• ×

07:11 صباحًا , الجمعة 16 ذو القعدة 1440 / 19 يوليو 2019


في الشريعة الإسلامية : الفاكهة المحرمة.
يقولون عنها إنها فاكهة. ولكنها ليست بفاكهة على الحقيقة !
إنها لذيذة، وسهلة المنال بل هي متاحة لكل أحد ولكنها محرمة ! عادة سيئة وبضاعة من لا بضاعة له، واعتداء صارخ على الأعراض وظلم فادح, من كبائر الذنوب، ومع ذلك كله فلا يكاد يخلو مجلس منها ! بل أصبحت أساساً في كل مجلس لا يستغني عنها أصحابها ـ إلا من رحم الله ـ فهي فاكهة المجالس. فهل عرفتها أخي الحبيب ؟ نعم إنها ( الغيبة ).
ولا ينتشر هذا العمل إلا حين يغيب الإيمان، ولقد جاء وصفها في كتاب الله تعالى بأبشع الصفات، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (سورة الحجرات : 12).
ولعظم أمرها فقد جاء الوعيد الشديد في حق مرتكبها، قال صلى الله عليه وسلم : (لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم).
والغيبة هي كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : (أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هي ذكرك أخاك بما يكره، قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) رواه مسلم.
وهي حرام لقوله صلى الله عليه وسلم : (كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) رواه مسلم.
والغيبة تكون في القول، والإشارة والإيماء والغمز واللمز، والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة. تقول عائشة رضي الله عنها : دخلت علينا امرأة، فلما ولّت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اغتبتيها).

■ بواعث الغيبة :
يقول ابن تيمية رحمه الله في بواعث الغيبة :
(1) إن الإنسان قد يغتاب مواقفه لجلسائه وأصحابه مع علمه أن المغتاب برئ مما يقولون أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم لقطع المجلس واستثقله أهل المجلس.
(2) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب ديانة وصلاح ويقول : ليس لي عادة أن أذكر أحدا إلا بخير، ولا أحب الغيبة والكذب، وإنما أخبركم بأحواله، والله إنه مسكين ورجل جيد، ولكن فيه كذا وكذا، وربما يقول : دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وقصده من ذلك استنقاصه.
(3) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب سخرية ولعب ليضحك غيره بمحاكاته واستصغار المستهزأ به.
(4) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تعجب فيقول : تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف فعل كيت وكيت.
(5) ومنهم من يخرج الغيبة في قالب الاغتمام، فيقول : مسكين فلان غمّني ما جرى له وما تم له، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطو على التشفي به.
(6) ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، وقصده غير ما أظهر.

■ خطورة الغيبة :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله، حسبك من صفية أنها قصيرة، فقال صلى الله عليه وسلم : (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته).
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، فقالوا : لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "اغتبتموه" فقالوا : يا رسول الله، حدثنا بما فيه، قال : "حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه".
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً اعترف بالزنا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات، فأقام عليه الحد، فسمع الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتَى رُجم رجم الكلب، فقال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سار ساعة فمرّ بجيفة حمار شائل برجله ـ أي قد انتفخ بطنه ـ فقال عليه الصلاة والسلام : "أين فلان وفلان" فقالا ها نحن يا رسول الله، فقال لهما : "كلا من جيفة هذا الحمار" فقالا يارسول الله، غفر الله لك، من يأكل من هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فما نلتما من أخيكما آنفا أشد من أكل هذه الجيفة، فو الذي نفسي بيده، إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فبها" رواه أحمد وصححه الألباني.
وروى أنس رضي الله عنه قال : كانت العرب يخدم بعضها بعضا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا مرة ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه : إن هذا ليوائم نوم بيتكم فأيقظاه، فقالا : ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل : إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأذناك، فذهب وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : "قد آذنتهما"، فجاء الغلام وأخبرهما، ففزعا وجاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكم"، قالا : استغفر لنا يا رسول الله، قال : بل هو يستغفر لكما".
فانظر أخي الكريم ما هي الكلمة التي قالاها، كلمة واحدة، قالا : إن هذا ليوائم نوم بيتكم، أي إن هذا النوم يشبه نوم البيت لا نوم السفر، عاتبوه بكثرة النوم فقط فعاتبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن كثيراً من الناس يهولون أمر الربا ويستعظمون أمره ـ وهو كذلك ـ ويتساهلون بما هو أعظم منه، وهي الغيبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أربى الربا استطالة المسلم.

■ أخي الكريم :
إن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ذلك، سواء ذكرته بنقص في دينه أو في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في قوله، حتى في ثوبه ونحو ذلك.
فأما البدن : فكذكر العمش والحول والقصر والسواد، وجميع ما تعلم أنه يكرهه من الصفات ولا يميز إلا أن يكون معرفا بصفة من هذه الصفات ولا يميز إلا بها وهو لا يكرهه، فلا بأس بذلك.
وأما النسب : فكقولك : أبوه كذا أو فاسق أو زبال أو أي شيء تعرف أنه يكرهه أو انتقاصه في حسبه ونسبه.
وأما الخلق : فقولك : هو بخيل، متكب، شديد الغضب، متهور، متسرع، وما شابه ذلك.
وأما أفعاله المتعلقة بالدين : فكقولك : هو كذاب، أو خائن، أو شارب خمر أو ظالم أو متهاون في أداء الصلاة أو لا يحسن الركوع او السجود أو ليس باراً بوالديه، أو لا يحفظ لسانه من الكذب والشتم والسب ونحو ذلك.
وأما فعله المتعلق بالدنيا : فكقولك : إنه قليل الأدب متهاون بالناس ولا يحترمهم، ولا يرى لأحد على نفسه حقا, أو يرى لنفسه الحق على الناس أو إنه كثير الكلام أو كثير النوم في غير وقت النوم.
وأما في ثوبه : فكقولك إن ثوبه طويل أو وسخ الثياب، أو رديء الملابس. وقس على ذلك باقي الأمور الأخرى.
إن بعض الناس قد يغتاب شخصاً فإذا قيل له : اتق الله ولا تتكلم في أعراض المسلمين. أجاب بقوله : أنا مستعد أن أقول ذلك أمامه أو أن فلاناً لا يغضب مما أقول. فما يدريك يا أخي أنه لا يغضب، فلعله يجامل عندك ولكن في قرار نفسه يتألم كثيراً من ذلك ويكرهه.
وكما أنك أيضاً لا تقبل أن يكون عرضك حديث المجالس فكذلك الناس لا يقبلون ذلك لأنفسهم، فطهر لسانك وطهر مجلسك من الغيبة، ولا تسمح لأي شخص أن يغتاب أحداً عندك في مجلسك، ولو تكلم أحد فأسكته وبين له حرمة ذلك، ودافع عن أعراض إخوانك المسلمين إذا اغتابهم أحد عندك، فإن ذلك أجرا عظيما كما قال صلى الله عليه وسلم (من رد عرض أخيه المسلم كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة) (رواه أحمد والترمذي).

■ واعلم أخي الكريم :
أن المغتاب لو لم يجد أذناً صاغية لما اغتاب واسترسل في الحديث، فأنت باستماعك الحديث وعدم إنكارك عليه تكون مشجعاً على المعصية وإذا لم يرتدع وينته عن الغيبة فإنك تكون شريكاً في الإثم.
ويقول ابن القيم في مدارج السالكين : والجود عشر مراتب، ثم ذكرها فقال : والسابعة الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة، كان إذا أصبح قال : اللهم لا مال لي أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم).

■ والآن أخي الفاضل ـ أخي المؤمن :
هل ترانا نعود إلى الغيبة ؟ دعنا نحاول تركها أو على الأقل التقليل منها.
فو الله، وتالله إنها لمحسوبة علينا. وهل عندنا من الحسنات ما يكفينا حتى نعطيها لغيرنا في الوقت الذي نكون أحوج ما نكون إليها بل إلى حسنة واحدة منها، ولا نستقلها فربما تكون هي التي تنقلنا من الجحيم الأليم إلى النعيم الخالد.
قال تعالى (إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) (سورة : ق آية رقم 37).
وقال أيضاً (وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين) (الذاريات آية رقم 55).
image الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة.
 4  0  4375

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:11 صباحًا الجمعة 16 ذو القعدة 1440 / 19 يوليو 2019.
الروابط السريعة.