من أحدث المقالات المضافة إلى القسم.

بسم الله الرحمن الرحيم

اسمُ الكاتب : د. عبدالخالق سيد أحمد أبو الخير.
إجمالي القراءات : ﴿2537﴾.
عدد المشــاركات : ﴿31﴾.

المضامين التربوية في أنَ الجزاء السيئ من جنسِ العمل ــ نظرة شرعية.
■ كلّ إنسان مرتهنٌ بعمله، فمن آمن وعمل صالحا كانت له السّعادة في الدّنيا، والفوز الأكبر يوم القيامة، ومن كفر وعمل السّوء ارتدّ عليه لك في الدّنيا والآخرة (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون) (وأن ليس للإنسان إلّا ما سعى * وأنّ سعيه سوف يرى * ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى) وبعض النّاس يعمل لدنياه فقط، فيسيء فيما بينه وبين ربّه سبحانه، ويسيء معاملة خلقه، ويظنّ أنّه قد ينجو بذلك، والنّصوص دالّةٌ على أنّ المرء يجازى بسوء ما عمل، وقد يأتيه جزاؤه في الدّنيا، وقد يؤخّر له في الآخرة (من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون اللّه وليّا ولا نصيرا).
واللّه تعالى يعامل المنافقين بمثل ما عاملوا به المؤمنين؛ فإنّهم أظهروا الإيمان وابطنوا الكفر؛ خداعا للمؤمنين، فعدّ اللّه تعالى هذه المخادعة منهم مخادعة له سبحانه (إنّ المنافقين يخادعون اللّه وهو خادعهم) والحقيقة أنّ خداعهم يرتدّ عليهم؛ إ لا يمكنهم مخادعة اللّه تعالى، وهو سبحانه عليم بحقيقتهم، مطّلع على ما في قلوبهم (ومن النّاس من يقول آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون اللّه والّذين آمنوا وما يخدعون إلّا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرضٌ فزادهم اللّه مرضا ولهم عابٌ أليمٌ بما كانوا يكبون) فارتدّ عليهم خداعهم، وزاد اللّه تعالى قلوبهم مرضا إلى مرضها بالنّفاق، ولمّا كانوا يستهزئون بالمؤمنين جازاهم اللّه تعالى بالاستهزاء بهم (وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون * اللّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون) "فاللّه تعالى يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ أي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء ،إنما ينزل بهم من النّكال والّذلّ والهوان، ومن استهزائه بهم يوم القيامة، أنّه يعطيهم مع المؤمنين نورا ظاهرا، فإذا مشى المؤمنون بنورهم، طفئ نور المنافقين، وبقوا في الظّلمة بعد النّور متحيّرين، وكلّ سخرية منهم بالمؤمنين فإنّها مرتدّةٌ عليهم (الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصّدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم فيسخرون منهم سخر اللّه منهم ولهم عذابٌ أليمٌ) والمنافقون كذلك (نسوا اللّه فنسيهم) أي: تركوا أمره، وأغفلوا كره، فتركهم من رحمته وفضله؛ ولا نهى اللّه تعالى المؤمنين عن التّشبّه بالمنافقين في إهمال دينه، والغفلة عن كره عزّ وجلّ (ولا تكونوا كالّذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم) ومن أنساه اللّه تعالى نفسه ضاعت مصالحه في الدّنيا والآخرة، ومن مكر بدين اللّه تعالى فاتّخذه وسيلة لجمع الدّنيا، ومكر بعباده المؤمنين مكر اللّه تعالى به (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّا دمّرناهم وقومهم أجمعين) (ومكروا ومكر اللّه واللّه خير الماكرين) (والّذين يمكرون السّيّئات لهم عذابٌ شديدٌ ومكر أولئك هو يبور) كلّ من زاغ عن الحقّ أزاغه اللّه تعالى، ومن صرف قلبه عن آياته صرف اللّه قلبه عن الحقّ، ومن أعرض عن دين اللّه تعالى أعرض اللّه تعالى عنه (فلمّا زاغوا أزاغ اللّه قلوبهم) (وإذا ما أنزلت سورةٌ نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثمّ انصرفوا صرف اللّه قلوبهم بأنّهم قومٌ لا يفقهون) (ومن يشاقق الرّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيرا) أي: "من يخالف الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم من بعد ما ظهر له الحقّ، ويسلك طريقا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحقّ، نتركه وما توجّه إليه، فلا نوفّقه للخير" (ونصله جهنّم وساءت مصيرا) ومرّ ثلاثةٌ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يحدّث أصحابه رضي اللّه عنهم فجلس اثنان وأعرض الثّالث ففارقهم، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيه: "وأمّا الآخر فأعرض فأعرض اللّه عنه"(رواه الشّيخان) ويجازى يوم القيامة على إعراضه بالعمى والإهمال (ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكلك اليوم تنسى) وكلّ ما يعمله الإنسان من عمل قبيح فإنّه لن يضرّ اللّه تعالى ولا دينه ولا أولياءه شيئا، كما قال سبحانه: (لن يضرّوكم إلّا أذى) (وإن تصبروا وتتّقوا لا يضرّكم كيدهم شيئا إنّ اللّه بما يعملون محيطٌ) (يا أيّها الّذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم) بل إنّ كل العمل القبيح يرتدّ على صاحبه، وقد يصاب في الدّنيا ببعض نوبه، وها المعنى مذكور بكثافة في القرآن ليعيه أهل الإيمان؛ (وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلّا بأنفسهم وما يشعرون) (فلمّا أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحقّ يا أيّها النّاس إنّما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدّنيا ثمّ إلينا مرجعكم فننبّئكم بما كنتم تعملون) ومكرهم عائدٌ عليهم لا محالة (ولا يحيق المكر السّيّئ إلّا بأهله) (فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه) وإلا فإنّ اللّه تعالى أسند كلّ ما يصيب العباد من المصائب إلى أنفسهم، بسبب عصيانهم؛ (أولمّا أصابتكم مصيبةٌ قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قل هو من عند أنفسكم إنّ اللّه على كلّ شيء قديرٌ)(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

■ أخي القارئ :
ثمّة ذنوبٌ يجازى العبد على ارتكابها في الدّنيا بحرمانها في الآخرة، كشرب الخمر، ولبس الحرير، ولبس الّذهب؛ لحديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من شرب الخمر في الدّنيا، ثمّ لم يتب منها حرمها في الآخرة"(رواه الشّيخان)، وفي حديث أنس رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "من لبس الحرير في الدّنيا فلن يلبسه في الآخرة"(رواه الشّيخان)، وفي حديث عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "من لبس الّذهب من أمّتي، فمات وهو يلبسه حرّم اللّه عليه ذهب الجنّة، ومن لبس الحرير من أمّتي، فمات وهو يلبسه حرّم اللّه عليه حرير الجنّة"(رواه أحمد) والمتكبّر على النّاس في الدّنيا يعامل يوم القيامة بنقيض قصده، فيجازى بالّذلّ والصّغار والهوان؛ كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الّذرّ في صور الرّجال يغشاهم الّذلّ من كلّ مكان، فيساقون إلى سجن في جهنّم يسمّى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النّار، طينة الخبال"(رواه التّرمذيّ) وإذا وضع العبد نصب عينيه هذه النّصوص، وأيقن أنّ أيّ سوء يفعله في الدّنيا فإنّه يرتدّ عليه؛ فيصاب به في الدّنيا أو يؤجّل له في الآخرة، ورأى لك رأي العين في المعرضين عن دين اللّه تعالى، الصّادّين عنه، المحاربين له؛ زاده لك إيمانا ويقينا وتمسّكا بدين اللّه تعالى، وخاف من مخالفة أمره سبحانه، أو الوقوع في نهيه عزّ وجلّ، وإذا زلّت به القدم فوقع في المعصية بادر بالتّوبة والاستغفار، كما أنّ علم المؤمن بذلك يريح قلبه، ويشرح صدره؛ ليقينه أنّ مكر الكفّار والمنافقين مرتدٌّ عليهم في الدّنيا وفي الآخرة، وأنّ اللّه تعالى: (أسرع مكرا) (وقد مكروا مكرهم وعند اللّه مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال).
هذا ما سمح به الوقت، وجاد به القلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.