■ المقدمة :
سورة الشرح سورة مكية، وعدد آياتها ثمانٍ، وهي من سور التسلية والتثبيت لرسول الله ﷺ، جاءت بعد سورة الضحى مكملةً لمعانيها؛ ففي الضحى تذكير بالنعم الماضية، وفي الشرح تذكير بنعم أخرى مع الوعد بأن العسر يعقبه اليسر، ثم ختمت بتوجيه النبي ﷺ إلى دوام العبادة والإقبال على الله وحده.
● المطلب الأول: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
افتتحت السورة بالاستفهام: ﴿ألم نشرح﴾، وهو استفهام خرج عن حقيقته إلى التقرير، أي: قد شرحنا لك صدرك، ليقرر هذه النعمة العظيمة في نفس النبي ﷺ، ويستحضرها وكأنها حاضرة بين يديه.
وجاء الفعل ﴿نشرح﴾ بصيغة المضارع مع أن النعمة قد وقعت؛ لاستحضار صورتها وتجدد آثارها واستمرارها، فكأن شرح الصدر نعمة متواصلة لا تنقطع.
وأُسند الفعل إلى ضمير الجمع في قوله: ﴿نشرح﴾ دون: أشرح؛ وهو من نون العظمة الدالة على جلال المنعم وعظمة هذه النعمة، إذ كلما عظم المنعم عظمت النعمة. وقيل: إن ذلك يشير أيضًا إلى أن الله تعالى أجرى أسباب هذا الشرح بواسطة ملائكته، كما في حادثة شق الصدر، مع بقاء الفاعل الحقيقي هو الله سبحانه.
ودخلت اللام في قوله: ﴿لك﴾ للاختصاص والاعتناء، أي: شرحًا خاصًا بك إكرامًا لك ولأجل مصلحتك، وفيه إشارة إلى أن جميع آثار الرسالة راجعة إلى مصلحة الرسول ﷺ وأمته.
♦ معنى شرح الصدر :
ذكر العلماء في شرح الصدر قولين مشهورين:
• الأول: حمله على الحقيقة، وهو ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من شق صدر النبي ﷺ، وإخراج قلبه، وغسله، وإزالة حظ الشيطان منه، ثم ملئه إيمانًا وحكمة. وليس المقصود أن الغسل يزيل الذنوب بذاته، وإنما هو علامة حسية على تطهير القلب وعصمته.
• الثاني: وهو الأعم والأظهر، أن المراد انشراح القلب بالإيمان واليقين والحكمة، واتساعه لتحمل أعباء الرسالة، وزوال الضيق والهم والخوف، حتى هانت عليه مشاق الدعوة، وعظم في قلبه أمر الآخرة، وصغرت الدنيا في عينه، فصار ثابتًا لا تزعزعه المحن.
ومنه قوله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) ومن آثار شرح الصدر: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، والثبات عند الشدائد، وعدم الانشغال بالهموم الدنيوية التي تعوق عن أداء الرسالة.
وقد جاء في الحديث أن من علامات انشراح الصدر: «التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله».
♦ لماذا قال: الصدر ولم يقل القلب؟
لأن الصدر هو مدخل الوساوس، كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فإذا طُهِّر الصدر من الوساوس وصلح، سلم القلب الذي هو موضع الإيمان والعقل والمعرفة.
ولأنه محل الهم والضيق والانشراح.
● المطلب الثاني: قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾.
الوزر في اللغة: الثقل، ثم استعمل في الذنب لأنه يثقل صاحبه.
واختلف المفسرون في المراد بالوزر، وأشهر الأقوال:
* أنه ما غفره الله للنبي ﷺ.
* أو أعباء الرسالة التي ثقلت عليه ثم يسرها الله.
* أو ما كان يجده من هموم الدعوة وأذى المشركين.
* أو ما كان يحمله من شدة الشفقة على أمته.
* أو جميع ما كان يثقله من أعباء الدعوة حتى خففه الله عنه.
وهذه الأقوال لا تعارض بينها؛ إذ كلها تدخل في معنى إزالة الثقل وتخفيف الأعباء.
♦ معنى: ﴿أنقض ظهرك﴾ لغة وبلاغة.
أنقض مأخوذ من النقض.
وأصل النقض في اللغة: صوت الشيء إذا تصدع أو تحرك من شدة الحمل، فيقال: نقض السقف إذا صدر منه صوت بسبب تشققه، وأنقض البعير ظهره إذا أثقله الحمل حتى سُمِع لصدره أو ظهره صوت.
فالمعنى: بلغ الثقل مبلغًا كأن الظهر يصدر منه صوت من شدة ما يحمل.
وهذا من أبلغ الاستعارات العربية؛ إذ شبَّه شدة ما كان يجده النبي ﷺ من أعباء الدعوة، والهموم، والمسؤولية، بالحمل الثقيل الذي يكاد يكسر الظهر حتى يسمع له صوت.
فالتعبير لم يرد مجرد بيان وجود الثقل، بل تصوير شدته تصويرًا محسوسًا.
● المطلب الثالث: قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.
أي: أعلى الله ذكر نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
♦ ومن مظاهر ذلك:
* اقتران اسمه باسم الله في الشهادتين.
* ذكره في الأذان والإقامة والخطب.
* الصلاة والسلام عليه في الصلوات.
* اقتران طاعته بطاعة الله.
* ذكره في الكتب السابقة.
* انتشار سنته في مشارق الأرض ومغاربها.
* ختم النبوة به.
* محبة المؤمنين له جيلاً بعد جيل.
فرفع الذكر شامل لكل صور التعظيم والإكرام.
● المطلب الرابع: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
هذه الآية من أعظم آيات الرجاء.
♦ مناسبة الآية :
لما عدد الله نعمه الماضية، وعد نبيه بالنعم الآتية، ومن أعظمها أن الشدة لا تدوم، وأن اليسر ملازم للعسر.
♦ التأسيس أم التأكيد؟
قرر كثير من أهل البلاغة أن الأصل حمل الكلام على التأسيس لا على التأكيد؛ لأن إفادة معنى جديد أولى من مجرد إعادة المعنى السابق.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ وعدًا بيسر.
ثم قوله: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ وعدًا بيسر آخر.
فليس الثاني تكرارًا محضًا، بل تأسيس لمعنى جديد، فيكون مع العسر الواحد يسران.
أما من حمل الآية على التأكيد، فقال: إن إعادة الجملة لتثبيت المعنى في النفوس وزيادة تطمين الرسول ﷺ.
والجمع بين القولين ممكن؛ فالجملة الثانية تؤكد الوعد، وفي الوقت نفسه تفيد زيادة اليسر.
♦ لماذا قال: (العسر) معرفة و(يسرًا) نكرة؟
لأن العسر عُرِّف بأل، فالأصل أن المراد به عسر واحد.
أما يسرًا فجاء نكرة، والنكرة إذا أعيدت كانت غير الأولى، فيفيد تعدد اليسر.
ومن هنا جاء الأثر المشهور: «لن يغلب عسرٌ يسرين.».
أي: العسر واحد، واليسر متكرر ومتجدد.
♦ لماذا قال: (مع) ولم يقل (بعد)؟
قال: ﴿مع العسر﴾ ولم يقل: بعد العسر؛ ليدل على أن اليسر يبدأ مع العسر، وإن لم يظهر أثره كاملًا إلا بعده؛ ففي أثناء الشدة أسباب الفرج، ولطف الله، والتيسير الخفي.
♦ بلاغة التنكير :
جاء ﴿يسرًا﴾ نكرة للتفخيم، أي: يسرًا عظيمًا واسعًا غير محدود.
● المطلب الخامس: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾.
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ فلما ذكر الله نعمه، أمر نبيه بشكرها.
ومعنى ﴿فرغت﴾: إذا انتهيت من عمل.
ومعنى ﴿فانصب﴾: أتعب نفسك في عبادة أخرى، من النصب وهو التعب.
♦ وقد قيل في تفسيرها:
* إذا فرغت من الصلاة فأقبل على الدعاء.
* إذا فرغت من الفرائض فقم الليل.
* إذا فرغت من أمور الدنيا فتفرغ للعبادة.
* إذا فرغت من الجهاد فاجتهد في الطاعة.
وجميعها داخلة في المعنى العام، وهو أن المؤمن ينتقل من طاعة إلى طاعة، ولا يجعل الفراغ بابًا للغفلة.
ومن ثم قال بعض السلف: ما أُمر الفارغ بالبطالة، وإنما أُمر إذا فرغ من عمل أن يشتغل بعمل صالح آخر.
● المطلب السادس: قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
ختمت السورة بإخلاص التوجه إلى الله.
أي: اجعل رغبتك، وسؤالك، ورجاءك، وطمعك، وقصدك إلى الله وحده، ولا تتعلق القلوب بغيره.
♦ فيدخل في ذلك:
* الدعاء.
* العبادة.
* التوكل.
* طلب النصر.
* طلب الرزق.
* جميع مصالح الدين والدنيا.
وقُرئت قراءة شاذة: ﴿فَرَغِّبْ﴾ أي: رغّب الناس فيما عند الله، وهي قراءة تفسيرية لا تثبت قرآنًا.
● أهم اللطائف البلاغية في السورة :
1. افتتاح السورة بالاستفهام التقريري لتأكيد النعم.
2. استعمال المضارع في ﴿نشرح﴾ لاستحضار النعمة وتجدد آثارها.
3. التعبير بنون العظمة في ﴿نشرح﴾ للدلالة على عظمة المنعم وعظمة النعمة.
4. تقديم الجار والمجرور في ﴿لك﴾ للاختصاص والعناية.
5. اختيار لفظ الصدر؛ لأنه موضع الوساوس ومدخل القلب.
6. الاستعارة في ﴿أنقض ظهرك﴾ بتصوير الثقل حتى كأنه أحدث صوتًا في الظهر.
7. تكرار قوله: ﴿إن مع العسر يسرا﴾ لإفادة مزيد التثبيت، مع حمله على التأسيس، فيكون مع العسر الواحد يسران.
8. تعريف العسر وتنكير يسرًا للإشارة إلى وحدة العسر وتعدد اليسر، مع تفخيم شأن اليسر.
9. اختيار مع دون بعد للدلالة على أن الفرج يصاحب الشدة ويبدأ معها.
10. تعقيب النعم بالأمر بالعبادة في قوله: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾؛ إشارة إلى أن شكر النعم يكون بالعمل.
11. تقديم الجار والمجرور في ﴿وإلى ربك﴾ لإفادة القصر، أي: إلى ربك وحده فارغب، فلا تتعلق الرغبة إلا بالله سبحانه.
● خاتمة :
جمعت سورة الشرح بين تذكير النبي ﷺ بأعظم النعم: شرح الصدر، وتخفيف الأعباء، ورفع الذكر، ثم بشّرته بأن اليسر ملازم للعسر، وختمت بتوجيهه إلى دوام العمل الصالح، وإخلاص الرغبة والتوكل والدعاء لله وحده. فهي سورة تجمع بين الامتنان، والتثبيت، والتربية، والهداية، في أسلوب بليغ يجمع بين قوة المعنى وروعة البيان.