• ×

08:57 صباحًا , الثلاثاء 27 محرم 1439 / 17 أكتوبر 2017

◄ لعبة الخطأ الطبيّ.
في مدخل كلية الطب بجامعة أدنبره, تمثال نصفي لأحد كبار أطباء العيون الذين كانوا يعملون بالجامعة, كتب تحته :«لا تعتمد إلا على نفسك».
وقد جرت تقاليد الجامعة, أن تكون قصة صاحب هذا التمثال, موضوع المحاضرة الأولى لطلبة الكلية, والذي حدث أن هذا الطبيب دخل يومًا غرفة العمليات كي يستأصل عين مريضٍ شاب, كان قد تقرر استئصالها, وأشارت الممرضة المعاونة, إلى العين السليمة, على أنها العين المراد استئصالها, فقام الطبيب بنزعها معتمدًا على قرار الممرضة, وإذا به يفاجأ عند فحص العين بعد نزعها, بأنها العين السليمة !
أسرع الطبيب إلى مغادرة الكلية, وتوجه إلى عيادته الخاصّة, وأغلق بابها خلفه, ثمّ أخرج من درج مكتبه ورقةً كتب فيها : « لقد تسببت في فقدان بصر شاب في مقتبل العمر, لأنني اعتمدت على توجيه الممرضة, ولن يخلص ضميري من العذاب سوى الانتحار .. وعزائي أن تجعل الجامعة من قصتي درسًا لغيري من الأطباء, كي لا يعتمدوا إلاّ على أنفسهم.
نقل هذه القصة الأستاذ حسن الظاهري, وعلق عليها بسؤال كبير فحواه يتشكل ألمًا, يقول : كيف لو فكّر كل طبيبٍ بمعاقبة نفسه ؟
تفاقمت الأسئلة حد الورم بسبب الأخطاء الطبيّة, التي شبت عن الطوق, بلا عذرٍ موضوعيّ سوى فطرة الخطأ والنسيان, وهي لا تحمد في الأمور كلها أو هكذا يفترض لها.
الكثير من الأخطاء الطبيّة نزعت السعادة من حياة البشر ـ ولا أريد سرد قائمة الضحايا الآخذة في النمو والزيادة ـ الكثير منها حوّل معيشةً رخيّة مطمئنةً إلى بؤسٍ وعناءٍ ووجعٍ سرمديّ, الكثير منها فتح باب الاستهتار على مصراعيه, حيث يكون التماس العذر ضيقًا حرجًا كأنما يصّعد إلى السماء. نعم نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره, لكن التساهل بالأرواح لابدّ أن يقابل بصرامةٍ واهتمامٍ وضبط. كلّ إنسانٍ معرضٌ لبوادر الخطأ والنسيان, لكن احتياطات الطب الواجبة, لو قامت حقّ القيام, بعزيمةٍ مصمّمةٍ, وعيونٍ يقظة منتبهة لا تغفل؛ لجبّت هذا الإسراف والتهاون في أرواح خلق الله أجمعين. الأطباء أنفسهم ـ إلاّ من رحم ربي ـ حينما يتنامى خبر الخطأ الطبيّ, يسلّمون بأمر الاعتياد الغير مقصود, متناسين عزاءً طويلاً سوف ينتصب كالحق المبين !
بالأمس القريب, كنت في مراجعةٍ لوالدي ـ شفاه الله ـ في مستشفى الملك فهد بجدة, وفي انتظار الدخول إلى الطبيب الاستشاريّ, كان بجوار مقعدي, شابٌ عربيّ هيئته تدل التعب, وعمره لا يكاد يتجاوز الثلاثين، يحمل فوق أذنيه سماعات طبيّة مركّزة. قال لي والده : أجرينا له عملية في الأمعاء, وكان أن استأصل الطبيب جزءًا أثّر على الجهاز التناسليّ, ممّا اضطره لاستخدام دواءً قويًا, أفضى إلى فقد سمعه فجأة !
يقول كامبل في كتابه (الطبّ العربيّ) : «إنّ الملك ثيودور, وهو من ملوك القوط الغربيين, أصدر أمرًا, بأنه إذا توفي مريضٌ, بسبب عمليةٍ جراحية, سلّم الطبيب ـ الذي أجراها ـ إلى أهل المتوفى, ولهم (مطلق الحريّة) في أن يفعلوا به مايشاؤون؛ إن قتلاً أو استرقاقًا مدى الحياة».
 0  0  2475
۞ إيضاح تقني : في خانة (أضف تعليق) الأحرف المتاحة أكثر من (1000) حرف // أما في خانة (الرد على زائر) في حدود (100) حرف فقط.
التعليقات ( 0 )