبن جدارا واحداً فوق الرمل !

حددت أهدافها بوضوح ..
ورسمت خططها بدقة ..
ركزت على الإجابة الخالدة للسؤالين الكبيرين ..
ومشت واثقة بخطى ثابتة
بنت تعليماً يركز على سوق العمل ..
ويبني ثقافة الفريق الواحد .. والفرق المترابطة
صممت منهجاً على مقاسها ..
فلم تكن الأكمام فضفاضة والياقة ضيّقة ..
ولم يكن واسعاً عند الأثداء مشدوداً تحت الركبتين !
كان منهجاً مرناً محدداً عملياً يحقق الهدف بأقل الخطوات الممكنة .. لكن بأكثرها رسوخاً وجدوى ..

وماذا عنّا !
لا فرق .. ولا أحد من بني آدم يبدو مختلفاً بأثر رجعي .. ولا بعدي ..
كلنا نملك العقول ..
ونتقاسم الحواس ..
وقطعاً فنحن نتفوق فيما سوى ذلك ...
اقتصادياً .. وثقافياً .. واجتماعياً .. وحتى جغرافياً ..
لا سواء ..
الفرق الوحيد هو أننا للآن لم نجب عن السؤالين ..
وهذا مؤسف !
فلا نحن حددنا بدقة : من نحن ؟
لم نجب بصراحة ومصداقية على ذلك ..
ولا أدري من الذي يربكنا لحد الآن ..
بل وبكل أسف ..
لا أدري إن كنا حقاً نملك القدرة والإرادة لنجيب عنه ..
مع أننا على درجة كبيرة من الوضوح ..
ولا يمكن أبداً أن نتوه عن بعض ..
ولا أن نختلف في تعريف هويتنا .. دينا .. ولغة .. وطنا ... وتاريخا ... وكل شيء

بقي أن نكون على درجة عالية من النقاء والصدق في الإجابة ..
وبقي أن نتخلص تماماً من كل التافهين والحمقى والمغرضين وذوي الأنوف القصيرة والمصالح الشخصية ..
بقي أن نضع الوطن قبل كل شيء ..
ومستقبل الأجيال أمام كل شيء ..
بقي أن نطهر أنفسنا أولاً .. ثم كل ما ومن حولنا من حظوظ النفس ومعوقات الطريق ..

ربما لم يتبق الكثير من الوقت ..
وربما لا زال هناك متسع
لكنّ الذي لا يمكن تأخيره أن نملك النية الصادقة ..
وأن نضع الأقدام برسوخ فوق الموقع الصحيح ..

لا يمكن لأية أمة أن تنال المجد إلا عبر أبنائها ..
لم يكن المال ولا البناء ولا حتى الثروة الحيوانية أو المعدنية طريقاً مناسباً للتمكين ..
كلها مجرد أدوات وقد تتحول إلى وسائل انتحار حين يمسك بها الحمقى ..
الأبناء هم من يتحكم بعد قدرة الله سبحانه في مستقبل الأمم ..
ولا يمكن أن يصلح الأبناء دون أن تبني الأمم تعليماً راسخاً وقوياً ..
ولن تتمكن من ذلك قبل أن تجيب نظرياً وعملياً على السؤالين السابقين ..

ستمر ثلاثون وثلاثون وأكثر ..
قبل أن ننجح في صناعة أبناء قادرين ما لم نكن صادقين وأمناء مع كل ما ومن حولنا ..
ستذهب كل الجهود هباء منثوراً ما لم نبن وفق منهج محدد .. وأهداف مرسومة لكي تتحقق
المشكلة الكبيرة أننا بين أمرين مؤسفين :
إما أننا نحقق نتائج خبط عشواء دون تخطيط وبناء ..
أو
أننا نخطط لكن دون أن نحقق من ذلك إلا الأحلام والأماني ..
وكلا الطريقين (سكة سد) كما يحلو للبعض أن يعبر ..

على كل حال فإن هذه الكلمات هي أيضاً لن تجدي نفعاً
لكنّ أحدا لا بد أن يتحدث
ولا زال السوق ينتج المزيد من الشموع !
ليحقق لأمثالنا الرضا أو بعضه حين نكون امتثلنا للقائل :
أوقد شمعة !
ومضت الأعمار والشموع موقدة حتى بللنا كل ما حولنا من زيتها الساخن !
لكنّ المستفيد الأول للأسف هم مصانع الشموع ..
فلا التنظير قدمنا للأمام خطوة واحدة
ولا الخطوات المتعثرة فعلت ..
لأنها غير مرتبة .. وغير مبنية على : من نحن .. وماذا نريد ..
وهي باختصار إما ردود أفعال مؤقتة ..
أو كمن يمشي والغبار يحجب الرؤية ..

وطننا الغالي ينتظر منا
الأطفال الصغار الذين تعدّهم الأمهات الطيبات كل صباح
الاستنفار الكبير بعد كل إجازة ..
المكتبات ... الحقائب .. الملابس ..
كل شيء
يشعر الصادقين بالأسى .. وبغصة كبيرة ..

لم ينجح سعيد رغم كل المحاولات في تهجي المكتوب في بطاقة دعوة زواج قريبهم
ولم يكن مثل المتلمس ولا طرفة !
بل ظل يحملها رغم أنه (خريج الصف السادس)
فلا رماها في النهر ..
ولا ذهب بها لطلب المكافأة ..
وفكّر كيف يمكن أن يحولها لجراب يحمل البلاك بيري !
أو الآيبود ..
وظل سعيد وكل أبناء الجيران يعرفون جيداً كيف يعبثون بهذه الأجهزة ..
لكنّهم لا زالوا يرتبكون كثيراً حين كتابة أسمائهم !

■ طيّب الله أوقاتكم بالخير.

 2  0  1966
التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    1432-08-29 12:22 مساءً إدارة منهل الثقافة التربوية :
    الأخ الفاضل الأستاذ / عبدالله الخريف
    جراءة الطرح وسلاسة الأسلوب وجودة العرض وصدق المعاني في قالب وطني غيور شيق من أبرز الانطباعات عقب قراءة المشاركة ..
    المداخلة لا تنتمي للمجاملة .. فأنت أحد بيوت الخبرة التربوية ..
    في ظني المتواضع أن الإجابة على : من نحن ... وماذا نريد ... ؟ ليست مستحيلة !
    بيد أن الصعوبة تكمن في ثقافة المسؤولية الأخلاقية .. ثقافة الإخلاص الحقيقي .. ثقافة نحن ! ولعل معظمها الغالب يفتقرها ..
    أخوك / عبدالله أحمد هادي
  • #2
    1432-09-06 10:39 مساءً عبدالله الخريف :
    أخي عبدالله ...
    عذرا ... مر وقت طويل ...
    لن يكون لأي حديث قيمة ... مالم يكن هناك متلق يحمل من الفكر والروح ما تحمل ... فحفظك الله وأبقاك ... وأراك الخير ومن تحب ..
    واسلم لأخيك ...
    أبو معاذ الخريف

منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:32 مساءً الأربعاء 8 ربيع الأول 1438 / 7 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.