• ×

11:09 مساءً , الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016

◄ إن صفاء النفس وارتياحها مطلب ينشده كل إنسان ولا أعلم أحداً يريد أن يظل متكدراً طيلة حياته، وبما أننا في هذه الدنيا لا نستطيع أن نعيش بمفردنا, فلابد من الخلطة مع الناس والتعامل معهم مما يجعلنا نتعرض لمواقف كثيرة تثير فينا مشاعر سلبية لا نريدها ولكن !
إن اختلافنا واختلاف طبائعنا جعلنا نختلف أيضاً في تصورنا للمواقف ونختلف في مشاعرنا تجاهها مما جعل أحد الطرفين ينصرف وهو مسرور بينما الآخر في حالة من الكدر والضيق ربما أنه أبدى لك الرضا ولكن باطنه مختلف تماما عن ظاهره. وأصبح الإنسان مع كثرة المواقف وتراكم المشاعر وعاءً يحمل بين جنبيه كل تلك المنغصات والمكدرات. وهنا نقف سوياً لنتساءل : هل لهذا الأمر حلاً ؟

نعم، بل إنه أقرب إليك من أي شيء حولك، ويستطيع الإنسان ـ كل إنسان ـ أن يستخدمه، لقد جعلته عنواناً لمقالي هذا (إنه التسامح).
هذه الكلمة الجميلة التي نرددها في لقاءاتنا ومع أصدقائنا وفي مؤلفات أدبائنا ونستخدمها عندما نريد أن نظهر بمظهر المثالية أمام الناس. إن لهذه الكلمة مفعول السحر، ولكنه السحر الحلال، وأثرها لن يخبرك به أحد بل ستشعر به أنت مباشرة وفي لحظتك بإذن الله.
إنه علاج رباني وهدي نبوي نشأ عليه الرعيل الأول فطابت نفوسهم وزكت أرواحهم. لن أخبرك بشيء جديد بقدر ما أحاول أن أعرضه بأسلوبي فلربما تفطن إنسان لشيء كان يبحث عنه وهو بجواره. إن النفوس المتسامحة تجد أن أصحابها قد اكتست وجوههم بريقاً وسعادة لأنهم قاموا بتنظيف قلوبهم من كل الأحمال والأعباء التي هم في غنىً عنها.
وعندما أقدم بعض الاستشارات لأناس في دوراتي وأسير معهم خطوات نحو الحل المناسب أجد أنهم يتوقفون ويرددون كلمة لا أستطيع، فأبادرهم بسؤالي : هل ما زلت تحمل في نفسك على الطرف الآخر ؟ فتكون الإجابة دائماً بنعم. لماذا لا تسامحه ! لا أستطيع ؟ فأعتذر عن الاستمرار معه لأنه في الحقيقة يستطيع وبكل سهولة ولكن النفوس تختلف حسب تربيتها وتكوينها ؟
ومن عجيب ما قابلني أن أحدهم كان يحمل شعوراً سلبياً تجاه أبيه وآخر تجاه أخيه وكان من الصعب عليهم التخلص منه لأنهم لا يريدون ذلك وليس لأنه أمر صعب. فكنت أخبرهم أن حل مشاكلهم بين أيديهم ومتى ما تعلموا التسامح والصفح سيجدون الحل.

■ ما الذي يفعله التسامح ؟
إن التسامح الحقيقي ليس كلمة تقال بل هو عمل قلبي يقوم به القلب دون سائر الجوارح فيمسح ما علق به من المشاعر السلبية الأخرى من الحقد والغضب والغيظ والانتقام، عندها يصفو القلب فيصفو معه الخاطر وتسكن النفس وتطمئن. أليس أمراً محبباً إلى النفس ؟ بلى، وهو نوعان من التسامح مع النفس بالعفو والصفح عن أخطائها التي لا ذنب لها فيها أو التي لا يمكن تلافيها مثل : (الفشل الدراسي) فيقول لنفسه : لن أسامح نفسي وتجده دائماً يضعها تحت طائلة اللوم والعقاب والتأنيب الذي يفضي إلى الإحباط وتكرار الفشل.
والنوع الآخر هو : التسامح مع الناس الذين قد صدر منهم الخطأ تجاهك بقصد أو غير قصد سواءً كان بحسن نية أو بسوء نية لأنك في كلا الحالين أنت من سيتحمل التبعات في ذلك.
وربما يتبادر إلى نفسك سؤال : وهل أترك حقوقي تضيع بين الناس ؟
بل خذ حقك وافياً لا تنقص منه شيئاً فأنا لا أقصد ذلك ولكن بعد حصولك على حقوقك, هل ما زلت تحمل في قلبك على ذلك الشخص ؟
أما من سامح بقلبه وعمله بالتجاوز عن الآخرين دون إفراط ولا تفريط فله الأجر العظيم في الآخرة والسعادة والراحة في الدنيا.

■ والآن دعنا نقوم باختبار عملي لمعرفة هل ما زال قلبك يحمل شعوراً مما ذكرناه سابقاً تجاه أحد :
فكر في موقف قديم جداً فإن لم تجد ففكر في موقف مضى عليه على الأقل شهر واحد، فكر في ذلك الموقف الذي كنت ترى أن فيه إساءة إليك، فكر في الطرف الآخر هل شعرت الآن بظهور الشعور السلبي ! إذا كان الجواب بنعم فاسأل نفسك أين كان هذا الشعور ـ ومثله الكثير ـ أين كان قبل استحضاره ؟
إنه لديك تحمله بين جنبيك. يا ترى هل هناك المئات بل الآلاف منه لديك ؟ كيف سيؤثر وجود تلك الأضغان على شخصيتك وتعاملك في حياتك مع الآخرين، أما إذا كان الجواب بلا فهذا يعني أن لديك نفساً قد تربت على التسامح والنقاء فهنيئاً لك تلك النفس وأتمنى من الله أن يكتب لك الأجر في الآخرة والسعادة في الدنيا.

■ إذن ما هو الحل وكيف أتعلم التسامح ؟
الأمر هين سهل :
♦ أولاً : أن تحتسب الأجر عند الله.
♦ ثانياً : أن تذكر محاسن الناس عند الحديث عنهم لا سيما من تشعر تجاههم بشعور سلبي.
♦ ثالثاً : طبق معي هذا التدريب وفي كل مرة خذ موقفاً سابقاً من الماضي وطبقه عليه.

• التدريب : فكر في موقف مضى وشعرت فيه بالإساءة من شخص وابدأ بالأقربين كالوالدين والاخوة فهم أولى الناس بذلك، عندها فكر في الشخص الذي أساء إليك مباشرة وربما كانوا أشخاصاً وكرر عبارة أنا سامحتك لوجه الله أو عبارة الله يسامحك وتحاول أن تتلمس لهم الأعذار وتتذكر ثواب التسامح والعفو.
علامة نجاح التدريب : هو شعورك المباشر بالارتياح والهدوء الداخلي والطمأنينة وبعضهم تسيل دموعه على خديه وهذا قمة التسامح.
ما أروعها من لحظات تعجز عن حملها الكلمات فتتدفق مشاعرنا من الأعماق لتعبر عن التغيير الداخلي والشعور بالسعادة والسلام والأمان هنيئاً لتلك النفوس الطيبة الزكية التي تنساب بداخلها مشاعر الصفح والعفو والتسامح.

 0  0  1492
التعليقات ( 0 )


منهل الثقافة التربوية مسجل لدى خدمة (معروف ـ وزارة التجارة والاستثمار ـ المملكة العربية السعودية) للتعريف بالمنصات الإلكترونية وتسجيل المرجعية الرسمية لها ..
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:09 مساءً الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016.

Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.